لما بابا دخل على المستشفى بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

لما بابا دخل عليا أوضة المستشفى، كان جسمى بيرتعش من تعب الولادة، وضامة ابني إلى صدري. 
بابا أول ما شاف المولود قال يا ضنايا.. هو ال 50 ألف جنيه اللي كنت ببعتهملك كل شهر مكنوش مكفيين ولا إيه؟
قلبي وقف! 50 ألف إيه؟!
جوزي طارق كان لسه خارج هو وأمه الحاجة كريمة، قالوا إيه نازلين نجيب حاجة من العربية. وأنا ولا جه في بالي، كنت مشغولة بس في ملامح حتة اللحمة الحمراء اللي بين إيديا.
بابا الحاج محمود دخل وعينيه الحنينة كانت لسه حادة وبتبرق زي الصقر في وقت اللزوم. باس راسي، وبعدين بص حواليه في الأوضة الحكومية الضيقة، والستاير الباهتة، والكرسي اللي بيزيق مع كل حركة. عقد حواجبه باستغراب شديد.
وبصوت هادي بس مسموع في الأوضة، قال يا ضنايا.. هو ال 50 ألف جنيه اللي كنت ببعتهملك كل شهر مكنوش مكفيين ولا إيه؟
قلبي وقف! للحظة افتكرت إن البنج مأثر على وداني وبسمع تهيؤات.
همست والشكة في قلبي بابا.. فلوس إيه؟
لون وشه اتخطف وبقى زي الورقة البيضاء الفلوس اللي ببعتها من يوم فرحك.. كنت بحولها على الحساب اللي طارق فتحه باسمك. كنت عايزك أنتِ وابني متتحوجوش لحد وتجيبوا كل اللي نفسكم فيه. وبص بكسرة عين لقميص المستشفى الرخيص اللي أنا لابساه، وشنطة البامبرز الشعبي اللي محطوطة تحت السرير.. وكمل أوعي تقولي إنك مشفتيش مليم منها؟
هزيت راسي ببطء والدنيا بدأت تلف بيا. طول السنة اللي فاتت وطارق يقنعني إن الحال واقف، وإن استقالتي من المدرسة عشان الحمل كانت تضحية عشان نربي العيال. كان بيحسسني إننا بنشحت، وإننا مش قادرين نجيب سرير نضيف للبيبي ولا حتى شقة أوسع. اعتذرت له مية مرة إني حمولة تقيلة عليه، وكنت بمنع نفسي عن الفاكهة عشان أوفر تمن المكرونة!
في اللحظة دي بالظبط، الباب

اتفتح.. ودخل طارق ومعاه أمه كريمة، وهما ميتين من الضحك، وشايلين في إيديهم شنط ماركات عالمية بتلمع. ساعات دهب، وجزم جلد غالية، وشنطة إيد تمنها يفتح بيت سنة كاملة.
الكاتب_رومانى_مكر
 
أول ما شافوا بابا ووشه اللي زي الرعد، الضحكة اتجمدت على شفايفهم.. والجو في الأوضة بقى يشعلل نار.
بابا محمود نطق بكلمتين، كل كلمة فيهم زي الطلقة قولي يا طارق.. فَهّمت بنتي الفلوس بتاعتها كانت بتروح فين؟ ووو سيبلى لايك طارق بلع ريقه، وبص لأمه بسرعة كأنه بيدور على إجابة تنقذه. أما الحاجة كريمة فشدّت الشنط ناحية رجلها بخفة، وحاولت تبتسم ابتسامة باهتة.
قالت وهي بتضحك ضحكة مصطنعة يا حاج محمود، إيه الكلام الكبير ده؟ أكيد فيه سوء تفاهم.
لكن بابا ما ردش عليها، كان مركز عينيه على طارق بس.
أنا بسألك سؤال واضح... الفلوس اللي كنت بحولها كل شهر، بنتي كانت تعرف عنها إيه؟
سكتة ثقيلة نزلت على الأوضة.
أنا بصيت لطارق، مستنية منه يقول أي حاجة تنفي الكابوس اللي بدأ يتشكل قدامي.
لكنه اتلعثم يعني... أصل... الفلوس دي كانت بتدخل في مصاريف البيت.
بابا ضحك ضحكة قصيرة خلتني أخاف.
مصاريف بيت؟
وأشار بإيده حوالين الأوضة.
البيت اللي بنتي كانت بتقولي فيه إنها مش قادرة تجيب فيتامينات الحمل؟ ولا البيت اللي كانت بتستخسر فيه كيلو فاكهة؟
وش طارق احمر.
أما الحاجة كريمة فدخلت بسرعة يا حاج إحنا أهل ومش هنحاسب بعض على القرش...
لكن بابا قاطعها بحزم بالعكس... لما القرش يبقى حق بنتي، يبقى لازم يتحاسب عليه.
في اللحظة دي الممرضة دخلت عشان تطمن عليا وعلى البيبي، لكن أول ما شافت الوجوه المشدودة رجعت خطوة لورا.
وأنا كنت حاسة إن صدري بيضيق.
مش بس بسبب الفلوس...
لكن بسبب الذكريات اللي بدأت تربط نفسها
ببعض.
مرة لما طلبت من طارق نجيب سرير أطفال وقال استحملي شوية.
مرة لما قلتله إن الإيجار متأخر فقال الدنيا خنقانا.
مرة لما شفته جايب تليفون جديد وقال إنه قسط.
كل موقف كان بيرجع قدامي دلوقتي بشكل مختلف.
وفجأة بابا طلع من جيبه ظرف بني سميك.
حطه على الترابيزة جنب السرير.
وقال بهدوء مخيف
أنا جاي النهارده ومعايا كل إيصالات التحويلات من أول شهر بعد الجواز...
طارق اتجمد مكانه.
أما الحاجة كريمة فشهقت بدون ما تقصد.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما بابا فتح الظرف، وسحب ورقة واحدة بس من وسط عشرات الأوراق...
وبص لطارق وقال
الغريب إن فيه حاجة في الإيصالات دي خلتني أشك من أسبوعين وأبدأ أدور...
وساعتها لأول مرة الخوف الحقيقي ظهر في عيون طارق.
لأن الورقة اللي كانت في إيد بابا ما كانتش إيصال تحويل عادي...
وكان واضح إنها مخبية سر أكبر بكتير من حكاية الخمسين ألف جنيه.
يتبع...طارق مد إيده بسرعة كأنه عايز يشوف الورقة، لكن بابا سحبها قبل ما يلمسها.
وقال بنبرة ثابتة استنى مكانك.
الأوضة كلها بقت ساكتة.
حتى البيبي اللي كان بيعيط من شوية، سكت كأنه حاسس إن فيه حاجة كبيرة بتحصل.
أنا بصيت للورقة، وحاولت أفهم إيه اللي فيها.
لكن بابا كان ماسكها بعيد.
الحاجة كريمة حاولت تضحك يا حاج محمود، هو إحنا في تحقيق ولا إيه؟
رد عليها من غير ما يبصلها كنت أتمنى يبقى سوء تفاهم.
وبعدين وجه كلامه لطارق لما سألت البنك عن سبب تأخر بعض التحويلات، الموظف قال معلومة غريبة.
طارق بدأ يتنفس أسرع.
قال إن الحساب اللي كنت بحول عليه... مش بيتصرف منه مصاريف بيت زي ما كنت فاكر.
أنا حسيت بقلبي بيخبط بعنف.
بابا كمل كل شهر تقريبًا، بعد يوم أو يومين من نزول المبلغ، كان بيخرج جزء كبير منه في عملية واحدة.

الحاجة كريمة قبضت على شنطتها بقوة.
أما طارق فبدأ يعرق رغم برودة التكييف.
قلت بصوت مرتجف يعني إيه؟
بابا لف الورقة ناحيتي.
لكن قبل ما ألمح اللي فيها، طارق قال فجأة
أنا هشرح.
دي كانت أول مرة يتكلم بثقة من ساعة ما دخل.
بابا عقد دراعيه اتفضل.
طارق أخد نفس طويل وقال أنا كنت بحاول أعمل مشروع.
أنا رمشت باستغراب.
مشروع؟
أيوه... مشروع يضمن مستقبلنا.
للحظة حسيت إن فيه تفسير منطقي أخيرًا.
لكن بابا هز راسه ببطء.
وقال لو كان مشروع فعلًا، مكنتش هتتفاجئ لما عرفت اسم الجهة اللي كانت الفلوس بتروح لها.
الأوضة اتجمدت.
وطارق ساعتها فقد لونه تمامًا.
أما الحاجة كريمة فبصت للأرض لأول مرة.
أنا بقيت أبص بينهم ومش فاهمة.
صرخت حد يفهمني!
بابا فتح الورقة أخيرًا.
كانت عبارة عن كشف حركة مختصر.
وفي منتصف الصفحة كان فيه اسم متكرر عشرات المرات.
اسم جهة واحدة.
جهة كانت بتسحب مبالغ ضخمة شهر ورا شهر.
لكن قبل ما يوصل الورقة لإيدي، دخل راجل خمسيني لابس بدلة رمادي على باب الأوضة.
وقف للحظة وهو بيدور بعينيه.
وبعدين أول ما شاف طارق قال بصوت عالي
الحمد لله إني لقيتك أخيرًا يا أستاذ طارق...
طارق اتجمد.
الراجل كمل
بقالنا أسبوع بندور عليك علشان توقع على الإخطار الأخير.
وساعتها أنا عرفت من وش طارق إن المصيبة الحقيقية لسه ما بدأتش أصلًا...
يتبع...الراجل دخل خطوتين جوه الأوضة، وما كانش منتبه للتوتر اللي مالي المكان.
مد ملف أزرق ناحية طارق وقال
اتفضل... لازم تستلم بنفسك.
طارق ما اتحركش.
ولا حتى مد إيده.
الراجل استغرب فيه إيه؟
بابا قام من على الكرسي ببطء وقال أنا والد مراته. ممكن أفهم الموضوع؟
الراجل بص بينا كلنا، وحس إن فيه حاجة مش طبيعية.
قال بحذر أنا مش جاي أعمل مشكلة... بس إحنا
شركة إدارة عقارات.
عيني اتسعت.
عقارات؟!
بابا خطف الملف من إيد الراجل وفتحه.
طارق جرى خطوة لقدام لو سمحت
تم نسخ الرابط