ابن اختي امير
ابن أختي أمير، اللي لسه مكمل تمن سنين، مفارقش أمه لحظة طول العزا. كان قاعد جنبها وعمال يكرر نفس الجملة
ماتغطوش وشها دلوقتي.. ماما قالتلي أستنى الصوت.
كل اللي قاعدين افتكروه طفل مصدوم ومش مستوعب فكرة موت أمه... لحد ما الساعة قربت على نص الليل، وفي حاجة بدأت تتهز وتزن تحت العباية اللي متغطية بيها أختي.
أنا اسمي سارة.. وعمري ما هنسى نظرة أمير لوش أمه ريم في اليوم ده.
ماكانش بيعيط.
ولا حتى بيرمش.
كان باصصلها وكأنه مش بيودعها الوداع الأخير، ده كأنه بيحرس أمانة سابتهاله.
العزا كان معمول في بيت العيلة عندنا، لأن ريم طول عمرها كانت بتقول مش عايزة تطلع من مكان غريب، كانت دايماً تتمنى إن لو يومها جه، تطلع من وسط أهلها وناسها، والقرآن يبقى شغال في كل ركن في البيت، والكل بيدعيلها لحد آخر لحظة.
بس للأسف، مفيش حاجة حصلت زي ما هي اتمنت.
لا طريقة موتها.
ولا الهدوء المريب اللي كان مالي البيت الليلة دي.
وأكيد مش استعجال جوزها عمر إنه يدفنها قبل الفجر ما يطلع!
على حسب كلامه، أختي وقعت من على السلم.
كده، بمنتهى البساطة.
رجليها فلتت.
وقعة جامدة.
وكل حاجة خلصت.
بس أنا عارفة ريم أختي كويس. دي شابة عندها ٣٤ سنة، وبتحسب كل خطوة بتخطيها، ومستحيل.. مستحيل تسيب ابنها أمير لوحده.
وفوق ده كله، ريم كانت باعتالي فويس نوت من تلات أيام بس، كلماتها بترن في ودني ومش قادرة أنساها
يا سارة، لو حصلي حاجة غريبة في يوم من الأيام، إوعي تسكتي.
ماسابتش ولا حرف زيادة.
وأنا مسألتهاش تقصد إيه.
ودلوقتي... أنا ندمانة ندم عمري.
من أول لحظة دخلوا فيها النعش للصالون، أمير سحب كرسي صغير وقعد جنب أمه. كان حاضن لعبته اللي بيحبها أوي ومكلبش فيها، وساند كيعانه على طرف السرير اللي حطوها عليه.
أمي
وخالاته حاولوا ياخدوه جوه في الأوضة عشان يريّح شوية.
بس محدش فينا عرف يزحزحه من مكانه.
أمي قالتله بدموع
يا حبيبي تعالى اقعد في حضن تيتا شوية.
هز راسه ب لأ.. وقالها
لأ.. ماما قالتلي أفضل هنا لحد ما أسمع الصوت.
كلنا بصينا لبعض بقلق. أما عمر، اللي كان واقف على الباب بقميص أسود مكرمش، وعامل فيها الزوج المقهور، نفخ بضيق وقال
الولد متلخبط.. سمع دوشة كتير في المستشفى وعقله مشتت.
بصيتله وسألته
دوشة إيه اللي سمعها؟
سكت لحظة كده وقال بارتباك
أجهزة الرعاية.. الدكاترة.. حاجات زي كده.
عمر ده كداب فاشل. أنا عارفة كده من سنين.
كل ما يتوتر، إيده تروح على رقبته يهرش فيها من غير ما يحس. والليلة دي بالذات، إيده مانزلتش من على رقبته دقيقتين على بعض!
كان فيه حاجة تانية كمان مخلياني مش على بعضي. ريم كانت متكفنة، بس عمر صمم يغطيها بعباية نبيتي غامق، عمري ما شفتها لابساها قبل كده.
الموضوع ده كان عاصر قلبي.. أختي عمرها ما حبت اللبس الضيق أو المبهرج ده. كانت دايماً تحب اللبس الواسع المريح، وتمشي بشنطة كبيرة حاطة فيها كل كراكيبها؛ مفاتيحها، شوكولاتة، فواتير قديمة، وألوان أمير.
بس عمر أصر إن العباية دي كانت أكتر حاجة بتحبها.
وأنا ماصدقتوش.
على الساعة حداشر بالليل، والرجالة برة بيقروا قرآن، شفت أمير بيقرب أكتر من أمه.
رفع إيده الصغيرة براحة، ورجع طرف الغطا اللي كان نزل شوية عن وشها.
ووطى عليها وشوشها بحاجة محدش سمعها غيرهم.
بعدها رفع راسه وبصلي، وقال
خالتو سارة.. ماتخليهمش يغطوا وش ماما دلوقتي.
قلبي اتقبض، سألته
ليه يا حبيبي؟
وشه الصغير كان هادي بطريقة تخوف، ورد وقال
عشان ماما قالتلي إنكم أول ما تسمعوا الصوت.. إنتي هتعرفي المفروض تعملي إيه.
كنت لسه هسأله قصدك إيه، بس في اللحظة دي واحدة من قرايبنا صوتت وانهارت في العياط، وواحد من اللي واقفين اتكعبل في صينية الشاي، والريسبشن كله اتقلب دوشة وحركة وهمس.
عمر استغل الهيصة دي وقرب من النعش.
وقال بلهجة كلها أمر
كفاية كده يا أمير.. انزل من على الكرسي ده يلا.
أمير بصله.
لأول مرة من أول العزا.
وساعتها بس أنا خفت.
مش على الولد.
لأ، أنا خفت من نظرة عمر!
لأن أمير ماكانش بيبص لأبوه نظرة طفل لأبوه العادي.
كان بيبصله وكأنه عارف حقيقة ومصيبة أكبر بكتير من إن طفل في سنه يستوعبها.
وفجأة.. حصل.
صوت زنّة مكتومة.
هزة سريعة.
وقصيرة.
كأنها طالعة من حتة حديدة صغيرة.
الصوت ماكانش جاي من المطبخ.
ولا من الشارع.
ولا موبايل حد من اللي قاعدين.
الصوت كان طالع من تحت العباية اللي متغطية بيها ريم!
الدم نشف في عروق كل اللي واقفين، وسكون تام نزل على المكان.
أما أمير، وقف فوق الكرسي، وضم لعبته لصدري أوي، وقال بصوت واطي
شفتوا؟ مش قلتلكم؟
وقبل ما عمر يلحق يمد إيده عليه...
أمير مد إيده الصغيرة جوه طيات العباية.
دوّر ثواني معدودة.
وطلع حاجة صغيرة كانت متخبية هناك.
وفي اللحظة اللي عين عمر وقعت فيها على الحاجة دي...
الدم هرب من وشه، وبقى أصفر زي اللمونة!
..اثبت وجودك بلايك وكومنت بالصلاه ع النبي للباقي وتابع معاياأول ما أمير طلع الحاجة الصغيرة من تحت العباية، مكنتش قادرة أشوفها في الأول من كتر الرجفة اللي مسكت إيدي.
لكن لما بصيت كويس
كانت موبايل صغير قديم جدًا، من النوع اللي بيتقفل ويتفتح، ومخدوش أي اهتمام، كأنه متخبّي عمداً.
الكل اتجمد.
عمر نفسه اتسمر في مكانه، ووشه اللي كان لونه أصفر قبل كده بقى أقرب للرمادي.
أمير كان ماسك الموبايل بإيده الصغيرة كأنه كنز، وقال بهدوء
ماما قالتلي لما أسمع الصوت أطلع ده.
ساعتها قلبي وقع في رجلي.
بصيت له بسرعة صوت إيه يا أمير؟ صوت إيه اللي هيقولك؟
ما ردّش عليا.
كان باصص للموبايل بس.
وفي نفس اللحظة
الموبايل اللي في إيده اهتز.
اهتزازة واحدة بس.
بس كانت كافية تخلي كل اللي في الأوضة يصرخوا بصوت مكتوم.
أمي رجعت لورا وخبطت في الترابيزة، وخالتي مسكت في الحيطة وهي بتقول يا ساتر ده موبايل مين؟!
عمر اتقدم خطوة بسرعة، صوته اتكسر وهو بيزعق حطّه حطّه فورًا!
بس أمير ما اتحركش.
فتح الموبايل بهدوء غريب على طفل عنده ٨ سنين.
وإحنا كلنا واقفين مش قادرين نتنفس.
الشاشة نورت
وظهر على الشاشة اسم واحد بس.
ريم
أنا حسيت الدنيا بتلف.
بصيت على النعش.
وبصيت على الموبايل.
ورجعت بصيت لعمر
ولقيت إيده بترتعش لأول مرة من غير ما يحاول يخبيها.
أمير رفع عينه ليا وقال بصوت واطي جدًا
ماما قالتلي متفتحوش النعش غير لما ترد.
وفجأة
صوت تاني خرج من الموبايل.
صوت تسجيل قديم.
بس واضح.
وهو بيبدأ
كان في صوت ريم.
بتتنفس.
وبتقول أول جملة
لو إنتوا سامعين الرسالة دي يبقى أنا ما متش زي ما قالواالصوت اللي طالع من الموبايل كان هادي في الأول بس كأنه بيخدعنا.
ريم قالت الجملة دي، وسكتت ثانيتين.
ثانيتين حسّينا فيهم إن البيت كله اتخنق.
وبعدين الصوت كمل
أنا مش متش زي ما قالوا بس لو حد شال الغطا من عليّا قبل ما تسمعوا اللي جاي، يبقى خلاص مفيش رجوع.
صوت زفير خفيف اتسجل كأنها كانت بتبكي وهي بتسجل.
أنا بصيت على النعش تلقائيًا.
العباية النبيتي اللي عمر غطّاها بيها كانت ثابتة بس المرة دي حسّيت إنها مش ثابتة بزيادة كأن فيها حاجة تحتها بتتأكد من نفسها.
أمير لسه ماسك الموبايل، ومش بيرمش.
عمر صوته طلع مبحوح ده تسجيل قديم
لكن إيده كانت بتفضحه بترتعش بشكل واضح.
التسجيل كمل
يا سارة لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا كنت عارفة إنهم هيعملوا