صحيت الصبح بقلم اسراء هاشم
المحتويات
ده وسألني
واضح إنك شفتي الملف قبل كده؟
ما رديتش.
لكنه فهم من ملامحي.
فتح الملف على صفحة معينة ودفعها ناحيتي.
اقري السطر ده.
نزلت بعيني على الورقة.
وقريت.
مرة.
واتنين.
وثلاثة.
مش مستوعبة.
لأن السطر كان بيقول إن في نسبة ملكية مسجلة باسمي في مشروع ضخم... من أكتر من سنة.
سنة كاملة!
وأول مرة أعرف.
رفعت رأسي بذهول.
إزاي؟
تنهد المستشار وقال
ده السؤال اللي جايبني هنا.
وبعدين أخرج ورقة تانية.
لأن في خلال الأسابيع الأخيرة حصلت محاولات لنقل الملكية دي لطرف آخر.
شهقت دون إرادة.
مين؟
المستشار سكت لحظة.
كأنه بيختار كلماته بعناية.
ثم قال
الطلب اتقدم باسم شخص من العائلة.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت خبط قوي جدًا على باب الغرفة.
خبط متوتر ومتكرر.
وبعدين صوت شريف من برة
مروة... افتحي الباب حالًا.
لكن المستشار بصلي وقال بهدوء
قبل ما تفتحي... لازم تعرفي حاجة مهمة جدًا.
ومد إيده نحو آخر مستند في الملف.
مستند كان واضح من شكله إنه أخطر ورقة بينهم كلهم فتحت الباب بسرعة أنا والمستشار.
خرجنا للصالة.
لقينا حماتي قاعدة على الأرض ووشها شاحب بشكل مخيف.
وفريدة واقفة جنبها وهي بتحاول تسندها.
أما شريف فكان واقف في نص الصالة، ماسك ورقة في إيده وملامحه كلها توتر.
أول ما شاف المستشار خرج معايا، خبّى الورقة ورا ضهره.
لكن المرة دي أنا انتبهت.
وقلت بحزم
إيه الورقة اللي في إيدك؟
رد بسرعة
ولا حاجة.
المستشار ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
واضح إنها حاجة مهمة.
سكت شريف.
ولأول مرة من بداية الليلة ما لقىش رد.
في اللحظة دي، فريدة حاولت تغير الموضوع.
ماما تعبانة، خلونا نهتم بيها الأول.
لكن حماتي نفسها رفعت رأسها وقالت بعصبية
كفاية! خلاص كفاية!
كلنا بصينا لها.
حتى فريدة اتفاجئت من رد فعلها.
حماتي كانت بتتنفس بصعوبة.
وقالت وهي تبص لشريف
أنا قلتلك من الأول بلاش تدخل في الحكاية دي.
اتسعت عيني.
شريف قرب منها بسرعة
ماما اسكتي.
لكنها زعقت لأول مرة في وشه
لا... مش هسكت!
الصمت نزل على البيت كله.
ثم قالت
كل اللي حصل ده بدأ يوم ما أبو مروة سافر القاهرة قبل وفاته بأسبوع.
المستشار شد انتباهه فورًا.
وأنا حسيت إن رجلي مش شايلاني.
حماتي كملت
كان معاه أوراق مهمة جدًا... وكان ناوي يسلمها بنفسه.
أوراق إيه؟
سألتها وأنا بالكاد قادرة أتكلم.
لكن قبل ما تجاوب...
شريف ضرب بيده على الترابيزة بقوة.
خلاص!
كانت أول مرة أشوفه منفعل بالشكل ده.
بص للمستشار وقال
حضرتك أخدت وقتك. ياريت تمشي دلوقتي.
المستشار رد بهدوء
للأسف، مش قبل ما أكمل مهمتي.
وأخرج من حقيبته ظرفًا أبيض صغيرًا.
الظرف كان قديمًا.
وعليه اسم واحد فقط.
مروة.
اتجمدت مكاني.
لأن الخط المكتوب على الظرف كان خط أبويا.
خطه اللي أعرفه من أي مكان.
مد المستشار الظرف ناحيتي.
وقال
ده كان أمانة عند المكتب القانوني. والتعليمات كانت إنه يتسلم لك شخصيًا.
إيدي كانت بترتعش وأنا باخده.
حاول شريف يتدخل.
مروة... استني.
لكنني تجاهلته.
فتحت الظرف ببطء.
وكان بداخله خطاب من صفحة واحدة.
أول سطر فيه خلاني أحبس أنفاسي.
بنتي مروة... لو بتقري الرسالة دي، فمعناه إن في ناس حاولت تمنع الحقيقة توصل لك.
رفعت عيني تلقائيًا ناحية الموجودين.
شريف كان متوتر.
فريدة شاحبة.
وحماتي مطرقة رأسها.
رجعت أكمل القراءة.
ومع كل سطر كنت بقراه...
كنت باكتشف إن أبويا كان متوقع إن حاجة كبيرة هتحصل بعده.
لكن قبل ما أوصل لآخر الرسالة...
وقعت من الظرف ورقة صغيرة مطوية.
ورقة ماكنتش ضمن الخطاب.
التقطتها بسرعة.
فتحتها.
ولما شفت اللي مكتوب فيها...
عرفت أخيرًا سبب كل الرعب اللي كان ظاهر على وشوشهم من أول ما المستشار دخل البيت بصيت للمستند الأخير وأنا حاسة إن دقات قلبي مسموعة في الأوضة كلها.
الخبط على الباب كان بيزيد.
مروة! افتحي الباب!
لكن المستشار كان هادئ بشكل غريب.
فتح الورقة قدامي وقال
خدي نفس عميق واقري براحتك.
نزلت بعيني على السطور.
في البداية ما فهمتش حاجة.
مصطلحات قانونية كتير وأرقام وتواريخ.
لكن فجأة وقفت عند اسم أعرفه كويس.
اسم أبويا.
وبعده مباشرة توقيعه.
رفعت رأسي بسرعة.
دي إمضته فعلًا.
هز المستشار رأسه وقال
طبعًا. لأن والدك كان واحد من أوائل المستثمرين في المشروع.
اتصدمت.
أبويا عمره ما قال لحد فينا حاجة زي دي.
كمل المستشار
قبل وفاته بسنوات عمل ترتيبات معينة لضمان حقوق أسرته.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
يعني إيه؟
فتح صفحة تانية.
وأشار لسطر محدد.
يعني إن جزءًا من حصته انتقل إليك قانونيًا.
في اللحظة دي سمعنا صوت نقاش حاد برة.
صوت فريدة.
وصوت حماتي.
وصوت شريف وهو بيقول بعصبية
لازم أعرف بيقولها إيه!
المستشار قفل الملف للحظة وقال
واضح إن في ناس متوترة جدًا من وجودي هنا.
سكت ثواني.
ثم أضاف
وده خلاني أتأكد إن شكوكي كانت في محلها.
أي شكوك؟
رد بهدوء
إن في حد كان بيحاول يبعدك عن أي معلومة تخص أملاكك.
حسيت بدوار خفيف.
كل حاجة كانت بتتقلب قدامي.
الجواز اللي بيتكلموا عنه.
الأوراق اللي بتتخبى.
المكالمات السرية.
الملفات المقفولة.
كلها مرتبطة ببعض.
لكن لسه الحلقة الأهم ناقصة.
سألته
إيه علاقة كل ده بموضوع
لأول مرة تغيرت ملامح المستشار.
وبص ناحية الباب المقفول.
ثم قال بصوت منخفض جدًا
لأن التوقيت مش صدفة.
ضيقت عيني.
يعني؟
فتح الملف مرة أخرى.
وأخرج ورقة صغيرة كانت متدبسة في آخره.
ورقة حديثة جدًا مقارنة بباقي المستندات.
تاريخها من أسابيع فقط.
ناولني إياها.
وأول ما قرأت العنوان المكتوب في أعلاها، اتجمدت في مكاني.
لأنه كان طلبًا رسميًا يتعلق بالمشروع كله.
وفي خانة الأشخاص المرتبطين بالطلب...
كان مكتوب اسم شريف.
واسم شخص آخر.
شخص من العائلة نفسها.
شخص ما كنتش أتوقع أبدًا ألاقي اسمه في الموضوع.
وفي نفس اللحظة...
سمعنا صوت شيء ثقيل وقع في الصالة بالخارج.
ثم صرخة عالية جدًا من حماتي خلتني أقف من مكاني مفزوعة.
أما المستشار فبص للباب وقال جملة واحدة
واضح إن السر بدأ يخرج للنور فضلت أبص للموبايل ثواني طويلة.
الرسالتين كانوا قصيرين.
لكنهم كفيلين يخلوا النوم يطير من عيني نهائي.
مين اللي بعتهم؟
وإزاي عرف إني بفكر أروح بيت جدي أصلًا؟
كتبت بسرعة
مين حضرتك؟
وضغطت إرسال.
استنيت دقيقة.
اتنين.
خمسة.
مفيش رد.
كأن الشخص كان عايز يحذرني وبس.
في الصباح بدري جدًا، خرجت من البيت من غير ما أقول لحد.
حتى أمي ما كلمتهاش.
كنت خايفة أي كلمة توصل للشخص الغلط.
ركبت عربية واتجهت ناحية القرية اللي فيها بيت جدي.
طول الطريق كان عندي إحساس إن حد بيراقبني.
وكل ما أفتكر الرسالة، قلبي يدق أسرع.
بعد ساعة تقريبًا وصلت.
البيت كان قديم جدًا.
مقفول من سنين.
لكن أول ما قربت منه، لاحظت حاجة غريبة.
الباب الخارجي كان موارب.
اتجمدت مكاني.
آخر مرة شفته فيها كان مقفول بقفل حديد ضخم.
مين فتحه؟
دخلت بحذر.
الغبار مالي المكان.
لكن الغريب إن في آثار أقدام حديثة على الأرض.
حد كان هنا فعلًا.
ويمكن من ساعات قليلة بس.
اتبعت الآثار لحد ما وصلت للغرفة القديمة اللي افتكرتها من كلام الرسالة.
الغرفة اللي كنت شفت فيها الدفتر الأسود وأنا طفلة.
دفعت الباب.
فتح بصوت صرير طويل.
وبدأت أدور.
الأدراج.
الخزانة.
الصناديق القديمة.
كل حاجة.
لكن مفيش أثر للدفتر.
بدأ اليأس يتسلل ليا.
وفجأة...
لمحت طرف ورقة خارج من خلف مكتبة خشب قديمة.
شددتها بسرعة.
ماكنتش الورقة اللي بدور عليها.
لكنها كانت صورة.
صورة قديمة جدًا.
عليها أبويا.
ورجل تاني واقف جنبه.
ولما قربتها من وشي أكتر...
شهقت.
لأن الرجل اللي واقف جنب أبويا كان شخصًا أعرفه كويس.
شخص بشوفه تقريبًا كل أسبوع.
لكن عمره ما قال إنه يعرف أبويا أصلًا.
وفي ظهر الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة
الشريك
وقبل ما ألحق أفهم معناها...
سمعت صوت باب البيت الخارجي بيتقفل بقوة.
ثم صوت خطوات بطيئة...
بتقرب من الغرفة اللي أنا فيها ثبتُّ نظري على الورقة الصغيرة.
كانت مجرد سطور قليلة.
لكن تأثيرها كان أكبر من أي شيء قرأته في حياتي.
رفعت عيني ببطء ناحية شريف.
كان واقف متجمد.
كأنه عرف بالضبط أنا قرأت إيه.
أما فريدة فكانت بتعض على شفايفها بعصبية.
سألتني حماتي بصوت مرتعش
مكتوب فيها إيه؟
ما رديتش فورًا.
فضلت أبص للورقة مرة تانية.
لأنها كانت عبارة عن أرقام وحروف وتفاصيل مكان.
عنوان.
ورقم خزنة.
واسم بنك.
وفي آخر السطر ملاحظة بخط أبويا
المفتاح عند الشخص الوحيد اللي أثق فيه.
المستشار عقد حاجبيه.
خزنة؟
هززت رأسي ببطء.
ثم ناولته الورقة.
قرأها بسرعة.
وفجأة تغيرت ملامحه.
لأول مرة من ساعة ما دخل البيت.
قال
دلوقتي فهمت.
شريف تقدم خطوة للأمام.
فهمت إيه؟
لكن المستشار تجاهله تمامًا.
وبصلي أنا فقط.
والدك كان أذكى مما تخيلت.
الصالة كلها سكتت.
وأنا سألته
إيه الموجود في الخزنة؟
رد بعد تفكير
مش عارف.
ثم أضاف
لكن واضح إنه شيء مهم جدًا.
في اللحظة دي.
فريدة انفجرت فجأة
كفاية بقى!
كلنا اتلفتنا لها.
وقالت بعصبية غير معتادة
إحنا بقالنا ساعات بنتكلم عن أوراق ورسائل وخزنات. ما يمكن مفيهاش أي حاجة أصلًا!
لكن رد فعلها كان غريب.
زيادة عن اللزوم.
والمستشار لاحظ ده.
وأنا كمان.
بل حتى حماتي بصتلها باستغراب.
هنا فقدت فريدة جزءًا من هدوئها المعتاد.
وقالت بسرعة
قصدي يعني... يمكن مجرد أوراق قديمة.
لكن أحدًا لم يقتنع.
بعد دقائق قليلة، غادر المستشار وهو يوصيني
خلي الورقة والرسالة معاكي. وما تثقيش في أي حد لحد ما نعرف اللي في الخزنة.
طول الليل ما نمتش.
كنت قاعدة في أوضتي.
أقلب الرسالة عشرات المرات.
وفي كل مرة أكتشف تفصيلة جديدة.
لحد ما انتبهت لحاجة غريبة.
في آخر الرسالة.
كان في سطر مكتوب بطريقة مختلفة شوية.
كأنه أُضيف بعد ما الرسالة اتكتبت.
قربت الورقة من الضوء.
وقرأت الكلمات ببطء.
ثم اتسعت عيناي.
لأن السطر كان بيقول
لو حصل أي خلاف حول حقي... ابحثي عن الدفتر الأسود.
الدفتر الأسود؟
أي دفتر؟
وأين؟
قلبت الرسالة كلها.
مفيش أي تفسير.
لكن فجأة تذكرت شيئًا.
شيئًا صغيرًا جدًا.
من سنوات طويلة.
كنت طفلة وقتها.
وشفت أبويا مرة يخبي دفترًا أسود داخل غرفة قديمة في بيت جدي.
غرفة مقفولة من يوم وفاته تقريبًا.
جلست مستقيمة على السرير.
قلبي بيدق بسرعة.
لو كان الدفتر ده لسه موجود...
فممكن يكون فيه الإجابة
لكن وأنا أفكر...
وصلتني رسالة على هاتفي من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
متروحيش بيت جدك.
تجمدت.
ثم وصلت رسالة ثانية بعد ثوانٍ.
في ناس سبقاكي هناك بالفعل اتسمرت مكاني.
الخطوات كانت واضحة.
تقيلة.
وبتزيد قربًا مع كل ثانية.
بصيت حواليّ بسرعة.
الغرفة ما فيهاش مكان أستخبى فيه غير خلف الدولاب الخشبي القديم.
جريت
متابعة القراءة