انا زوجى مسافر استراليا
المحتويات
إن ال جنيه كتير بالنسبة لكِ... ومقدرة إنك واقفة جنبي من يوم ما جوزي مات. بس البنت نفسها تبقى دكتورة، وأنا مش قادرة أكسر بخاطرها.
الكلام لمسني.
لكن في نفس الوقت كنت شايفة إن المصاريف بتزيد عليّا أنا كمان.
قلت لها بهدوء
أنا مش ضد تعليمها، بالعكس. بس لازم يكون فيه خطة. مينفعش كل ما المصاريف تزيد نمد إيدينا للناس.
سكتت.
وحسيت إنها زعلت.
عدّى أسبوعين تقريبًا من غير ما تكلمني إلا في الضروري.
لحد ما في يوم لقيتها بتتصل بيا وهي بتعيط.
افتكرت إن فيه مصيبة.
رديت بسرعة
مالك؟ حصل إيه؟
قالت
تعالي البيت بسرعة.
روحت وأنا قلبي بيخبط.
ولما وصلت لقيت بنتها ماسكة شهادة صغيرة وبتبتسم.
ما فهمتش حاجة.
أختي قالت وهي تمسح دموعها
البنت أخدت منحة مجانية في السنتر بعد ما كانت من الأوائل في امتحان التقييم.
بصيت للبنت وقلت
بجد؟
هزت رأسها بفخر.
وكملت أختي
والمدرس بنفسه قال إنه هيساعدها طول السنة.
وقتها حسيت إني اتسرعت لما حكمت على الموضوع من الأول.
البنت ما كانتش بتاخد دروس عشان رفاهية.
كانت بتحارب عشان مستقبلها.
قعدنا نتكلم ساعتها لأول مرة بصراحة.
وعرفت إن أختي كانت بتبيع حاجات من دهبها البسيط عشان تكمل باقي المصاريف من غير ما تطلب من حد.
ولما طلبت مني الزيادة، كانت بعد ما استنفدت كل الحلول.
وقتها مسكت إيدها وقلت
أنا مش هقدر أشيل كل حاجة لوحدي... لكن طول ما البنت مجتهدة، عمري ما هسيبكم.
فانفجرت في البكاء.
أما بنتها، فكانت قاعدة ساكتة.
وبعدين قالت جملة صغيرة خلتنا إحنا الاتنين نعيط
لما أكبر وأشتغل... أول مرتب هجيبه لماما وخالتي.
وكانت دي اللحظة اللي حسيت فيها إن كل جنيه اتصرف في مكانه الصح. مرت الشهور بسرعة.
وأصبحت بنت أختي عايشة بين المدرسة والسنتر والبيت.
لا فسح.
ولا خروجات.
ولا حتى تليفون جديد زي باقي البنات.
كل تركيزها كان على هدف واحد
أجيب مجموع يفرّح أمي.
وأختي كانت كل يوم تصحى قبل الفجر.
تجهز لها الفطار.
وتقعد تدعيلها.
وأحيانًا كنت أروح أزورهم فألاقي أختي بتستخبى في المطبخ وتعيط.
مش خوفًا من النتيجة...
لكن خوفًا من إنها تكون قصرت في حق بنتها.
وجاءت الامتحانات.
والبيت كله كان عايش على أعصابه.
حتى أنا بقيت أتصل كل يوم أسألها
عملتي إيه النهارده؟
فترد البنت بثقة
الحمد لله.
وخلصت الامتحانات أخيرًا.
وبدأت أصعب فترة...
فترة انتظار النتيجة.
يوم النتيجة نفسه، كنت قاعدة في بيتي.
وفجأة لقيت أختي بتتصل.
رديت بسرعة.
لكن ما سمعتش أي كلام.
سمعت بس صوت بكاء.
قلبي وقع.
افتكرت إن النتيجة وحشة.
فضلت أقول
انطقي! حصل إيه؟
وفجأة سمعت صوت بنتها وهي بتصرخ من الفرحة
جبت 94 يا خالتي!
وقفت مكاني.
وحسيت إن دموعي نزلت لوحدها.
أما أختي فكانت بتبكي وتقول
ربنا ما كسرش بخاطرها.
في اليوم ده البيت كله كان عيد.
ناس داخلة وناس خارجة.
وجيران بيباركوا.
وأقارب بيتصلوا.
حتى ناس عمرهم ما سألوا عنهم قبل كده ظهروا فجأة.
وبعد أيام بدأت مرحلة التنسيق.
وكانت المفاجأة الأكبر.
البنت
يومها روحت لهم ومعايا تورتة صغيرة.
ولقيت بنت أختي مستنياني على الباب.
أول ما شافتني حضنتني وقالت
فاكرة لما ماما طلبت منك تزودي المساعدة؟
ابتسمت وقلت
فاكرة.
قالت وهي تضحك
أنا وقتها سمعت كلامكم كله.
اتوترت شوية.
لكنها كملت
وزعلت منك يومها.
سكتت لحظة.
ثم قالت
بس لما كبرت فهمت إنك كنتِ خايفة علينا بطريقتك.
وبعدين طلعت من درج مكتبها ظرفًا صغيرًا.
ناولته لي.
فتحته لقيت فيه ورقة مكتوب فيها بخط يدها
وعد مني أول مرتب ليا هيكون هدية لماما وخالتي.
وقتها ما قدرتش أتمالك نفسي.
حضنتها وأنا بعيط.
لأن الحقيقة اللي اتعلمتها من القصة كلها...
إن مساعدة الإنسان لأهله مش لازم تكون بالمبلغ اللي يطلبوه دائمًا.
لكن تكون بالقدر اللي تقدر عليه من غير ما تظلم نفسك.
وفي نفس الوقت، ما تكسرش خاطر حد بيحاول يقف على رجليه.
وبعد سنوات...
وقفت بنت أختي في حفل تخرجها.
وأول شخصين دعتهم يقفوا جنبها في الصورة التذكارية...
كانوا أمها...
وأنا. لكن الحكاية ما انتهتش عند حفل التخرج.
بعد التخرج بشهور، بنت أختي بدأت تدريبها.
وكان المرتب بسيط جدًا.
لدرجة إني قلت في نفسي
أكيد نسيت موضوع أول مرتب ده.
وما فكرتش فيه تاني.
لحد آخر الشهر.
لقيت جرس الباب بيرن.
فتحت.
لقيتها واقفة قدامي ومعاها كيس صغير وعلبة شوكولاتة.
وشها كان كله فرحة.
دخلت وقعدت.
وبعدين طلعت ظرفين.
واحد لأمها.
وواحد ليا.
قلت لها
إيه ده؟
قالت
وعدي.
فتحت الظرف.
لقيت مبلغ بسيط.
مش كبير.
لكن يمكن كان أغلى مبلغ مسكته في حياتي.
قلت لها
يا بنتي احتفظي بيهم لنفسك.
ردت فورًا
لو أخدتِهمش هزعل.
أما أختي فكانت قاعدة تبكي في صمت.
لأنها افتكرت الأيام اللي كانت مش عارفة توفر ثمن كتاب.
ولا درس.
ولا حتى مواصلات أحيانًا.
وفجأة لقت بنتها واقفة قدامها بشهادتها وشغلها وكرامتها.
مرت السنوات.
وتحسنت أحوال بنت أختي أكثر وأكثر.
واشترت لأمها غرفة نوم جديدة.
ثم أصلحت البيت.
ثم أصبحت هي نفسها تساعد حالات كتير من الطلبة غير القادرين.
وفي يوم كنت قاعدة معاها في البلكونة.
سألتها
إيه أكتر حاجة فاكراها من أيام الثانوية؟
ابتسمت وقالت
مش الدروس.
ولا الامتحانات.
ولا النتيجة.
استغربت.
وقلت
أمال إيه؟
قالت
فاكرة يوم ماما كانت بتستخبى وتعيط عشان مش معاها فلوس.
سكتت لحظة.
ثم أكملت
ووعدت نفسي يومها إن عمر الفقر ما هيكسرنا.
نظرت لأختي التي كانت تجلس أمامنا.
شعرها شاب.
ووجهها امتلأ بتجاعيد السنين.
لكن عينيها كانتا مليئتين بالرضا.
وعرفت وقتها أن أعظم استثمار في الدنيا...
ليس الذهب.
ولا العقارات.
ولا الأموال.
بل إنك تساعد إنسانًا على أن يبني مستقبله بنفسه.
لأن ال جنيه التي بدأت بها الحكاية...
لم تكن مجرد مساعدة شهرية.
كانت جسرًا عبرت عليه فتاة من ضيق الظروف...
إلى حياة كانت تحلم بها هي وأمها منذ سنوات طويلة.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن أثرها ظل باقيًا في قلوبهم جميعًا.
النهاية
كانت أختي قاعدة في أول صف.
لابسة نفس الإسدال اللي كانت بتلبسه وهي رايحة الدروس مع بنتها زمان.
لكن المرة دي ما كانتش مستنية نتيجة.
كانت مستنية تسمع اسم بنتها
متابعة القراءة