انا زوجى مسافر استراليا
المحتويات
ثم قال
وقال جملة مش قادر أنساها.
قال إيه؟
قال
ربنا أحيانًا بيفتح أبوابًا للناس بعد ما كل الأبواب تتقفل في وشهم.
بعد خمس سنين...
كان يوم تخرج نورا من كلية الطب.
صباح كانت قاعدة في الصف الأول.
بتعيط من الفرح.
أما سعاد...
فكانت قاعدة جنبها.
تمسك إيد أختها بقوة.
أثناء الحفل، نورا طلعت على المسرح لإلقاء كلمة الخريجين.
وبعد ما شكرت أمها على تعبها، قالت أمام الجميع
في ناس ساعدتني... وفي ناس رفضت تساعدني... لكن الاتنين علموني درس مهم.
سكتت القاعة كلها.
وأكملت
اللي يساعدك اشكره... واللي يرفض يساعدك ما تكرهوش، يمكن يكون سبب إنك تعتمد على ربنا ثم على نفسك.
التفتت ناحية أمها وقالت
وأعظم بطلة في حياتي هي أمي.
صفق الجميع بحرارة.
أما سعاد فكانت تبكي.
ليس لأن نورا أصبحت طبيبة فقط...
بل لأنها أدركت متأخرة أن المال لا يصنع قيمة الإنسان.
وأن 750 جنيه كانت يومًا سببًا في خسارة أخت...
احتاجت سنوات طويلة حتى تستعيدها من جديد بعد التخرج بثلاث سنوات...
كانت الدكتورة نورا بقت اسم معروف في المستشفى الجامعي.
اجتهادها وأخلاقها خلوا الكل يحترمها.
أما صباح، فكانت أخيرًا مرتاحة بعد سنين الشقاء.
وفي يوم، كانت سعاد قاعدة مع أختها على البلكونة يشربوا شاي.
قالت سعاد وهي مبتسمة
فاكرة يا صباح لما كنتِ تيجي عندي وتستحي تطلبي حاجة؟
ضحكت صباح وقالت
الحمد لله على كل حال.
لكن سعاد تنهدت وقالت
لا... أنا عمري ما هنسى اليوم ده.
صباح
خلاص يا سعاد... اللي فات مات.
لكن سعاد هزت رأسها
مش عشان سامحتيني يبقى أنساه. الغلط لازم يفضل درس.
بعد أيام...
مدحت رجع مصر نهائي بعد سنوات الغربة.
وكان معاه مبلغ كويس جمعه من شغله الجديد.
وفي أول جمعة بعد رجوعه، جمع العيلة كلها.
وأمام الجميع قال
أنا عايز أعمل صدقة جارية لروح أبوكم وأمكم.
الكل رحب بالفكرة.
ثم أكمل
هنعمل صندوق تعليمي يساعد أي ولد أو بنت متفوقين ومش قادرين يكملوا تعليمهم.
نورا ابتسمت.
وصباح دمعت عينيها.
أما سعاد فبصت لجوزها باستغراب.
قال لها
عارفة مين صاحب الفكرة؟
هزت رأسها بالنفي.
فأشار إلى نورا.
وقال
هي.
وقفت نورا وقالت بهدوء
زمان كنت محتاجة حد يساعدني.
ودلوقتي فيه غيري محتاج.
لو ربنا كرمني، لازم أكون سبب خير لغيري.
في اللحظة دي، صباح بكت فعلًا.
مش من الحزن.
ولا من التعب.
لكن من شعور الأم اللي شافت بنتها تحقق الحلم اللي كانت تدافع عنه وهي لا تملك ثمن الدروس.
وبعد سنة...
كان الصندوق ساعد عشرات الطلبة.
فيهم بنت يتيمة دخلت كلية الهندسة.
وشاب فقير دخل كلية الصيدلة.
وولد من قرية بعيدة حصل على منحة كاملة.
وفي حفل تكريم الطلبة، طلبوا من سعاد تلقي كلمة.
وقفت قدام الميكروفون.
وسكتت ثواني.
ثم قالت
أنا مش هتكلم عن النجاح.
أنا هتكلم عن الغلط.
استغرب الحضور.
فأكملت
من سنين، أختي طلبت مني مساعدة لبنتها.
وكنت أقدر أساعد أكتر.
لكن بخلت.
ساد الصمت.
وقالت والدموع في عينيها
لو
ثم أشارت إلى نورا الجالسة في الصف الأول.
وأضافت
لكن رحمة ربنا أكبر من أخطائنا.
صفق الجميع طويلًا.
وكانت نورا أول واحدة تقوم تحتضن خالتها.
أما صباح، فكانت تنظر إليهما وتبتسم.
لأنها أدركت أن أجمل انتصار لم يكن دخول ابنتها كلية الطب...
ولا نجاحها في حياتها...
بل أن المحبة رجعت بين الأختين بعد سنوات من الجرح.
وهكذا انتهت الحكاية كما بدأت...
بأختين.
واحدة كانت تملك المال.
والأخرى كانت تملك الصبر.
وفي النهاية...
اكتشفتا أن أغلى ما يملكه الإنسان ليس المال ولا الذهب...
بل القلوب التي تبقى بجانبه عندما تدور الأيام.
تمت بعد عشر سنوات...
كان صندوق التعليم اللي بدأ بفكرة بسيطة بقى مؤسسة كبيرة معروفة.
مئات الطلبة اتخرجوا بسببه.
وفي كل سنة كانت نورا تحضر حفل التكريم بنفسها.
لكن في أحد الأيام، حصل شيء لم يكن أحد يتوقعه.
وصلت رسالة إلى المؤسسة من شاب في آخر العشرينات.
كان طالبًا سابقًا من أوائل المستفيدين من الصندوق.
كتب فيها
أنا النهارده مهندس ناجح، وعندي شركة صغيرة. لو ما كنتوش ساعدتوني زمان، كنت سبت التعليم وأنا في ثانوي. دلوقتي حان دوري أرد الجميل.
وأرفق مع الرسالة تبرعًا كبيرًا.
لما قرأت نورا الرسالة، ابتسمت وقالت
شايفة يا ماما؟ الخير عمره ما بيضيع.
صباح هزت رأسها وهي تبتسم
ربنا كريم.
أما سعاد...
فكانت قد تغيرت كثيرًا.
لم تعد المرأة التي كانت تحسب كل شيء بالمال.
كلما رأت طالبًا محتاجًا أو أرملة تكافح، كانت تتذكر أختها.
وفي أحد الأيام، جاءت امرأة أرملة تطلب مساعدة بسيطة لابنها.
وقبل أن تكمل كلامها، أخرجت سعاد المبلغ المطلوب وقالت
خديه.
المرأة اندهشت.
وقالت
لسه ما شرحتش ظروفي.
ابتسمت سعاد بحزن خفيف
أحيانًا الإنسان بيتعلم الدرس متأخر... وأنا اتعلمته.
في تلك الليلة، جلست سعاد وحدها تتأمل صورة قديمة لها مع صباح وهما صغيرتان.
تذكرت أباهما وهو يقول دائمًا
الرزق مش اللي في الجيب... الرزق اللي في القلب.
وقتها فقط فهمت معنى الكلام.
وبعد سنوات أخرى...
رحلت صباح عن الدنيا بعد عمر طويل.
لكنها رحلت وهي مطمئنة.
ابنتها طبيبة ناجحة.
والمؤسسة التي خرجت من حلمها البسيط ما زالت تساعد الناس.
وفي يوم العزاء، وقف العشرات من الأطباء والمهندسين والمعلمين والشباب.
كل واحد منهم كان يحمل قصة.
وكل قصة بدأت بمساعدة صغيرة في وقت صعب.
اقترب أحدهم من نورا وقال
والدتك غيرت حياتي.
ثم جاء آخر.
ثم آخر.
حتى امتلأت القاعة بأشخاص لم تعرفهم صباح يومًا.
لكنهم عرفوا أثرها.
وعندما عادت نورا إلى البيت مساءً، فتحت درج أمها القديم.
فوجدت ورقة صفراء مطوية.
فتحتها.
كانت بخط صباح.
ومكتوب فيها
لو قرأتِ الرسالة دي يومًا يا نورا، فاعرفي أن أغلى شيء في الدنيا ليس أن تنجحي... بل أن ترفعي غيرك معك عندما تنجحين.
بكت نورا طويلًا.
ثم طوت الرسالة.
ونظرت إلى السماء.
وهمست
اطمني يا أمي... الوصية هتفضل عايشة.
وهكذا استمر الخير الذي بدأ من أم فقيرة رفضت أن تتخلى عن حلم ابنتها...
جيلاً بعد جيل.
النهاية الحقيقية بصّتلي أختي وسكتت شوية.
وبعدين قالت
أنا عارفة
متابعة القراءة