انا اتجوزت مراتي جواز صالونات بقلم روماني مكرم
انطفأت آخر زغرودة في الممر الطويل، وانغلق باب الشقة خلفنا كأنه يُغلق باب مرحلة كاملة من العمر.
البيت كان جديدًا، مفروشًا بعناية، والفرح ما زال عالقًا في الهواء كأن الموسيقى لم تهدأ بعد.
وقفتُ أنظر إليها.
كانت تجلس على طرف المقعد، ممسكة بطرف فستانها الأبيض، ترتجف دون سبب واضح.
قلت لنفسي طبيعي ليلة دخلة وخوف وبداية جديدة.
اقتربت منها بهدوء، ورفعت الطرحة لأرى وجهها
لكن الابتسامة التي توقعتها لم تكن هناك.
كان هناك شيء آخر.
عينان قلقتان كأنها لا تحتفل بزواج، بل تنتظر حكمًا مجهولًا.
قبل أن أتكلم، قالت بصوت منخفض جدًا
أنا لازم أقولك الحقيقة من البداية في حاجة أنت مش عارفها عني.
سكتُّ.
ثم أكملت وهي تتجنب نظري
اسمي الحقيقي مش زي ما اتقال لك في القايمة وفيه جزء من حياتي لازم يفضل بعيد عنك لحد ما أقدر أشرح لك كل حاجة.
شعرت أن الغرفة أصبحت أضيق.
يعني إيه كلامك ده؟ سألتها بحذر.
لكنها لم تجب مباشرة، فقط أخرجت من حقيبة صغيرة ورقة قديمة مطوية، وكأنها خبّأتها لسنوات.
وضعتها أمامي وقالت
اقرأ وهتفهم ليه أنا مش زي أي بنت اتجوزت بالطريقة دي.
فتحت الورقة.
كانت ليست عقدًا ولا رسالة حب بل مستند قديم يحمل اسمًا مختلفًا، وتاريخًا مضى عليه سنوات، وإشارة إلى بلاغ ضياع وهوية جديدة.
رفعت عيني لها بذهول.
إنتِ مين بالظبط؟
قبل أن ترد، انقطع النور في الشقة كلها.
ظلام كامل.
وفي اللحظة نفسها سمعنا صوت خبط خفيف على باب الشقة.
خبطات بطيئة محسوبة كأن صاحبها متأكد إننا جوه.
سألتها بصوت منخفض إنتِ مستنية حد؟
هزت رأسها بخوف أنا أنا مش عارفة مين ده
الخبطات زادت.
مرة مرتين ثم توقف.
وفجأة رن جرس الباب مرة واحدة فقط.
ثم صمت.
اقتربتُ من الباب، لكن قبل ما ألمسه، جاء صوت من الخارج هادئ بشكل مريب
أنا عارف
نظرت لها.
فوجدتها لأول مرة تفقد توازنها تمامًا.
همست ده مستحيل يكون لسه عايش
تجمدت.
مين؟
لكن قبل ما تجاوب، كان مقبض الباب بيتحرك ببطء شديد كأن الباب بيتفتح من نفسه أو من شخص عنده مفتاح.
وهنا فقط بدأت أفهم إن اللي جاي مش مجرد زواج غريب
ده بداية لغز أكبر مننا إحنا الاتنين دفعت الباب برجلي قبل ما يفتح بالكامل، فارتدّ للخلف واصطدم بالحائط بعنف.
الصمت اللي بعد الصوت كان أخطر من الخبط نفسه.
وقفنا إحنا الاتنين متجمدين.
هي كانت ورايا، ماسكة طرف فستانها، بتنفس بسرعة كأنها بتجري من حاجة مش شايفاها.
أما أنا فكنت حاسس إن في حد فعلًا واقف بره حتى لو مفيش صوت دلوقتي.
همست لها اقفلي الباب بالمفتاح بسرعة.
لكن قبل ما تتحرك، جاء الصوت تاني قريب جدًا كأنه على السلم مباشرة
متقلقوش أنا مش جاي أأذي حد.
نظرت لها بسرعة.
وشها اتغير تمامًا.
ده هو ده صوته
هو مين؟! صرخت فيها بهمس حاد.
ما ردتش.
بدل الرد، خطت خطوة للخلف كأنها عايزة تختفي من المكان كله.
وفجأة نور خافت رجع في اللمبة، كأنه بيقاوم عطل مش طبيعي.
وبمجرد ما الإضاءة رجعت لقيت حاجة على الأرض قدام الباب.
ظرف أبيض.
مفيش حد واقف.
مفيش صوت خطوات.
لكن الظرف كان موجود كأنه اتزلق تحت الباب من لحظات.
انحنيت وأنا باصص حواليّ بحذر، وبعدين فتحته.
جواه صورة مطبوعة قديمة شوية.
في الصورة هي بس أصغر سنًا، واقفة قدام مكان مش واضح، ومعاها شخص واقف جنبها، ضهره للكاميرا.
وتحت الصورة مكتوب بخط صغير
فاكرة اليوم ده؟
رفعت عيني لها فورًا.
كانت بترتجف بطريقة غير طبيعية.
إنتي مخبية إيه؟ قلتها بحدة.
صوتها خرج مكسور أنا مش فاكرة الصورة دي أقسم بالله مش فاكرة.
قبل ما أرد، التليفون اللي في إيدها رن فجأة.
نفس الرقم اللي قبل كده.
نظرت لي ثم للتليفون ثم فتحت المكالمة وهي بإيد مرتعشة.
أنا سمعت صوت نفس الراجل.
بس المرة دي كان أقرب أهدى وأخطر
دلوقتي بس هتفتكريني كويس
ثم سكت ثانيتين، وبعدها قال
سلمي عليه قولي له الحقيقة اللي إنتِ هربانة منها.
بصيت لها ببطء.
وساعتها لاحظت حاجة أول مرة أشوفها.
كانت ماسكة الصورة بإيد، لكن إيدها التانية كانت بتحاول تخبي حاجة صغيرة جدًا في جيب الفستان حاجة معدنية.
واللي كان جاي لسه ما بدأش فعليًا اتسعت عينيّ وأنا باخد بالي من الحركة الصغيرة اللي كانت بتحاول تخبيها في جيب الفستان.
إيه اللي في إيدك؟ قلتها بهدوء متوتر أكتر من الصريخ.
هي اتجمدت.
المكالمة لسه شغالة.
الصوت على الناحية التانية ساكت كأنه مستني اللحظة دي بالذات.
بصتلي وقالت بصوت مكسور مش دلوقتي بالله عليك مش دلوقتي.
لكن إيدي كانت أسرع، مسكت إيدها برفق بس بإصرار، وسحبت الحاجة اللي كانت مخبياها.
كانت مفتاح صغير قديم.
مش مفتاح شقة عادية.
مفتاح شكله غريب، عليه رقم محفور 7.
قبل ما أسأل أي سؤال، الصوت في التليفون رجع تاني
شفت المفتاح؟
وقعت الإبرة جوا صدري من الجملة.
بصيت للتليفون وبعدين ليها.
إنتِ عارفاه منين؟ قلتها بحدة أعلى.
هي فجأة صرخت مش عارفة! والله مش عارفة! أنا لقيته في شنطتي من يومين بس!
سكت.
ثانيتين.
وبعدين قلت وماقلتيش ليه؟
ماجاوبتش.
بدل الإجابة، النور في الشقة طفى مرة تانية بس المرة دي مش كله جزء من الصالة بس.
وكأن حد بيلعب بالنور.
وبين الظلام والنور المتقطع، الباب اللي قفلته من شوية
اتحرك تاني.
بس المرة دي ببطء.
من غير خبط.
من غير صوت جرس.
بس بيتفتح.
خطوة اتنين
دخل ضوء خفيف من السلم.
ومعاه ظل شخص واقف عند الباب.
لكن الغريب إنه ما دخلش.
واقف بس.
زي اللي مستني إذن.
الصوت جاي من وراه، هادي جدًا
المفتاح
هي رجعت لورا بسرعة، ووقعت الصورة من إيدها.
أنا مسكتها من دراعها إنتي هتفضلي تقولي مش فاكرة لحد إمتى؟!
صرخت وهي بتعيط لأن لو افتكرت هتكرهني!
الصمت وقع فجأة.
الجملة دي كانت أخطر من أي حد واقف بره.
وبينما أنا بحاول أفهم معناها
الظل اللي عند الباب حط إيده على الحيطة، وكأنه بيثبت نفسه قبل ما يدخل.
وقال بصوت واضح لأول مرة
أنا مش جاي آخدها أنا جاي أرجّع اللي اتاخد مني.
وساعتها بصتلي هي بنظرة عمرها ما بصتها قبل كده.
نظرة واحدة بس كانت كافية تفهمني إن اللي جاي مش تهديد عادي
ده اعتراف هي كانت مستخبية منه طول الوقت وقفت أبصلها والنظرة اللي في عينيها كانت كأنها بتستغيث، وكأنها عايزة تمنع اللي جاي من غير ما تتكلم.
الظل عند الباب ما اتحركش.
بس صوته كان أقرب دلوقتي
افتحوا خلينا نخلص اللي بينا.
سكت لحظة، وبعدين كمل
المفتاح معاكم يبقى إنتوا عارفين أنا مين.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي رقم 7 محفور عليه بوضوح.
وبصيت لها تاني
إنتي لسه هتكملي إنك مش فاكرة؟
مردتش.
لكن عينيها خانتها دمعة نزلت بسرعة كأنها اعتراف متأخر.
وفجأة، همست بصوت مكسور
أنا كنت فاكرة إني هقدر أهرب من الموضوع ده
سكتت.
الظل بره خبط خبطتين خفاف على الباب.
آخر فرصة افتحي.
أنا اتجهت ناحية الباب، لكن هي مسكت إيدي بسرعة
متفتحش لو فتحته مش هينفع نرجع زي ما كنا.
الجملة دي شدتني أكتر من أي تهديد.
يعني إيه؟ مين ده؟ وليه عايزك؟!
بصت للأرض وقالت
المفتاح ده مش مفتاح شقة.
سكتت ثانيتين كأنها بتجمع روحها.
ده مفتاح خزنة فيها حاجة تخصه هو وحاجة تخصني أنا وحاجة لو اتفتحت هتخلي حياتنا كلنا تتقلب.
قبل ما أرد، صوت المعدن جه من عند الباب.
كليك.
زي حد بيجرب يقفله من بره.
لكن الباب كان لسه مقفول من عندنا.
يعني اللي
اتجمدت مكاني.
وبصيت لها
إنتي إزاي معاكي مفتاح وهو معاه نسخة؟
رفعت عينيها بصعوبة وقالت جملة خلت دمي يبرد
لأن في حد ثالث هو اللي كان بيلمنا كلنا