جوزى ضربني بالقلم على وشى

لمحة نيوز

مختلفة...
ثم أعادت الصورة إلى مكانها.
وأغلقت الدرج.
هذه المرة للأبد.
وفي صباح اليوم التالي...
استيقظت مبكرًا.
ارتدت ملابسها.
وذهبت إلى شركتها كعادتها.
فالحياة لا تتوقف.
والبعض يظل جزءًا من الذكريات...
لكن المستقبل دائمًا ينتظر من يواصل السير نحوه. 
النهاية الحقيقية بعد سنوات طويلة...
كانت آية وصلت لسن الستين.
اسمها بقى معروف في عالم الاستثمار، وشركتها بقت من أكبر الشركات في البلد.
لكن رغم النجاح كله...
كان في شيء ناقص.
مش حب.
ولا جواز.
ولا فلوس.
كان إحساس الأمومة اللي اتحرمت منه يوم خسرت طفلها.
في يوم، وهي بتحضر احتفال خيري لمؤسستها، لفت نظرها بنت صغيرة قاعدة لوحدها في آخر القاعة.
البنت كانت عندها حوالي 11 سنة.
هادية جدًا.
ولابسة فستان بسيط.
لكن عينيها كان فيهم حزن أكبر من سنها.
آية راحت قعدت جنبها.
وسألتها
اسمك إيه يا حبيبتي؟
قالت
سارة.
وجيتي مع مين؟
سكتت البنت ثواني.
ثم قالت
محدش... أنا من دار الأيتام.
قلب آية اتوجع.
فضلت تتكلم معاها أكتر من ساعة.
ولأول مرة من سنين...
حست بدفء غريب جواها.
بعدها بدأت تزور الدار باستمرار.
وسارة بقت تستناها كل أسبوع.
يحكوا.
ويضحكوا.
ويشربوا عصير.
ويحلوا الواجب سوا.
ومع الوقت...
العلاقة بينهم بقت أكبر من مجرد متبرعة وطفلة.
وفي يوم، سارة سألتها
هو أنا ينفع أناديكي ماما؟
في اللحظة دي...
آية ما قدرتش تمنع دموعها.
حضنتها بقوة.
وقالت
ده أجمل اسم حد ناداني بيه في حياتي.
وبعد شهور قليلة...
اكتملت إجراءات الكفالة.
وبقت سارة جزءًا رسميًا من حياتها.
كبرت البنت.
ودخلت الجامعة.
وتخرجت بتفوق.
وفي يوم تخرجها، وقفت على المسرح تستلم درع التفوق.
وبعدين طلبت الميكروفون.
وقالت قدام الناس كلها
أنا كنت فاكرة إني لوحدي في الدنيا... لحد ما ربنا بعتلي أم اختارتني بقلبها قبل ما تختارني بأي ورق.
ثم نزلت من المسرح.
وجرت على آية.
وحضنتها وسط تصفيق الجميع.
في اللحظة دي...
آية رفعت عينيها للسماء.
وافتكرت ابنها اللي ما جاش للدنيا.
وافتكرت كل الوجع.
وكل الليالي اللي بكت فيها.

وهمست
الحمد لله.
لأن بعض الأمنيات لا تتحقق بالشكل اللي بنتمناه...
لكن ربنا أحيانًا بيحققها بطريقة أجمل مما تخيلنا.
وهكذا...
بعد رحلة طويلة من الخسارة والخذلان والانكسار...
وجدت آية أخيرًا العائلة التي استحقتها.
تمت. لكن الحكاية كان لسه فيها فصل أخير...
بعد تخرج سارة بسنتين، كانت آية قاعدة في جنينة بيتها وقت الغروب.
الشعر الأبيض بدأ يغطي جزء كبير من رأسها، لكن ملامح القوة اللي بنتها السنين كانت لسه موجودة.
سارة كانت شغالة مهندسة ناجحة، وكل يوم تقريبًا بتيجي تزورها حتى لو ساعة واحدة.
وفي مساء هادئ، دخلت سارة وهي متوترة بشكل غريب.
قعدت قدام آية وقالت
ماما... عايزة أقولك حاجة.
ابتسمت آية.
خير يا حبيبتي.
مدت سارة إيديها لها.
وكانت بتترعش من التوتر.
وقالت
أنا حامل.
لثانية...
آية ما استوعبتش.
ثم فجأة امتلأت عيونها بالدموع.
مش دموع حزن.
دي كانت دموع عمر كامل من الانتظار.
قامت وحضنت سارة بقوة.
وظلوا الاتنين يبكوا ويضحكوا في نفس الوقت.
بعد شهور...
اتولدت طفلة جميلة.
وفي يوم السبوع، كانت العيلة كلها مجتمعة.
سارة شالت البنت الصغيرة وقعدت قدام آية.
وقالت
في حاجة لسه ما قولتهالكش.
ضحكت آية.
إيه كمان؟
قالت سارة
اسمها.
اسمها إيه؟
بصت لها سارة بحب.
وقالت
آية.
سكت المكان كله.
أما آية نفسها...
فما قدرتش تتكلم.
حست إن الدنيا كلها وقفت للحظة.
الطفلة الصغيرة كانت نايمة بهدوء بين إيديها.
ولأول مرة من عشرات السنين...
حست إن كل الجروح القديمة بقت بعيدة جدًا.
كأنها حصلت لشخص تاني.
مرت السنوات.
وكبرت الطفلة الصغيرة.
وكانت تناديها
تيتا آية.
لكن كل اللي حوالين العيلة كانوا عارفين الحقيقة.
إن العلاقة بينهم أكبر من مجرد جدة وحفيدة.
دي كانت هدية من الحياة بعد صبر طويل.
وفي عيد ميلادها الخامس والسبعين...
اجتمعت الأسرة كلها حوالينها.
سارة.
وزوجها.
والحفيدة الصغيرة.
وأحفاد آخرون جاؤوا بعد ذلك.
ضحك وأصوات أطفال مليانة البيت.
البيت اللي كان زمان مليان خصام ودموع.
بقى مليان حياة.
وقبل ما يخلص اليوم، خرجت آية لوحدها
دقيقة واحدة للبلكونة.
رفعت رأسها للسماء.
وابتسمت.
ثم قالت بصوت خافت
دلوقتي بس فهمت... إن النهاية السعيدة مش يوم بتكسب معركة... النهاية السعيدة يوم تلاقي ناس تحبك من غير شروط.
وعادت إلى الداخل.
إلى بيتها.
إلى عائلتها.
إلى السلام الذي انتظرته عمرًا كاملًا.
وهنا انتهت الحكاية فعلًا... بعد أن أخذ كل شخص نصيبه من الحياة، وأخذت هي نصيبها من السعادة. لكن حتى بعد كل السنين دي...
كان في سر صغير آية عمرها ما حكتْه لحد.
سر احتفظت بيه جوه قلبها أكتر من أربعين سنة.
وفي ليلة شتوية باردة، وهي عندها 78 سنة، حسّت إن الوقت جه.
نادَت سارة وقعدتها جنبها.
وقالت بابتسامة هادئة
فاكرة أول يوم شفتك فيه؟
ضحكت سارة.
طبعًا... كنتِ بتسأليني إذا كنتِ جعانة.
هزت آية رأسها.
لا... قبلها بدقيقة.
استغربت سارة.
ففتحت آية درج الكومودينو وطلعت ظرفًا قديمًا جدًا.
الورق كان أصفر من الزمن.
وعليه تاريخ يرجع لأكتر من أربعين سنة.
ناولته لسارة.
ولما فتحته...
لقيت جوابًا كانت آية كاتباه لنفسها بعد الليلة اللي طُردت فيها من بيت حسين.
كان مكتوب فيه
لو بتقري الرسالة دي بعد سنين، أتمنى تكوني لسه قوية.
أتمنى ما تكونيش خليتي القسوة تغيّرك.
وأتمنى إن ربنا يعوضك عن ابنك اللي راح.
ولو العوض ما جاش في صورة طفل من دمك...
أتمنى ييجي في صورة روح تحبك وتحتاجك.
سارة بدأت تبكي.
أما آية فابتسمت.
وقالت
يوم ما شوفتك أول مرة... افتكرت الرسالة دي.
دموع سارة نزلت أكتر.
وقالت
يعني أنا كنت العوض؟
ردت آية بهدوء
لا يا حبيبتي.
سارة رفعت رأسها باستغراب.
فأكملت آية
إنتِ ما كنتيش العوض.
إنتِ كنتِ الهدية.
وساد الصمت.
الصمت الجميل اللي ما يحتاجش كلام.
وبعد أسابيع قليلة...
رحلت آية وهي نايمة بهدوء في سريرها.
من غير ألم.
ومن غير خوف.
ومن غير أي شيء ناقص.
وفي يوم الجنازة...
وقف المئات.
موظفون.
أصدقاء.
أسر كانت ساعدتهم.
أطفال كبروا بسبب منحها التعليمية.
وأشخاص غيرت حياتهم من غير ما تعرف.
لكن أكثر شخص كان واقف ودموعه لا تتوقف...
كانت سارة.
وبعد انتهاء مراسم الدفن،
رجعت البيت.
ولقيت ظرفًا مكتوبًا عليه
يُفتح بعد رحيلي.
فتحته بيد مرتعشة.
وكانت آخر رسالة من آية
يا سارة...
لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مشيت.
متزعليش.
أنا عشت حياة كاملة.
وخدت من الدنيا أكتر مما كنت أتخيل.
ولما الناس تفتكرني، أتمنى ما يفتكروش الست الغنية.
ولا صاحبة الشركة.
ولا صاحبة القضايا.
افتكريني بس كأم حبت بنتها بكل قلبها.
في أسفل الرسالة كان فيه سطر أخير
وبالمناسبة...
البيت كله بقى باسمك.
ضحكت سارة وسط دموعها.
وقالت
حتى وإنتِ ماشية... لسه بتفاجئيني.
ثم ضمت الرسالة إلى صدرها.
ونظرت لصورة آية المعلقة على الحائط.
وقالت
اطمني يا ماما... الحكاية اللي بدأتيها هتفضل مكملة.
وهكذا...
انتهت حكاية امرأة بدأت رحلتها بصفعة وإهانة أمام الناس...
وانتهت تاركة وراءها بيتًا مليئًا بالحب، واسمًا لا يُنسى، وقلوبًا كثيرة تدعو لها بالخير.
النهاية الأخيرة. بعد مرور سنة على رحيل آية...
كانت سارة بتحاول تتعود على الفراغ اللي سابته.
كل حاجة في البيت كانت بتفكرها بيها.
فنجان القهوة المفضل.
الكرسي اللي كانت بتقعد عليه في الجنينة.
حتى الكتب اللي كانت تسيب علامات بين صفحاتها.
وفي يوم، وهي بترتب المخزن القديم في الفيلا، لقت صندوق خشب صغير ما كانتش شافته قبل كده.
عليه ورقة مكتوب فيها بخط آية
لسارة... لما تكوني مستعدة تعرفي آخر حكاية.
قلبها دق بسرعة.
فتحت الصندوق.
كان جواه عشرات الدفاتر.
مذكرات.
كتبتها آية على مدار سنين طويلة.
بدأت تقرأ.
ومن صفحة لصفحة، اكتشفت إن آية كانت بتكتب كل حاجة.
مش بس أحزانها.
لكن انتصاراتها الصغيرة.
خوفها.
أحلامها.
وأيامها معاها هي.
وفي آخر دفتر، لقت صفحة مختلفة.
كان عنوانها
الحلم اللي ما قلتوش لحد.
بدأت تقرأ.
زمان كنت فاكرة إن النجاح هو أكبر شركة.
وأكبر حساب بنكي.
وأكبر بيت.
لكن كل ده طلع وهم.
النجاح الحقيقي إنك تمشي من الدنيا وتسيب وراك حد يكمل الخير اللي بدأته.
وقفت سارة تقرأ وهي تبكي.
ثم أكملت.
لو بتقري الكلام ده دلوقتي...
يبقى دوري خلص.
ودورك بدأ.
وفي جيب الدفتر كان فيه مفتاح
صغير.
ومعه عنوان.
عنوان مبنى قديم في إحدى القرى.
في اليوم التالي، سافرت سارة للمكان.
ولما وصلت...
اكتشفت مفاجأة.
مبنى كبير تحت الإنشاء.
وعلى البوابة لافتة مغطاة بقماش أبيض.
كان معها ملف قانوني يوضح أن آية اشترت الأرض وبنت المشروع سرًا خلال السنوات الأخيرة من
تم نسخ الرابط