جوزى ضربني بالقلم على وشى
المحتويات
ما خلصتش.
بعد شهرين تقريبًا، كانت قاعدة في مكتبها بتراجع عقود مشروع جديد، لما السكرتيرة دخلت وقالت
في راجل برة مصر يقابلك، بيقول الموضوع مهم جدًا.
رفعت عينيها باستغراب.
مين؟
السكرتيرة اترددت شوية وقالت
حسين.
سكتت للحظة.
كانت أول مرة تطلب تشوفه من يوم ما انتهى كل شيء بينهم.
وافقت يدخل.
دخل حسين بشكل مختلف تمامًا.
وشه كان مرهق، وشعره بدأ يظهر فيه الشيب أكتر من عمره الحقيقي.
وقف قدام المكتب وقال
أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.
ما ردتش.
كمل
أنا جاي أقولك الحقيقة اللي اكتشفتها متأخر.
رفعت حاجبها.
قال وهو باصص للأرض
بعد ما مشيتي، عرفت إن أمي كانت بتخبي عني حاجات كتير... كانت كل ما أقول كلمة كويسة عنك تشوه صورتك قدامي... وكل نجاح كنتي بتعمليه كانت تنسبه لنفسها أو تقلل منه.
تنهد بحزن.
بس ده ما يبررش اللي عملته.
ظل واقف ثواني طويلة.
ثم أخرج ظرفًا من جيبه ووضعه فوق المكتب.
دي رسالة كنت كاتبها لابننا... يوم ما عرفنا إنك حامل.
ارتجفت إيديها وهي تفتح الظرف.
كانت كلمات بسيطة جدًا.
لكنها صادقة.
ولأول مرة منذ سنوات، شافت حسين الذي أحبته يومًا قبل أن تفسده الأنانية والضعف.
قال بهدوء
أنا خسرتك بإيدي.
ثم استدار ومشى.
من غير ما يطلب فرصة جديدة.
من غير ما يطلب السماح.
ومن غير ما يبص وراه.
مرت الشهور.
وبدأت هي صفحة جديدة من حياتها.
كبرت شركتها أكتر.
وافتتحت فرعًا جديدًا.
وبقت مثال لكل امرأة رفضت الإهانة وتمسكت بكرامتها.
وفي افتتاح أكبر مشروع ليها، وقفت قدام الحضور وقالت جملة واحدة
في ناس بتفتكر إن القوة معناها إنك تكسر غيرك... لكن الحقيقة إن القوة إنك تقوم بعد ما غيرك حاول يكسرك.
وقف الجميع يصفق.
وفي تلك اللحظة بالذات...
عرفت إنها أخيرًا انتصرت.
ليس لأنها كسبت قضية.
ولا لأنها استردت أموالها.
لكن لأنها استردت نفسها لكن الحقيقة...
ما كانتش تمت لسه.
بعد سنة كاملة من افتتاح مشروعها الجديد، كانت الحياة بدأت تستقر أخيرًا.
لا محاكم.
لا مشاكل.
لا مكالمات مفاجئة من محامين.
ولا أخبار عن حسين أو أمه.
وكأن صفحة كاملة من عمرها اتقفلت واتحرقت.
وفي يوم شتوي هادي، كانت راجعة من الشغل، لما موبايلها رن.
رقم غريب.
ردت بتردد
ألو؟
جالها صوت راجل كبير في السن
مدام... أنا الحاج رأفت عم حسين.
سكتت ثواني.
آخر شخص كانت تتوقع تسمع صوته.
قال الرجل بصوت متعب
أم حسين تعبانة جدًا... وطلبت تشوفك.
قفلت عينيها.
آخر مرة شافت الست دي كانت وهي بتطردها من البيت بابتسامة شماتة.
قالت ببرود
وأنا مالي؟
تنهد الحاج رأفت.
وقال
يمكن مالكيش... بس هي مصرة.
فضلت طول الليل تفكر.
وفي النهاية قررت تروح.
مش عشانهم.
عشان نفسها.
عشان تقفل آخر باب مفتوح من الماضي.
دخلت غرفة المستشفى.
ولأول مرة شافت حماتها السابقة من غير مكياج ولا ذهب ولا نظرات تعالي.
كانت ضعيفة جدًا.
أضعف بكتير من الست اللي كانت بترعب البيت كله بصوتها.
بمجرد ما شافتها بدأت دموعها تنزل.
وقالت بصوت مكسور
سامحيني.
الكلمة نزلت ثقيلة.
غريبة.
كأنها جاية من شخص تاني.
قالت الزوجة السابقة بهدوء
ليه؟
بكت المرأة أكثر.
وقالت
عشان ظلمتك.
سكتت الغرفة كلها.
وأكملت
كنت كل ما أشوفك ناجحة أخاف... أخاف ابني يحبك أكتر مني... أخاف يبقى ليكي مكان أكبر من مكاني.
ثم قالت وهي تنتحب
كنت فاكرة إني بحافظ على ابني... لكن أنا ضيعته.
ولأول مرة...
ما كانش عند البطلة أي رغبة في الانتقام.
السنين علمتها إن بعض الناس بيعاقبوا نفسهم بنفسهم.
وقفت بهدوء.
وقالت
أنا مسامحاكي.
رفعت المرأة رأسها ببطء.
والصدمة كانت واضحة في عينيها.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
يمكن لأول مرة من غير خبث.
ومن غير كراهية.
ومن غير حسابات.
خرجت من المستشفى وهي حاسة براحة غريبة.
راحة ما جتش يوم كسبت القضية.
ولا يوم رجعت فلوسها.
لكن يوم شالت آخر ذرة غضب من قلبها.
وفي الخارج...
كانت الشمس بتطلع.
وكأنها بداية جديدة أخيرة.
نهاية ما كانش فيها منتصر ومهزوم.
لكن كان فيها درس واحد
الكرامة لا تُشترى بالمال،
كانت الحياة ماشية بهدوء لأول مرة من سنين.
وفي صباح يوم جمعة، كانت قاعدة في شرفة بيتها الجديد تشرب قهوتها، لما وصلها اتصال من الحاج رأفت.
ردت وهي مستغربة.
قال بصوت هادئ
البقاء لله... أم حسين توفت الفجر.
سكتت للحظات.
رغم كل اللي حصل، شعرت بحزن إنساني صادق.
وفي المساء، قررت تروح العزاء.
مش عشان الماضي.
ولا عشان حسين.
لكن احترامًا لسنوات من عمرها كانت جزءًا من العيلة دي.
دخلت السرادق.
الناس كانت مستغربة وجودها.
بعضهم بص لها بدهشة.
وبعضهم همس فيما بينهم.
لكنها ما اهتمتش.
كانت ماشية بثبات لحد ما وقفت قدام حسين.
رفع عينه وبصلها.
كان مختلفًا جدًا عن الرجل اللي طردها يومًا من البيت.
أهدأ.
وأضعف.
وأكتر نضجًا.
قال بصوت خافت
شكرًا إنك جيتي.
اكتفت بهزة بسيطة من رأسها.
ثم جلست دقائق وقدمت واجب العزاء وانصرفت.
لكن قبل ما تخرج، ناداها الحاج رأفت.
وسلمها ظرفًا قديمًا.
وقال
أم حسين سابت ده ليكي قبل وفاتها.
رجعت بيتها.
وظل الظرف أمامها ساعات دون أن تفتحه.
وفي النهاية استجمعت شجاعتها.
فتحت الورقة.
وكان مكتوبًا بخط متعب
أنا عارفة إن الاعتذار متأخر.
وعارفة إن في جروح عمرها ما هتتنسي.
لكن في حاجة لازم تعرفيها.
أنا كنت فخورة بيكي أكتر مما كنت بعترف.
ويمكن غيرتي منك كانت أكبر من كرهي ليكي.
لأنك عملتي اللي أنا ما عرفتش أعمله طول عمري.
بنيتي نفسك بنفسك.
سامحيني لو تقدري.
وأتمنى تكملي حياتك سعيدة.
انتهت الرسالة.
وبقيت البطلة تنظر إليها طويلًا.
ثم طوتها بهدوء.
ووضعتها داخل صندوق صغير مع بعض الذكريات القديمة.
وفي تلك الليلة...
قفلت الصندوق للمرة الأخيرة.
ليس لأنها نسيت.
بل لأنها أخيرًا تصالحت مع كل ما حدث.
أما حسين...
فبعد سنوات، سمع الناس عنه أنه باع ما تبقى من شركته، وبدأ من الصفر في مدينة أخرى.
كان يحاول أن يبني نفسه بعيدًا عن أخطاء الماضي.
أما هي...
فاستمرت تنجح.
وتكبر.
وتعيش الحياة التي تستحقها.
وحين كانت تنظر أحيانًا إلى المرآة، لم تكن ترى المرأة التي طُردت يومًا من بيت ظنت أنه ليس بيتها.
كانت ترى امرأة مرت بالعاصفة...
ثم خرجت منها أقوى مما دخلتها.
وهكذا أُغلقت الصفحة الأخيرة من الحكاية لكن بعد ثلاث سنوات كاملة...
وفي ليلة هادئة، كانت قاعدة في مكتبها بعد انتهاء اجتماع طويل، تراجع بعض الملفات قبل ما ترجع البيت.
دخلت عليها سكرتيرتها وقالت
في شاب برة مصمم يقابلك.
استغربت.
مين؟
قالت
بيقول إن اسمه ياسين حسين الشافعي.
عقدت حاجبيها.
الاسم ما كانش مألوف بالنسبة لها.
طلبت تدخله.
دخل شاب في أوائل العشرينات.
ملامحه كانت غريبة بشكل أربكها.
فيها شيء من حسين.
وشيء آخر لم تستطع تحديده.
وقف باحترام وقال
حضرتكِ مدام آية؟
أومأت برأسها.
مد لها ملفًا صغيرًا.
وقال
أنا جاي أنفذ وصية أبويا.
تجمدت في مكانها.
أبوك مين؟
قال بهدوء
حسين.
اتسعت عيناها.
حسين عنده ابن؟!
تنهد الشاب وقال
أنا ابن أخوه الكبير المتوفي... لكنه رباني بعد وفاة والدي واعتبرني ابنه طول عمري.
شعرت ببعض الراحة.
جلس أمامها وأكمل
عمو حسين توفى من شهر.
سقط الخبر عليها كالصاعقة.
رغم كل شيء...
لم تتخيل يومًا أن تسمع خبر وفاته بهذه البساطة.
أخرج الشاب ورقة مطوية بعناية.
وقال
دي الرسالة اللي طلب أوصلها لحضرتك بنفسي.
فتحت الرسالة بيد مرتجفة.
وكان مكتوبًا فيها
آية...
يمكن تكوني آخر شخص له حق عندي وما قدرتش أرده.
أنا مش طالب منك تسامحيني.
ولا حتى تفتكريني بخير.
لكن قبل ما أمشي من الدنيا حبيت تعرفي حاجة واحدة.
أنتِ كنتِ أحسن حاجة حصلت في حياتي.
وأكبر غلطة ارتكبتها هي إني ما عرفتش قيمتك إلا بعد ما خسرتك.
كل نجاح عملته بعدك كان ناقص.
وكل بيت دخلته كان فاضي.
لأن المشكلة ما كانتش في الناس...
كانت فيا أنا.
لو الزمن رجع بيا ألف مرة، كنت هختارك كل مرة.
سامحيني لو تقدري.
حسين
انتهت الرسالة.
وظلت ممسكة بها دقائق طويلة.
لا تبكي.
ولا تتكلم.
فقط صامتة.
ثم
وقالت بهدوء
ربنا يرحمه.
بعدما انصرف الشاب، فتحت درج مكتبها.
أخرجت منه صورة قديمة جدًا.
صورة من أول سنة زواج.
قبل الخلافات.
قبل الإهانات.
قبل أن يتحول الحب إلى رماد.
نظرت إليها طويلًا.
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت لنفسها
كان ممكن تبقى حكاية
متابعة القراءة