تليفوني رن الصبح
تليفوني رن الصبح، كان أخويا حسن.
رديت عليه لقيته بيسألني من غير مقدمات
جوزك فين دلوقتي؟
رديت عليه بمنتهى الثقة
في الغردقة.. سافر امبارح عشان يحضر اجتماع شغل مهم.
سكت ثواني... صمت كان كفيل يهد حيلي ويوقع سنين جوازنا السبعة في ثانية واحدة.
وبعدين قال جملة خلت الدنيا تلف بيا
لأ يا أختي.. جوزك مش في الغردقة. جوزك موجود دلوقتي في الفندق اللي بديره هنا في العين السخنة... والأدهى من كده إنه بيستخدم حساباتك البنكية في تحويلات غريبة بمبالغ كبيرة.
إيدي تلتت ومسكت فنجان الشاي بقوة عشان ميتكسرش.
في الأول قلت أكيد أخويا متلخبط.
ياسر مستحيل يعمل حاجة زي دي من ورايا.
بس حسن مش من النوع اللي بيرمي كلام وخلاص.
قال بهدوء
أنا قدامي أوراق حجز باسمه، وسجل دخول من امبارح. والأغرب إنه قابل أكتر من شخص في الفندق، وكل مقابلاته كانت سرية ومقفولة.
حسيت ببرودة في جسمي كله.
ياسر بقاله فترة تصرفاته مش مريحة.
الموبايل دايمًا مقفول بكلمات سر جديدة.
وبيخرج فجأة بحجج الشغل.
ولو سألته عن الفلوس اللي بتتحرك من الحساب، يقولي إنها معاملات تخص الشركة ومينفعش يعرفني تفاصيلها.
كنت بقول لنفسي إنها ضغوط شغل وبس.
أما دلوقتي...
فحسن كان بيديني تفاصيل ماينفعش تتفسر بسهولة.
مواعيد مقابلات.
أسماء مجهولة.
وتحويلات مالية بمبالغ ضخمة.
همست له بصوت مكسور
حسن... إوعى تواجهه ولا تفتح معاه أي موضوع.
رد بسرعة
متقلقيش.
وبعد لحظة صمت سألني
ناوية تعملي إيه؟
بصيت لصورة فرحنا
الصورة اللي كنا واقفين فيها قدام بيت أبويا بنضحك من قلبنا.
لكن لأول مرة حسيت إن فيه جزء كبير من حياة ياسر عمري ما عرفته.
بلعت ريقي وقلت
ساعدني يا حسن... عايزة أعرف الحقيقة. أيًا كانت.
ومن اللحظة دي...
بدأت رحلة اكتشاف سر أخطر بكتير من مجرد كذبة أو خلاف زوجي.
سر ممكن يقلب حياتنا كلنا رأسًا على عقب.
ومع أول ضوء للنهار...
كان قراري النهائي اتاخد.
قرار هيخلي ياسر يتصل بيا بعد ساعات وهو في حالة رعب حقيقية...
مش لأنه اتكشف.
لكن لأنه عرف إن السر اللي فضل مستخبيه سنين...
قرب جدًا يطلع للنور ياسر اتصل فعلًا بعد كام ساعة.
لكن الغريب إن صوته ماكانش صوت واحد اتكشف.
كان صوت واحد مرعوب.
مرعوب بجد.
أول ما رديت عليه، قال بسرعة
إنتِ فين دلوقتي؟
رفعت حاجبي باستغراب.
مش المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده؟
سكت ثانية.
وبعدين قال
اسمعيني كويس يا مريم... لو حد كلمك أو بعتلك أي حاجة، ما تفتحيش حاجة قبل ما أشوفها.
الطريقة اللي كان بيتكلم بيها خلت قلبي يدق أسرع.
دي أول مرة أشوف ياسر بالشكل ده.
أول مرة أحس إنه مش بيخبي حاجة عشان مصلحته...
كأنه بيخبي حاجة عشان يحميني.
قلت ببرود
متأخر يا ياسر.
وسكتُّ.
متعمدة.
عشان أخليه يتكلم.
وفعلًا اتكلم.
حسن وصل لك؟
اتجمدت مكاني.
إزاي عرف إني كلمت حسن؟
وقبل ما أسأله، كمل بسرعة
ردي عليا... حسن عندك؟
قلت بحذر
ليه؟
جالي صوته واطي ومخنوق
لأنهم بدأوا يراقبوه.
في اللحظة دي بالذات...
موبايل حسن رن.
بصينا للشاشة.
رقم مجهول.
حسن رد.
وفجأة لون وشه اتغير.
إنت مين؟
صمت.
وبعدين سمعته بيقول
إزاي جبتوا العنوان؟
أنا وماما بصينا لبعض.
قلبي نزل لرجلي.
حسن قفل المكالمة بسرعة.
لكن قبل ما أسأله...
وصلت رسالة على موبايله.
صورة.
فتحها.
واتجمد.
خدت الموبايل من إيده.
ولما بصيت...
حسيت الدم بيتسحب من وشي.
الصورة كانت لبيتنا.
بيت ماما.
متصورة من برة.
من دقايق قليلة.
وتحتها رسالة قصيرة
قولوا لياسر إنه اتأخر.
سكت البيت كله.
حتى ماما بدأت تحس إن فيه حاجة مش طبيعية.
حسن أخد نفس طويل وقال
إحنا لازم نمشي من هنا.
ماما بصتله بخضة
نمشي فين؟
لكن قبل ما يرد...
جرس الباب رن.
مرة.
اتنين.
تلاتة.
بهدوء شديد.
مش خبط.
ولا استعجال.
كأن اللي واقف برا عارف إننا جوة.
وإننا في الآخر هنفتح.
أنا وحسن بصينا لبعض.
وياسر لسه على الخط.
وفجأة صرخ في التليفون
ما تفتحوش الباب!
لكن الجرس وقف.
وحل محله صوت تاني.
صوت ورقة بتتزحلق من تحت الباب.
كلنا قربنا بحذر.
وحسن انحنى وجابها.
كانت مظروف أسود.
مقفول بالشمع الأحمر.
وعليه اسم واحد بس مكتوب بخط واضح
مريم.
فتحت المظروف وإيديا بترتعش.
لقيت جواه مفتاح قديم.
وصورة باهتة جدًا.
الصورة كانت متصورة من أكتر من عشرين سنة.
وفيها راجل وست واقفين قدام مبنى قديم.
لكن اللي خلاني أحس إن الأرض بتميد بيا...
إن الست كانت أمي.
أما الراجل...
فماكانش أبويا.
وتحت الصورة مكتوب بخط اليد
الحقيقة بدأت هنا.
وفي ظهر الصورة عنوان مكان مهجور
وموعد.
الساعة 8 مساءً.
أما آخر سطر فكان كفيل يقلب حياتي كلها
اسألي أمك عن اللي حصل سنة 2001.
رفعت عيني ناحية ماما.
لقيتها شاحبة بشكل عمري ما شفته.
ولأول مرة في حياتي...
شفت الخوف الحقيقي في عينيها ماما فضلت باصة للصورة كأنها شافت شبح.
إيديها بدأت ترتعش.
وحسن قرب منها بسرعة
ماما... مين الراجل ده؟
ما ردتش.
قعدت على الكرسي ببطء، وكأن رجليها مبقوش شايلينها.
أنا ركعت قدامها ومديت الصورة ناحيتها.
لازم أفهم.
رفعت عينيها ليا.
وكان واضح إنها بتحارب حاجة جواها بقالها سنين.
سنين طويلة جدًا.
وأخيرًا قالت
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
سكتنا كلنا.
حتى ياسر اللي لسه على التليفون ما نطقش بحرف.
ماما أخدت نفس عميق وقالت
الراجل اللي في الصورة اسمه فؤاد.
الاسم وقع غريب على ودني.
عمري ما سمعته قبل كده.
مين فؤاد؟
نزلت دمعة من عينها.
الراجل اللي أنقذ حياتك يوم ما اتولدتي.
اتجمدت.
أنا مش فاهمة.
ماما مسحت دموعها وقالت
لأنك ماتولدتيش في المستشفى اللي طول عمرك فاكرة إنك اتولدتي فيها.
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.
حسن قام واقف مرة واحدة.
إيه؟!
لكن ماما كملت
في سنة 2001 حصلت حادثة كبيرة... حادثة محدش اتكلم عنها.
قلبي بدأ يدق بعنف.
حادثة إيه؟
لكن قبل ما ترد...
الكهربا قطعت فجأة.
البيت كله غرق في الظلام.
ماما شهقت.
وحسن جري ناحية الشباك.
بص برا.
واتجمد مكانه.
أنا جريت ناحيته.
في إيه؟
بلع ريقه بصعوبة.
وأشار ناحية الشارع.
بصيت...
لقيت
مش عربية عادية.
نفس العربية اللي ظهرت في الصور اللي بعتها المجهول.
ولما عيني ركزت أكتر...
شفت راجل واقف جنبها.
واقف من غير ما يتحرك.
من غير ما يبص حوالين نفسه.
كأنه مستني