بصو عليها بقلم شروق خالد
وأشهر قليلة فقط متبقية.
بعد ساعات قليلة كانت جهاد واقفة أمام غرفة في أحد المستشفيات.
قلبها يكاد يخرج من صدرها.
كل حياتها كانت تتغير في يوم واحد.
رفعت يدها المرتعشة.
وفتحت الباب.
دخلت ببطء.
وكان هناك رجل نحيل يرقد على السرير.
شعره أبيض.
ووجهه متعب.
لكنه أول ما رآها...
ابتسم.
ابتسامة دافئة بشكل غريب.
كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ عمر كامل.
سال الدمع من عينيه.
وقال بصوت ضعيف
كبرتي يا جهاد...
في تلك اللحظة لم تستطع أن تمنع نفسها.
ركضت نحوه..
لأول مرة في حياتها...
كانت تسمع كلمة بنتي من شخص قالها بكل قلبه.
لكنها لم
تكن تعرف أن اللقاء الذي انتظرته سنوات...
سيكشف لها في اليوم التالي سرًا أخيرًا أخطر من كل ما سبق.
سرًا سيجعلها تعيد النظر في كل شيء عرفته عن عائلتها...
يتبع...في صباح اليوم التالي، جهاد وصلت المستشفى بدري.
كانت حاملة وردة بيضاء صغيرة، وكمية أسئلة أكبر من أي وقت فات.
لكن أول ما دخلت الغرفة...
اتفاجأت إن السرير فاضي.
تجمدت مكانها.
قلبها وقع.
جرت
فين الأستاذ سامح؟!
ابتسمت الممرضة وقالت
متقلقيش... أخدناه يعمل فحوصات.
تنفست جهاد الصعداء.
لكن وهي راجعة للغرفة، لمحت حقيبة جلدية قديمة فوق الكومودينو.
كان عليها ورقة صغيرة مكتوب فيها
تُفتح بواسطة جهاد فقط.
ترددت للحظات.
ثم فتحتها.
داخل الحقيبة كانت هناك عشرات الرسائل والصور والمستندات.
لكن أكثر شيء لفت انتباهها دفتر أسود قديم.
فتحته.
وكانت أول صفحة مكتوب فيها
إلى ابنتي جهاد...
إذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات، فمعنى ذلك أن القدر أعطاني فرصة أخيرة لأقول الحقيقة.
بدأت تقرأ.
ومع كل صفحة كانت عيناها تتسعان أكثر.
سامح كان يكتب تفاصيل السنوات التي قضاها يبحث عنها.
وكيف كان يتابع أخبارها من بعيد.
وكيف كان يرسل منحًا ومسابقات باسم أشخاص آخرين حتى لا يسبب مشاكل في حياتها.
لكن في منتصف الدفتر تقريبًا...
وصلت إلى صفحة جعلتها تتوقف فجأة.
كان عنوانها
السر الذي لم أخبر به أحد.
شعرت بقلبها ينبض بقوة.
وأكملت القراءة.
كتب سامح
ليست أكبر مأساتي أنني ابتعدت عنكِ.
بل
ارتجفت يداها.
وأكملت.
فرامل سيارتي تم العبث بها عمدًا.
رفعت رأسها بصدمة.
ثم عادت للقراءة بسرعة.
وعندما بدأت أبحث خلف الأمر، وصلت إلى اسم شخص واحد.
شعرت أن أنفاسها انقطعت.
شخص كان يرى أن وجودي سيدمر مصالحه ومستقبله.
في آخر الصفحة كان الاسم مكتوبًا.
اسم واحد فقط.
جهاد شهقت.
لأن الاسم لم يكن عمها سعيد.
ولم يكن جدها.
بل كان شخصًا لم يخطر ببالها أبدًا...
الأستاذ محمود.
وقعت الرسالة من يدها.
مستحيل.
الرجل الذي ربّاها؟
الرجل الذي عاش معها كل تلك السنين؟
هل يمكن أن يكون متورطًا في شيء بهذه الخطورة؟
في تلك اللحظة تحديدًا، فُتح باب الغرفة.
دخل سامح ببطء على كرسي متحرك.
ولما رأى ملامح الصدمة على وجهها...
عرف أنها قرأت الحقيقة.
خفض رأسه وقال
كنت أتمنى ما تعرفيش بالطريقة دي.
جلست جهاد أمامه.
والدموع تملأ عينيها.
الكلام ده حقيقي؟
أغمض عينيه للحظة.
ثم قال
أنا نفسي تمنيت يكون غلط.
لكن الأدلة كانت موجودة.
ومع
رفع رأسه ونظر إليها مباشرة.
الأستاذ محمود ارتكب أخطاء كبيرة.
لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.
سكت قليلًا.
ثم أكمل
بعد الحادث بسنوات... هو نفسه كان السبب في حمايتك.
وكان يرفض أي حد يأذيك.
وكان أول شخص وقف ضد عم سعيد لما حاول يستولي على حقوقك.
اتسعت عينا جهاد.
الحقيقة كانت أعقد مما تخيلت.
لا أبطال كاملون.
ولا أشرار كاملون.
مجرد بشر أخطأوا... وندموا.
وفي مساء ذلك اليوم، اتخذت جهاد قرارًا.
عادت إلى القرية.
ودخلت البيت.
كان الأستاذ محمود جالسًا وحده في الشرفة.
أصبح أكبر سنًا وأهدأ كثيرًا.
رفع رأسه عندما رآها.
ولأول مرة بدا خائفًا منها.
اقتربت منه.
وجلست أمامه.
ثم وضعت الدفتر على الطاولة.
نظر إليه.
وتغير لون وجهه فورًا.
فهم.
عرف أن كل شيء انكشف.
ساد صمت طويل.
طويل جدًا.
ثم قال بصوت مكسور
أنا مستعد أتحمل أي حكم منك.
نظرت إليه جهاد.
ثم قالت بهدوء
مش جاية أحاكمك.
رفع عينيه بدهشة.
أكملت
أنا جاية أفهم.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
بدأت بينهما محادثة صادقة لم تحدث أبدًا.
محادثة قد تغيّر ما تبقى من حياتهما معًا.
وتكشف الحقيقة الكاملة التي أخفاها الجميع طوال سبعة وعشرين عامًا.
النهاية... أو ربما بداية جديدة.