بصو عليها بقلم شروق خالد
المحتويات
جهاد قبل ما يتوفى.
الراجل اللي اختفى من البلد من أكتر من عشرين سنة، والناس كانت فاكرة إنه مات.
عم سعيد اتوتر أول ما شافه.
إنت؟!
ابتسم العجوز ابتسامة هادئة وقال
أيوه أنا... والظاهر إن ربنا مد في عمري عشان أشهد بالحق.
دخل بخطوات بطيئة، وسند على عصاه، ثم أخرج ظرفًا قديمًا اصفر لونه من الزمن.
وقال
الظرف ده أمانة عندي من يوم وفاة والدكم.
أخد الأستاذ محمود الظرف بإيد مرتعشة.
فتح الورق.
ومع أول سطر قراه...
وقع على الكرسي.
الأم شهقت.
أما عم سعيد فبدأ يتراجع للخلف خطوة وراء خطوة.
لأن الورقة كانت وصية الجد الأصلية.
وفيها اعتراف مكتوب بخط يده إن الأرض والمصنع نصيب زوجته أولًا، وبعدها يتم تقسيم الأرباح بالتساوي بين أولاده.
لكن الأخطر من كده...
إن الوصية كانت فيها سطر أخير ما حدش عرفه قبل كده.
سطر واحد قلب كل الموازين.
ومن يثبت أنه أخفى هذه الوصية أو تلاعب بها يُحرم من نصيبه كاملًا.
عم سعيد انهار.
وقعد على الأرض وهو بيبص حواليه كأنه بيدور على مخرج.
لكن ما كانش فيه مخرج.
الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.
بعد أسابيع من التحقيقات والمحامين، رجعت الحقوق لأصحابها.
واتلغت أغلب الديون بعد إثبات ملكية الأرض وقيمتها الكبيرة.
المصنع اتنقذ.
والبيت اتنقذ.
لكن الأهم...
إن أم جهاد لأول مرة بقت تملك حقها رسميًا قدام الجميع.
وفي ليلة هادئة، كانت جهاد قاعدة مع أمها في البلكونة.
الأم بصتلها وقالت
عارفة يا بنتي... زمان كنت بزعل لما الناس تقول إنك بتبيعي لب.
ابتسمت جهاد.
وأنا كمان كنت بزعل.
مسكت الأم إيدها وقالت
لكن النهارده عرفت إن الشغل عمره ما كان عيب.
سكتت لحظة ثم أضافت
العيب الحقيقي إن الواحد يسرق حق غيره.
هزت جهاد رأسها موافقة.
لكن في اللحظة دي رن هاتفها.
رقم غريب.
ردت باستغراب
ألو؟
جالها صوت رسمي
مساء الخير يا أستاذة جهاد.
مع حضرتك مين؟
أنا من وزارة التعليم العالي.
استغربت.
خير؟
جالها الرد اللي خلّى قلبها يدق بسرعة
تم اختيارك ضمن قائمة الباحثين الشباب لبعثة دراسية كاملة خارج مصر.
اتسعت عيناها.
لكن الموظف أكمل
وفي حاجة تانية لازم تعرفيها...
إيه هي؟
الاسم اللي رشحك للبعثة هو شخص طلب عدم ذكر اسمه.
سكتت جهاد.
ثم سألت
وليه؟
جاءها الرد
لأنه قال إنك لو عرفتي اسمه دلوقتي... مش هتوافقي تسافري.
أغلقت المكالمة ببطء.
ونظرت للسماء.
لأول مرة شعرت أن هناك سرًا جديدًا ينتظرها.
سر أكبر من المصنع...
وأكبر من الوصية...
وسيكشف لها حقيقة شخص ظل يراقب نجاحها من بعيد طوال السنوات الماضية دون أن تعرفه.
وفي صباح اليوم التالي...
وصلها طرد صغير.
وعندما فتحته...
وجدت صورة قديمة جدًا لطفلة صغيرة تبيع اللب أمام مدرسة.
وخلف الصورة جملة واحدة فقط
أنا كنت أول شخص آمن إنك هتوصلي... وحان الوقت تعرفي أنا مين.
وتحتها توقيع غامض
نلتقي قريبًا...
يتبع...جهاد فضلت ماسكة الصورة لدقائق طويلة.
قلبها كان بيدق بسرعة.
الصورة دي اتصورت لها فعلًا وهي عندها حوالي 15 سنة، وقت ما كانت واقفة قدام المدرسة تبيع اللب بعد انتهاء اليوم الدراسي.
لكن السؤال اللي جنّنها
مين اللي صورها أصلًا؟
ومين الشخص اللي كان بيتابعها كل السنين دي؟
بعد أيام قليلة، سافرت القاهرة عشان تجهز أوراق البعثة.
وفي أثناء خروجها من مبنى الوزارة، لمحَت رجلًا يقف بعيدًا ويراقبها.
أول ما بصت ناحيته تحرك بسرعة واختفى وسط الزحام.
لكن اللي لفت انتباهها...
إنه كان يحمل نفس العصا الخشبية المنقوشة اللي كانت في الصورة القديمة المرفقة مع الطرد.
شعرت بقشعريرة.
وأدركت أن الموضوع أكبر من مجرد مزحة.
بدأت تبحث.
وسألت موظف الوزارة عن الشخص اللي رشحها.
في البداية رفضوا يقولوا أي معلومة.
لكن بعد إلحاح طويل، وافق أحد الموظفين أن يخبرها بمعلومة واحدة فقط.
قال
الملف بتاعك كان بيتجدد كل سنة.
استغربت.
إزاي؟
رد
كل سنة كان فيه شخص مجهول يدفع رسوم مسابقات علمية باسمك، ويبعث توصيات عن تفوقك.
اتسعت عيناها.
من وأنا في المدرسة؟!
هز الموظف رأسه.
من وأنتِ في أولى ثانوي.
خرجت جهاد وهي غير مصدقة.
سنوات طويلة...
وشخص ما كان يمهد لها الطريق بصمت.
في مساء نفس اليوم، وصلها ظرف جديد إلى الفندق.
فتحت الظرف بسرعة.
وجدت عنوانًا فقط.
وعنوان بيت قديم في حي مصر الجديدة.
وموعدًا
الساعة السابعة مساءً.
من دون أي اسم.
طوال اليوم التالي كانت مترددة.
لكن الفضول انتصر.
وفي السابعة تمامًا وقفت أمام البيت.
كان بيتًا قديمًا تحيط به أشجار ضخمة.
طرقت الباب.
وبعد لحظات فتح لها رجل مسن.
نظر إليها طويلًا ثم ابتسم.
وقال
اتأخرتِ شوية يا جهاد.
شعرت أنها تعرف صوته.
لكنها لم تتذكر من أين.
دخلت خلفه.
حتى وصلت إلى غرفة مليئة بالكتب والصور.
وعلى أحد الجدران...
كانت هناك عشرات الصور لها.
من مراحل عمر مختلفة.
في المدرسة.
في الجامعة.
في حفل التخرج.
حتى صورة لها وهي تستلم أول وظيفة.
تراجعت خطوة بخوف.
مين حضرتك؟!
تنهد الرجل وجلس ببطء.
ثم أخرج من درج مكتبه ورقة قديمة جدًا.
ناولها لها.
نظرت إلى الورقة.
وفي اللحظة التالية تجمد الدم في عروقها.
كانت شهادة ميلاد.
لكن ليس اسمها فقط هو المكتوب فيها...
بل اسم والدها أيضًا.
ومكان خانة الأب كان مختلفًا تمامًا عما عرفته طوال حياتها.
رفعت رأسها بصدمة.
إيه ده؟!
أجاب الرجل بهدوء
الحقيقة اللي اتدفنت أكتر من خمسة وعشرين سنة.
الأستاذ محمود ربّاكِ وكبركِ... لكن فيه شخص تاني كان والدك الحقيقي.
شعرت جهاد أن الأرض تميد تحت قدميها.
مستحيل...
لكن الرجل أكمل
والشخص ده...
وسكت لثوانٍ.
ثم أشار إلى صورة معلقة على الحائط.
التفتت جهاد ببطء.
وأول ما وقعت عيناها على الصورة...
شهقت بقوة.
لأن الوجه الموجود فيها كان لشخص تعرفه جيدًا جدًا.
شخص كانت تراه
دون أن تتخيل للحظة أنه مرتبط بماضيها بهذه الطريقة.
وفي أسفل الصورة كانت عبارة واحدة
الرجل الذي ضحى بكل شيء ليحميك.
يتبع... جهاد قربت من الصورة بخطوات مترددة.
كانت أنفاسها متسارعة.
وعيناها مثبتتين على الوجه الموجود داخل الإطار.
ثم همست بصوت مرتجف
الحاج عبدالسلام؟!
أومأ الرجل المسن الجالس أمامها ببطء.
نعم.
تراجعت جهاد خطوة للخلف.
مستحيل... الحاج عبدالسلام كان صاحب جدي وصديق العيلة!
تنهد الرجل وقال
وده اللي الكل كان فاكره.
جلس بهدوء وأشار لها أن تجلس.
كانت ألف فكرة بتدور في رأسها.
قال الرجل
قبل سبعة وعشرين سنة، والدتك كانت مخطوبة لرجل اسمه سامح.
سامح كان مهندس شاب، متعلم وطموح، لكنه كان فقير.
سكت لحظة ثم أكمل
وجَدّك وقتها رفض الجوازة.
ولما عرف إن بنتُه حامل، قامت الدنيا.
شهقت جهاد.
لكن الرجل رفع يده
اسمعي للنهاية.
سامح حاول يتجوزها بسرعة ويحفظ كرامتها، لكن وهو رايح يقابل جدك تعرض لحادث كبير.
وافتكروا إنه مات.
أخرج صورة قديمة ووضعها أمامها.
شاب مبتسم في أواخر العشرينات.
وكان هناك شبه غريب بينها وبينه.
نفس العينين.
ونفس الابتسامة.
شعرت بدموعها تملأ عينيها.
ده... والدي؟
أومأ الرجل.
نعم.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
قال الرجل
سامح ما ماتش.
اتسعت عينا جهاد.
إيه؟!
عاش.
لكنه فقد الذاكرة سنوات طويلة.
ولما استعادها أخيرًا، كانت والدتك اتجوزت الأستاذ محمود بالفعل.
سقطت دمعة من عين جهاد.
يعني كان موجود؟
وكان يعرف إني موجودة؟
هز الرجل رأسه.
في البداية لا.
لكن بعد سنوات عرف.
ومن يومها بدأ يتابعك من بعيد.
هنا شعرت جهاد بقشعريرة.
الصورة.
الرسائل.
المنحة.
الطرد.
كل شيء بدأ يتضح.
سألت بصوت مبحوح
فين هو دلوقتي؟
ساد الصمت.
نظر الرجل إلى الأرض.
ثم قال
هو اللي رشحك للبعثة.
تسارعت دقات قلبها.
عايزة أقابله.
رفع الرجل عينيه إليها.
وكان
عشان كده استدعيتك.
لأن الوقت بقى قصير.
شعرت جهاد بالخوف فجأة.
قصير ليه؟
فتح درج المكتب وأخرج ملفًا طبيًا.
وضعه أمامها.
ارتجفت أصابعها وهي تفتحه.
ثم قرأت السطر الأول.
وأظلمت الدنيا أمام عينيها.
مرض نادر.
مرحلة متأخرة.
متابعة القراءة