بصو عليها بقلم شروق خالد
بصوا عليها.. لسة واقفة تبيع لب وسوداني قدام باب المدرسة! ما فيش شهادة ليكي يا بتاعة الفول.. باي باي يا بياعة!
جهاد ما صرختش وهي شايفة الجواب في إيد البوسطجي، فضلت واقفة مكانها قدام البوابة، بتبص لاسمها المكتوب على المغلف وكأنه هيختفي في أي لحظة.
يا أنسة، هتستلميه ولا أمشي؟ قالها البوسطجي بنفاذ صبر.
خدت منه الجواب بسرعة وهي بتقول شكرًا.. شكرًا جدًا يا فندم.
إيديها كانت بتترعش وهي راجعة البيت. والدتها كانت في المطبخ بتجهز الغدا.
ماما.. صوتها طلع واطي في الأول، وبعدين علي ماما، تعالي شوفي ده!
مسحت الأم إيديها في المريلة وجريت عليها في إيه يا بنتي؟
جهاد ما كانتش قادرة تنطق، مدة إيدها بالجواب وبس.
قرت الأم الكلام مرة والتانية، وعينيها اتوسعت من الصدمة والفرحة جهاد!
اتقبلت يا ماما، جهاد قالت وصوتها بيقطع من الدموع جالي قبول في جامعة القاهرة!
الأم خدتها في حضنها جامد وهي بتعيط ربنا كرمنا.. ربنا جبر بخاطرنا يا بنتي.
ضحكت جهاد وسط دموعها قولتلك يا ماما.. قولتلك هعملها وهنجح.
ما عداش وقت طويل، ودخلت دعاء، صاحبتها الانتيم، البيت من غير ما تخبط حتى من كتر اللهفة.
جهاد! الكلام ده بجد؟
لفت جهاد ليها وهي بتبتسم والدموع في عينيها هنروح الجامعة يا دعاء!
صرخت دعاء وأنا كمان جوابي جه!
فضلوا يتنططوا هما الاتنين ويمسكوا في بعض عملناها.. بجد عملناها!
من عند باب الأوضة، كان الأستاذ محمود، والد جهاد، واقف بيراقبهم وملامح وشه قاسية وجامدة.
إيه الهيصة والزيطة اللي أنتوا عاملينها دي؟ قالها بجفاء.
جهاد لفت ليه بفرحة وقالت بابا، أنا جالي قبول في الجامعة!
لكن الأستاذ محمود ما نطقش ولا كلمة، هز رأسه مرة واحدة ببرود وسابهم ومشي.
ليلتها، جهاد ما عرفتش تنام. حطت الجواب جنب مخدتها، وكل شوية تمد إيدها تلمسه عشان تتأكد إنه حقيقة مش حلم.
همست لنفسها في الضلمة دي حياتي.. ومحدش هيقدر يسرقها مني.
لكن في نص الليل، الباب اتفتح براحة من غير صوت.
دخل الأستاذ محمود
الصبح، جهاد كانت بتقلب الأوضة بتدور على الجواب.
ماما، مشوفتيش الجواب بتاعي؟
لا يا بنتي، إنتي اللي شلتيه بإيدك.
مش موجود! جهاد قالت وهي بووو
لكن جهاد ما كانتش تعرف إن يوم التخرج ما كانش نهاية الحكاية...
كان بدايتها الحقيقية.
بعد الحفل بأسبوعين، كانت قاعدة في مكتبها الجديد في واحدة من أكبر الشركات، لما السكرتيرة خبطت الباب وقالت
في راجل بره مُصر يقابلك.
رفعت جهاد رأسها باستغراب
مين؟
بيقول إنه قريبك.
خرجت تشوف بنفسها.
وأول ما شافته...
اتجمدت.
كان عمها سعيد.
أخو أبوها.
الراجل اللي عمره ما سأل عنها ولا مرة.
اللي كان دايمًا أول واحد يضحك لما حد يعايرها ببيع اللب والسوداني.
ابتسم ابتسامة مصطنعة وقال
ما شاء الله... بقى عندنا دكتورة وأستاذة كبيرة.
ردت بهدوء
خير يا عمي؟
اتوتر وهو بيلف الطاقية بين إيده.
الحقيقة... أبوكي تعبان.
قلبها انقبض رغم كل شيء.
ماله؟
نزل عينه للأرض.
المصنع خسر... وعليه ديون كبيرة.
سكتت.
ثم قالت
وأنا مطلوبة ليه؟
بلع ريقه وقال
البنك هيحجز على البيت.
هنا فهمت.
ما جاش عشان يطمنها.
جاي عشان ينقذ البيت.
البيت نفسه اللي اتمنعت منه أحلامها سنين طويلة.
رجعت القرية لأول مرة من سنين.
الناس كلها خرجت تبص عليها.
البنت اللي كانت تبيع لب قدام المدرسة...
راجعة بعربية شركة وسواق خاص.
ولما دخلت البيت...
اتفاجأت بمنظر أبوها.
كان شكله أكبر بعشر سنين.
وشه شاحب.
وشعره كله أبيض.
رفع عينه أول ما شافها.
وفي عينيه حاجة عمرها ما شافتها قبل كده...
انكسار.
قال بصوت ضعيف
جهاد...
لكنها ما ردتش.
قعدت قدامه بهدوء.
وأخرجت ملف من شنطتها.
الأستاذ محمود بصله باستغراب.
إيه ده؟
قالت
قبل ما أسمع أي كلام... اقرأ.
فتح الملف.
ومع كل صفحة كان وشه بيتغير.
مرة للصدمة.
مرة للخوف.
ومرة للذهول.
لحد ما وقف
مستحيل!
ابتسمت جهاد لأول مرة.
وقالت
لا... حقيقي.
الملف كان فيه مستندات تثبت إن الأرض اللي المصنع مبني عليها أصلًا...
باسم أمها.
مش باسمه.
وإن جده كتبها لزوجته قبل عشرات السنين.
لكن الورق اختفى فجأة وقت تقسيم الميراث.
والأغرب...
أن الشخص اللي أخفى الأوراق زمان ما كانش غريب.
كان عمها سعيد نفسه.
نفس الراجل اللي جه يطلب المساعدة.
ساد صمت مرعب في البيت.
والكل بص لعم سعيد.
اللي بدأ يتعرق بطريقة غريبة.
وقال بتلعثم
دي أكاذيب!
لكن جهاد أخرجت ورقة أخيرة.
وخبطتها على الترابيزة.
ودي شهادة من الشهر العقاري.
اختفى اللون من وجهه.
لأنه عرف إن اللعبة انتهت.
لكن قبل ما حد ينطق...
طلع صوت من باب البيت.
صوت راجل كبير بيقول
والله العظيم البنت دي معاها حق.
التفت الجميع نحو الباب...
واتسعت عيون جهاد من الصدمة.
لأن الشخص الواقف هناك...
كان يحمل سرًا مدفونًا من أكتر من عشرين سنة.
سرًا قادرًا يقلب تاريخ العيلة كلها رأسًا على عقب...!
يتبع...جهاد كانت بتقلب الأوضة بجنون.
مش موجود! والله كان هنا يا ماما!
الأم بصتلها باستغراب، لكن قبل ما ترد، دخل الأستاذ محمود من الصالة وهو ماسك جريدته كأنه مفيش حاجة حصلت.
سألته جهاد بسرعة
بابا... شوفت جواب الجامعة؟
رفع عينه من فوق الجريدة وقال ببرود
الورقة دي؟
قلب الصفحة وكمل
رميتها.
سكت البيت كله.
الأم شهقت
رميتها؟!
أما جهاد فحست إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
يعني إيه رميتها؟!
نزل الجريدة وقال بمنتهى القسوة
يعني مفيش جامعة.
اتجمدت مكانها.
إنتي بنت. والبنت آخرها تتجوز وتستر نفسها. مش هصرف مليم على تعليم ملوش لازمة.
حاولت الأم تتدخل
يا محمود دي متفوقة...
لكن صرخ فيها
خلص الكلام!
جهاد ما بكتش.
ولا اتكلمت.
دخلت أوضتها وقفلت الباب.
ولأول مرة في حياتها حسّت إن أبوها مش مجرد رافض حلمها...
لا...
كان عايز يدفنه بنفسه.
مرت أيام.
كل يوم كانت تشوف أصحابها بيجهزوا أوراق الجامعة.
وهي قاعدة قدام مدرسة الثانوية تبيع اللب
وكانت تسمع الهمسات.
دي اللي جالها قبول في الجامعة.
أبوها منعها.
حرام والله.
وفي يوم، عدت مجموعة بنات من المدرسة.
واحدة منهم ضحكت بصوت عالي
بصوا عليها... لسة واقفة تبيع لب!
والباقي انفجروا ضحك.
جهاد بلعت الإهانة وسكتت.
لكن جواها كان بيتكسر ألف حاجة.
بعد أسبوعين.
وهي قاعدة على الفرشة، وقفت قدامها عربية سوداء فخمة.
نزل منها رجل كبير في السن.
وقف قدامها وسأل
إنتي جهاد محمود؟
استغربت.
أيوة.
ناولها ظرف مختوم.
دي أمانة ليكي.
وركب عربيته ومشي.
فتحت الظرف بسرعة.
وأول ما قرأت أول سطر...
شهقت.
كان خطاب من الجامعة نفسها.
نسخة جديدة من القبول.
ومرفق معاها خطاب تاني.
نحيطكم علمًا بحصول الطالبة جهاد محمود على منحة كاملة للتفوق الدراسي تشمل المصروفات والإقامة الجامعية.
وقعت الورقة من إيديها.
الأم جريت عليها
في إيه؟!
جهاد كانت بتعيط.
بس المرة دي من الفرحة.
منحة يا ماما...
جامعة القاهرة ادتني منحة كاملة!
لأول مرة ظهر الخوف على وش الأستاذ محمود.
منحة إيه؟!
هتروحي فين؟!
رفعت جهاد عينيها ليه وقالت بهدوء
هروح الجامعة.
وأنت مش هتقدري تعملي حاجة.
صرخ فيها
أنا أبوكي!
فردت لأول مرة
والأب الحقيقي بيسند حلم بنته... مش بيحرقه.
سكت.
لأنه عرف إنها عرفت الحقيقة.
عرفت إنه هو اللي حرق جوابها.
بعد شهور.
انتقلت جهاد للقاهرة.
وكانت من أوائل دفعتها.
وبعد أربع سنين كاملة...
وقفت على منصة التخرج وسط تصفيق آلاف الناس.
العميد بنفسه سلمها شهادة التقدير الأولى على الكلية.
وفي الصفوف الأمامية كانت أمها تبكي من الفرح.
أما الأستاذ محمود...
فكان جالسًا في آخر القاعة.
رأسه منخفض.
لأن البنت اللي حاول يكسرها...
بقت أكبر نجاح في العيلة كلها.
ولما خلص الحفل، قرب منها بخطوات مترددة وقال
سامحيني يا جهاد.
بصتله ثواني طويلة.
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
أنا سامحتك من زمان يا بابا...
وتابعت وهي ترفع شهادتها
لكن الحلم اللي حاولت تحرقه... ربنا خلاه ينور حياتي
وانفجرت القاعة بالتصفيق، بينما كانت جهاد تنظر إلى السماء وتهمس
وعدتك يا نفسي... ووفيت. البيت كله سكت.
والأنظار اتجهت ناحية الرجل العجوز الواقف عند الباب.
كان الحاج عبدالسلام...
المحاسب القديم اللي كان شغال مع جد