دون أن يدري
يبتسم بثقة، بينما رجاله يحيطون بنا من كل اتجاه.
كان يعتقد أن اللعبة انتهت.
وأنه فاز أخيرًا.
نظر إلى الدفتر الأسود وقال
ثلاثين سنة... ثلاثين سنة وأنا بدور عليه.
ثم أشار إلى سيف.
هاته.
لكن سيف لم يتحرك.
بل أمسك الدفتر بقوة أكبر.
عندها ضحك جلال.
وقال
فاكر إنك تقدر تمنعني؟
وهنا تقدّم القاضي خطوة إلى الأمام.
ولأول مرة ابتسم.
ابتسامة هادئة.
واثقة.
ثم قال
لا... هو مش هيمنعك.
إحنا اللي منعناك من ساعة ما خرجت من بيت ليلى.
اختفت الابتسامة من وجه جلال.
ماذا تقصد؟
أخرج القاضي هاتفه.
وضغط زرًا واحدًا.
وفجأة دوّت أصوات سيارات الشرطة من كل اتجاه.
ظهرت سيارات كثيرة حول المقبرة.
ولم تكن الشرطة المحلية فقط.
بل جهات تحقيق كانت تتابع القضية منذ أسابيع.
اتضح أن القاضي والمحامي وياسر كانوا قد نسخوا كل المستندات والرسائل والأدلة منذ اليوم الأول.
أما الدفتر...
فلم يكن إلا القطعة الأخيرة.
القطعة التي ستُكمل الملف أمام المحكمة.
نظر جلال حوله.
ثم أدرك الحقيقة.
لقد جاء بنفسه إلى الفخ.
حاول أحد رجاله الهرب.
لكن الشرطة قبضت عليه.
وحاول آخر التخلص من بعض الأوراق.
لكن الأوان كان قد فات.
أما جلال فظل واقفًا مكانه.
ينظر إلى الدفتر.
ثم إليّ.
ثم قال
كريم دمر حياتي.
فأجبته للمرة الأولى
لا.
كريم لم يدمر حياتك.
أنت الذي فعلت ذلك بنفسك.
بعد أشهر طويلة من التحقيقات والمحاكمات، ظهرت الحقيقة كاملة.
ثبتت عمليات التزوير.
والاستيلاء على الأراضي.
والرشاوى.
وكل الجرائم التي أخفاها جلال وشركاؤه لعقود.
وسقطت أسماء كبيرة لم يكن أحد يتوقع تورطها.
أما أحلام...
فقد ثبت أنها لم تعرف أغلب تفاصيل الجرائم القديمة.
كانت تعرف الطمع.
وتعرف مخططات الاستفادة من المنزل.
لكنها لم تكن تعرف حجم الشبكة التي كانت عائلتها جزءًا منها.
ابتعدت عن الجميع بعد ذلك.
واختارت أن تبدأ حياتها من جديد بعيدًا عن تلك الأسرار.
وفي يوم هادئ بعد انتهاء كل شيء، ذهبت أنا وسيف إلى قبر كريم.
وضع سيف باقة زهور على القبر.
ثم جلس بصمت طويل.
وأخيرًا قال
كنت فاكر إنك سبت لنا بيت.
لكنك سبت لنا الحقيقة.
ابتسمت وأنا أنظر إلى اسم كريم المنقوش على الحجر.
لقد أمضى
حتى بعد موته.
ونجح في ذلك أخيرًا.
أما المنزل الذي بعته...
فلم أندم عليه يومًا.
لأنني أدركت أن البيوت ليست جدرانًا وسقوفًا.
البيت الحقيقي هو المكان الذي تجد فيه الاحترام والمحبة.
وقد فقدت ذلك البيت يوم وصفني ابني بالعبء.
ثم استعدته يوم عاد إنسانًا أفضل مما كان.
وفي مساء هادئ، جلس سيف بجواري على شرفة منزلي المطل على شط العرب.
مثلما فعل قبل سنوات.
لكن هذه المرة لم يكن بيننا ميراث.
ولا أسرار.
ولا أطماع.
فقط أم وابنها.
نظر إلى النهر وقال
سامحيني.
فأجبته بعد صمت طويل
سامحتك منذ اليوم الذي اخترت فيه أن تعود.
ثم أغمضت عيني للحظة.
وشعرت وكأن كريم يجلس معنا.
هادئًا.
مطمئنًا.
لأن
ولأن العائلة التي كادت أن تضيع...
وجدت طريقها إلى بعضها من جديد.
تمت.