دون أن يدري

لمحة نيوز

أراقبه بصمت.
لأن الثقة لا تعود بكلمة آسف.
بل بالأفعال.
بعد عام كامل...
مرضت فجأة.
مرضًا بسيطًا لكنه احتاج إلى متابعة.
وفي كل صباح كنت أفتح الباب فأجده هناك.
يحمل الدواء.
أو الطعام.
أو فقط يأتي ليسأل إن كنت بخير.
تمامًا كما كان يفعل والده.
وبدأت أفهم شيئًا مهمًا.
أحيانًا لا يكون العقاب الحقيقي هو الانتقام.
بل أن تجعل الشخص يعيش بما خسره.
ويفهم قيمته بعد فوات الأوان.
وفي مساء هادئ من أمسيات الشتاء، جلس سيف بجواري على الشرفة.
كنا نشاهد انعكاس الأضواء على الماء.
فقال فجأة
لو رجع الزمن... كنت أختارك أنت بدل أي بيت في الدنيا.
ابتسمت للمرة الأولى منذ سنوات.
ثم وضعت يدي فوق يده.
وقلت بهدوء
لهذا السبب بالضبط يا سيف... احتجت أن أخسر البيت، حتى أستعيد ابني.
وانسابت دموعه بصمت.
أما أنا...
فكنت أنظر إلى النهر.
وأدرك أن المنزل الذي بعته لم يكن أغلى ما أملك.
لأن أغلى شيء استعدته أخيرًا...
كان ابني نفسه لكنني كنت مخطئة.
لأنني ظننت أن القصة انتهت عند هذا الحد.
ولم أكن أعلم أن المفاجأة الحقيقية كانت تختبئ في الماضي... لا في المستقبل.
بعد شهرين من عودة سيف إلى حياتي، تلقيت اتصالًا من رقم غريب.
كنت أجلس على الشرفة كعادتي عندما جاءني صوت رجل مسن.
قال
هل أتحدث مع السيدة ليلى كريم؟
أجبته بحذر
نعم.
صمت لثوانٍ ثم قال
أنا محامي المرحوم كريم... السابق.
تجمدت يدي.
لأن محامي كريم المعروف كان قد توفي قبل سنوات.
فسألته
ماذا تريد؟
قال
لدي شيء تركه زوجك قبل وفاته... وكان من المفترض أن تستلميه إذا حدث ظرف معين.
ارتبكت.
أي ظرف؟
فأجاب
إذا حاول أي شخص الاستيلاء على المنزل أو الضغط عليك للتنازل عن أملاكك.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
كان كريم قد توقع هذا؟
بعد كل هذه السنوات؟
في اليوم التالي ذهبت إلى مكتبه.
فتح درجًا حديديًا قديمًا.
وأخرج صندوقًا صغيرًا مغلقًا.
كان عليه اسم كريم بخط يده.
عرفت الخط فورًا.
فانقبض قلبي.
قال المحامي
ترك تعليمات صارمة بعدم فتحه إلا في هذه الحالة.
فتحت الصندوق بيد مرتجفة.
فوجدت رسالة.
وصورة.
ومفتاحًا صغيرًا ذهبيًا.
أما الرسالة فكانت موجهة إليّ.
بدأت القراءة.
ليلى...
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهناك شخص يحاول أن يأخذ منك ما بنيناه معًا.
ولهذا السبب أخفيت شيئًا لم أخبر به أحدًا.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
وأكملت.
قبل ثلاثين عامًا
اشتريت قطعة أرض صغيرة وسجلتها بطريقة مختلفة تمامًا عن ممتلكاتنا الأخرى.
اتسعت عيناي.
قطعة أرض؟
لم يخبرني بها أبدًا.
ثم جاءت الجملة التي جعلتني أتوقف عن التنفس للحظة.
وهذه الأرض اليوم تساوي أكثر من المنزل الذي بعناه بعشر مرات.
رجعت إلى البيت وأنا أحمل الأوراق.
وفي الليل بقيت أقرأها مرارًا.
كانت الأرض تقع في منطقة استثمارية أصبحت اليوم من أغلى المناطق في المحافظة.
وقيمتها كانت ثروة حقيقية.
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن قيمتها.
بل اسم الشريك المسجل مع كريم.
اسم جعل الدم يتجمد في عروقي.
كان الشريك...
أخو أحلام.
نفس الرجل الذي لم أثق به يومًا.
نفس الرجل الذي كان يظهر فجأة كلما دار الحديث عن الأموال أو العقارات.
لكن كيف؟
ولماذا؟
وما الذي كان يربطه بكريم أصلًا؟
في اليوم التالي ذهبت لمقابلته.
وعندما وضعت الأوراق أمامه...
تغير لون وجهه فورًا.
عرف الأوراق.
بل كان يخشاها.
وحينها أدركت أن هناك سرًا أكبر بكثير من قصة المنزل.
سرًا ظل مدفونًا أكثر من ثلاثين عامًا.
وسيف نفسه...
لم يكن يعرف عنه شيئًا.
لكن ما كشفه الرجل بعد ذلك...
جعلني أفهم أن زواج سيف من أحلام لم يكن صدفة كما كنا نعتقد.
وأن هناك خطة بدأت قبل سنوات طويلة جدًا...
قبل وفاة كريم بوقت طويل.
خطة كان الهدف منها الوصول إلى شيء تركه زوجي خلفه.
شيء أغلى من المنزل.
وأخطر من المال نفسه.
وعندما نطق الرجل بالحقيقة أخيرًا...
سقط الكوب من يدي وتحطم على الأرض.
لأن أول كلمة قالها كانت
أبوكِ... لم يمت كما تعتقدين....
يتبع تجمدت في مكاني.
حتى أنني لم أعد أسمع صوت قطع الزجاج المتناثرة على الأرض.
حدقت في الرجل غير مصدقة.
وقلت ببطء
ماذا قلت؟
ابتلع ريقه.
ثم جلس على الكرسي المقابل وكأنه يحمل فوق كتفيه ثلاثين سنة من الأسرار.
وقال
كريم مات فعلًا... لكن مش بالطريقة اللي الناس كلها عرفتها.
شعرت بأن قلبي يدق بعنف.
فكريم، زوجي، توفي إثر أزمة قلبية مفاجئة قبل سبع سنوات.
هذا ما أخبرني به الأطباء.
وهذا ما صدقته.
وهذا ما دُفن معه.
لكن الرجل أخرج ملفًا قديمًا من حقيبته.
ووضعه أمامي.
ثم قال
قبل وفاته بشهور، كريم اكتشف عملية تزوير كبيرة مرتبطة بأراضٍ واستثمارات في المنطقة.
فتح الملف.
وكانت بداخله عقود وأسماء وصور.
وبين الأسماء...
ظهر اسم أخيه الأكبر فؤاد.
الرجل الذي انقطعت علاقته بالعائلة منذ سنوات طويلة.

شعرت بالصدمة.
فؤاد؟!
هز رأسه.
كان شريكًا في شبكة استولت على أراضٍ بأوراق مزورة. ولما اكتشف كريم الحقيقة، رفض يسكت.
أخذت أتنفس بصعوبة.
وما علاقة أخو أحلام بالأمر؟
أطرق الرجل رأسه.
لأنه كان ابن شريك فؤاد.
ساد صمت ثقيل.
ثم أكمل
كانوا يبحثون عن ملف معين احتفظ به كريم. ملف فيه كل الأدلة.
وفجأة بدأت قطع كثيرة من الصورة تتجمع أمامي.
اهتمام أحلام المفاجئ.
ضغطهم المستمر.
محاولتهم الوصول إلى أوراق كريم.
إلحاحهم على المنزل.
كل ذلك لم يكن فقط من أجل العقار.
كانوا يبحثون عن شيء مخبأ بداخله.
شيء لم يجدوه أبدًا.
عدت إلى منزلي الجديد وأنا أحمل الملف.
وفي تلك الليلة لم أنم.
ظللت أفتش في كل ذكرى.
كل ورقة.
كل صندوق.
كل كلمة قالها كريم قبل وفاته.
ثم تذكرت شيئًا.
قبل موته بأسبوعين تقريبًا، كان قد طلب مني ألا أتخلص أبدًا من كرسيه الخشبي القديم بجوار النافذة.
وقتها استغربت.
فالكرسي كان مهترئًا.
لكنه أصر.
بل قال حرفيًا
مهما حصل... الكرسي ده يفضل عندك.
نهضت من مكاني فجأة.
لأن ذلك الكرسي وحده هو القطعة الوحيدة التي لم أبعها مع المنزل.
كنت قد أخذته معي للبيت الجديد لأنه يحمل ذكرياته.
اقتربت منه.
قلبته.
تفحصته.
ثم لاحظت شيئًا لم أره من قبل.
مسمارًا حديثًا نسبيًا في أسفله.
أخرجت مفكًا صغيرًا.
وفككت اللوح الخشبي بحذر.
وعندها...
شهقت.
كان هناك تجويف سري.
وداخله ظرف بني قديم.
في صباح اليوم التالي كان سيف يجلس أمامي عندما فتحت الظرف.
نظر إليّ باستغراب.
ثم أخرجت محتوياته.
قرص تخزين صغير.
ومجموعة مستندات.
ورسالة قصيرة من كريم.
بدأت أقرأ
إذا وصلتِ إلى هنا يا ليلى، فمعنى ذلك أنني لم أستطع كشف الحقيقة بنفسي.
اختنق صوتي.
وأكملت.
الأشخاص الذين أثق بهم قليلون. ولهذا أخفيت الأدلة في مكان لن يخطر ببال أحد.
أغلق سيف عينيه.
فقد بدأ يفهم حجم ما حدث.
وأن السنوات الماضية كلها ربما كانت مبنية على كذبة كبيرة.
لكن قبل أن نتمكن من فحص محتويات القرص...
سمعنا صوت سيارة تتوقف بعنف أمام المنزل.
ثم طرقات قوية على الباب.
طرقات لم تكن عادية.
كانت طرقات شخص يعرف ما الذي أبحث عنه.
وشخص مستعد لفعل أي شيء حتى لا تظهر الحقيقة.
نظر سيف من النافذة.
وفجأة شحب وجهه.
ثم التفت نحوي وقال بصوت مرتجف
أمي...
إنها أحلام.
لكنها ليست وحدها.
وراءها ثلاثة رجال لا أعرفهم...
وأحدهم يحمل صورة
للكرسي الخشبي في يده.
عندها أدركت أن السر الذي أخفاه كريم طوال تلك السنوات...
وصل أصحابه إليه أخيرًا.
وأن المواجهة الحقيقية لم تبدأ إلا الآن تسارعت دقات قلبي.
لم يكن الأمر مجرد صدفة.
الصورة التي يحملها الرجل كانت تعني شيئًا واحدًا فقط...
لقد عرفوا.
عرفوا أن السر كان داخل الكرسي.
وأن الأدلة خرجت أخيرًا إلى النور.
أغلقت الظرف بسرعة.
وأخفيت القرص الصغير داخل جيبي.
بينما اتجه سيف نحو الباب.
لكنني أمسكت بذراعه فورًا.
لا تفتح.
نظر إليّ باستغراب.
ثم عادت الطرقات أقوى من السابق.
دقّات عنيفة جعلت زجاج النوافذ يهتز.
وفجأة سمعنا صوت أحلام من الخارج
ليلى! افتحي الباب! لازم نتكلم!
لأول مرة منذ عرفتها...
لم يكن في صوتها أي لطف.
ولا أي تصنع.
كان صوت شخص خائف.
بل مذعور.
اقترب سيف من النافذة بحذر.
ثم نظر للخارج.
وتغير وجهه أكثر.
همس
أمي... فيه عربية تانية وصلت.
نظرت من فتحة الستارة.
فرأيت سيارة سوداء توقفت خلفهم مباشرة.
ونزل منها رجل مسن.
رجل أنيق.
شعره أبيض بالكامل.
لكن ملامحه كانت مألوفة بشكل مرعب.
شعرت أنني رأيته من قبل.
في مكان ما.
في زمن بعيد.
ثم فجأة تذكرت.
الصورة.
الصورة القديمة الموجودة في أحد ألبومات كريم.
صورة التقطت قبل أكثر من ثلاثين سنة.
وكان هذا الرجل يقف بجواره.
اسمه...
جلال.
شريك كريم القديم.
الرجل الذي اختفى فجأة منذ عقود.
والذي أخبرنا الجميع أنه هاجر إلى الخارج.
لكن جلال لم يهاجر.
كان هنا.
طوال الوقت.
تراجع الرجال عندما نزل جلال من السيارة.
وكأنهم يخشونه.
حتى أحلام نفسها بدت متوترة.
ثم رفع جلال رأسه نحو نافذتي.
وكأنه يعلم أنني أراقبه.
وقال بصوت مرتفع
ليلى... أعرف أنكِ تملكين الملف.
خرجت الكلمات باردة.
واثقة.
مرعبة.
ثم أضاف
لكنكِ لا تعرفين ما بداخله فعلًا.
مرّت دقائق طويلة.
لم يقترب أحد من الباب.
ولم يغادر أحد.
كانت أشبه بحالة حصار.
ثم رن هاتف سيف.
نظر إلى الشاشة.
واتسعت عيناه.
المتصل كان...
رقم والده القديم.
رقم كريم.
الرقم نفسه الذي ظل مغلقًا منذ يوم وفاته.
شهقت.
أما سيف فكاد الهاتف يسقط من يده.
قال بصوت مرتجف
مستحيل...
رن الهاتف مرة ثانية.
ثم ثالثة.
وأخيرًا ضغط زر الإجابة.
رفع الهاتف إلى أذنه.
وساد الصمت.
عدة ثوانٍ.
ثم فجأة تغير لون وجهه.
وبدأ يتراجع للخلف.
كأنه رأى شبحًا.
صرخت
مين؟
نظر إليّ بعينين ممتلئتين بالصدمة.

ثم قال
أمي...
الصوت...
صوت أبي.
شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت بعدها.
لأن الصوت القادم من الهاتف قال جملة واحدة فقط
لا تعطوا الملف لجلال... لقد قتلني من أجل الوصول إليه.
ثم انقطع الخط.
تمامًا.
وفي اللحظة نفسها...
سمعنا صوت تحطم زجاج من الجهة الخلفية للمنزل.
لقد دخل أحدهم بالفعل.
وكان
تم نسخ الرابط