دون أن يدري
المحتويات
سباق الوصول إلى الحقيقة قد بدأ قفز سيف من مكانه فورًا.
بينما أمسكت أنا بطرف الطاولة لأحافظ على توازني.
صوت كريم.
أو صوت يشبه كريم.
ما زال يتردد داخل رأسي.
لكن لم يكن هناك وقت للتفكير.
فقد جاء صوت خطوات من المطبخ الخلفي.
خطوات ثقيلة.
سريعة.
ثم سمعنا ارتطامًا آخر.
أحدهم كان يفتش المنزل بالفعل.
همس سيف
أمي... اطلعي للأوضة واقفلي الباب.
لكنني هززت رأسي.
بعد كل ما حدث، لم أعد مستعدة للاختباء.
لا من أحلام.
ولا من جلال.
ولا من أي شخص.
أمسك سيف بعصا خشبية كانت بجوار الباب.
وتحرك نحو المطبخ.
ببطء.
وحذر.
كنت خلفه مباشرة.
ثم...
ظهر رجل.
لكنه لم يكن واحدًا من الرجال الذين كانوا مع أحلام.
كان شابًا في أواخر العشرينات.
ملابسه ممزقة قليلًا.
ووجهه مليء بالتوتر.
رفع يديه فور أن رآنا.
وقال بسرعة
لا تخافوا... أنا مش جاي أؤذيكم.
صرخ سيف
مين أنت؟!
أجاب الشاب وهو يلهث
اسمي ياسر.
وأنا الوحيد اللي يقدر يثبت إن كريم ما ماتش بالطريقة اللي اتقالت.
ساد الصمت.
ثم أخرج ياسر بطاقة قديمة من جيبه.
وصورة.
عندما وقعت عيناي على الصورة شعرت ببرودة تسري في جسدي.
كانت صورة لكريم.
لكنها لم تكن قديمة.
الصورة التُقطت قبل سنوات قليلة فقط.
بعد التاريخ الذي قيل إنه توفي فيه.
قال ياسر
والدي كان يشتغل مع كريم.
وقبل موته سلمني أمانة.
وقالي لو حصل أي حاجة أروح أدور عليكي.
تقدم خطوة.
ثم أضاف
جلال مش بيدور على الأرض ولا على البيت.
هو بيدور على دفتر.
دفتر أسود صغير.
لو وصل له... ناس كتير هتضيع.
وفي الخارج...
بدأ التوتر يزداد.
رأينا أحلام تتشاجر مع أحد الرجال.
وجلال يتحدث في هاتفه بعصبية.
وكأن شيئًا خرج عن سيطرته.
قال ياسر
جلال كان فاكر إن الدفتر جوه الكرسي.
لكن كريم أذكى من كده.
الكرسي كان مجرد طُعم.
تبادلنا النظرات.
ثم سألته
والدفتر فين؟
ابتسم ابتسامة غريبة.
وقال
هنا المشكلة.
حتى أنا معرفش مكانه.
لكن كريم ساب خريطة توصلكم ليه.
قبل أن يكمل حديثه...
دوى صوت صفارات سيارات في الشارع.
سيارات كثيرة.
توقفت أمام المنزل.
قفز الجميع نحو النوافذ.
ورأينا رجال شرطة ينزلون بسرعة.
وخلفهم مباشرة...
رجل مسن يرتدي بدلة داكنة.
بمجرد أن رآه جلال...
اختفى اللون من وجهه.
وتراجع خطوة للخلف.
همس ياسر
يا نهار أبيض...
وصل قبله.
سألت
مين ده؟
نظر إليّ.
ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي
ده القاضي المتقاعد اللي كريم كان مخبّيه عنده نصف الحقيقة.
وخلال دقائق قليلة تحوّل الشارع كله إلى فوضى.
أحلام تبكي.
الرجال يحاولون الهرب.
والشرطة تطوق المكان.
أما جلال...
فبدا وكأنه يدرك أن سنوات طويلة من الأسرار توشك على الانهيار.
لكن قبل أن تصل الشرطة إليه بلحظات...
أخرج من جيبه ورقة مطوية.
مزقها نصفين.
ثم ابتسم.
ابتسامة باردة جدًا.
وقال بصوت سمعه الجميع
حتى لو قبضتم عليّ...
محدش هيوصل للنصف التاني.
تجمد ياسر.
وتجمد القاضي.
أما أنا فسألت
نصف إيه؟
نظر القاضي إليّ مباشرة.
ثم قال
نصف الخريطة يا مدام ليلى...
الخريطة اللي بتقود لأكبر سر خبأه كريم في حياته.
وعندها فقط فهمت...
أن كل ما حدث حتى الآن...
من المنزل...
إلى الكرسي...
إلى الرسائل...
لم يكن سوى مقدمة.
أما السر الحقيقي الذي مات كريم وهو يحاول حمايته...
فما زال مدفونًا في مكان ما...
وينتظر من يعثر عليه أولًا تجمد الجميع بعد كلمات القاضي.
حتى رجال الشرطة تبادلوا النظرات وكأنهم لا يفهمون الصورة كاملة.
أما جلال...
فكان يبتسم.
ابتسامة شخص يعرف أنه خسر معركة، لكنه لم يخسر الحرب بعد.
اقترب القاضي مني ببطء.
ثم أخرج ظرفًا أصفر قديماً من حقيبته الجلدية.
كان مغلقًا بالشمع الأحمر.
وقال
هذا هو النصف الأول من الخريطة.
تركه كريم عندي قبل وفاته بثلاثة أشهر.
وطلب ألا أفتحه إلا إذا ظهرت هذه الأسماء مرة أخرى.
وأشار إلى جلال.
وأخو أحلام.
وعدة أسماء أخرى موجودة في الملف.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
فتحت الظرف بحذر.
وفي داخله كانت هناك ورقة قديمة مرسوم عليها جزء من مخطط غريب.
وأسفلها عبارة بخط كريم
الحقيقة لا تُدفن في الأرض... بل تحت الذكريات.
في تلك الليلة اجتمعنا جميعًا داخل المنزل.
أنا.
وسيف.
وياسر.
والقاضي.
وبدأنا نفحص كل شيء تركه كريم.
الرسائل.
الصور.
الأوراق القديمة.
حتى ألبومات العائلة.
وفجأة...
لاحظ سيف شيئًا غريبًا.
كانت هناك صورة قديمة له وهو طفل في الثامنة.
يقف أمام المنزل القديم.
وخلفه شجرة ليمون زرعها كريم بنفسه.
لكن كريم كان قد رسم دائرة صغيرة بالقلم حول جزء من الصورة.
جزء لم ننتبه له من قبل.
قال سيف
أمي... شوفي هنا.
اقتربت.
وكان داخل الدائرة حجر صغير بجوار الشجرة.
حجر عادي جدًا.
لكن على ظهر الصورة كتب كريم
ابدؤوا من هنا.
في صباح اليوم التالي ذهبنا إلى المنزل القديم.
المنزل الذي بعته.
لحسن الحظ لم يكن المالك الجديد قد بدأ الترميم بعد.
وبعد شرح طويل وافق على السماح لنا بالدخول لساعات
كان شعورًا غريبًا.
أن أعود إلى المكان الذي عشت فيه أكثر من ثلاثين عامًا.
لكن هذه المرة لم أعد للذكريات...
بل للبحث عن سر.
توجهنا مباشرة إلى مكان شجرة الليمون.
كانت لا تزال هناك.
أما الحجر...
فكان في مكانه أيضًا.
ركع سيف على الأرض.
وأزاح الحجر.
ثم بدأ يحفر.
دقيقة.
ثم دقيقتان.
ثم ارتطم المجرف بشيء معدني.
توقف الجميع.
وتبادلنا النظرات.
أخرجنا صندوقًا حديديًا صغيرًا.
كان صدئًا من الخارج.
لكنه ما زال مغلقًا.
وعندما فتحناه...
وجدنا نصف الخريطة الثاني.
لكننا وجدنا شيئًا آخر أيضًا.
شيئًا لم يكن أي منا يتوقعه.
شريط فيديو قديم.
ورسالة.
كانت الرسالة موجهة إلى سيف شخصيًا.
فتحها بيد مرتجفة.
وبدأ يقرأ.
وفجأة شحب وجهه.
ثم جلس على الأرض دون أن ينطق بكلمة.
صرخت
ماذا هناك؟
رفع رأسه نحوي ببطء.
وكانت عيناه ممتلئتين بالصدمة.
وقال
أمي...
أبي كتب أن هناك شخصًا في العائلة ليس من نعتقده.
ساد الصمت.
ثم أكمل القراءة.
إذا وصلت إلى هذه الرسالة يا سيف... فاعلم أن أحد أقرب الناس إلينا كان يعمل مع جلال منذ البداية.
تجمدت الدماء في عروقي.
لأن ذلك يعني أن الخيانة لم تأتِ من الغرباء فقط.
بل من داخل العائلة نفسها.
ثم وصل سيف إلى آخر سطر.
وتوقف.
تمامًا.
قلت بصوت مرتجف
من هو؟
نظر إليّ.
ثم إلى القاضي.
ثم إلى ياسر.
وكأن الكلمات ترفض الخروج من فمه.
وأخيرًا قال
الاسم هنا...
اسم شخص ميت منذ عشرين سنة.
شخص حضر جنازة أبي بنفسه.
وشاهد دفنه.
بل وساعدنا في حمل النعش.
شخص كان من المفترض أنه ضحية...
لكنه في الحقيقة كان شريكًا لجلال طوال الوقت.
وفي اللحظة التي نطق فيها سيف بالاسم...
شهق القاضي بقوة.
وسقط الشريط القديم من يده على الأرض.
لأنه عرف فورًا أن السر الذي حماه كريم طوال حياته...
كان أخطر بكثير مما تخيل الجميع شهق القاضي وهو يحدق في الاسم المكتوب على الورقة.
ثم جلس ببطء وكأنه فقد القوة في ساقيه.
سألته
تعرفه؟
رفع عينيه نحونا.
وكان الذهول واضحًا على وجهه.
ثم قال
أعرفه جيدًا...
لأنه كان أقرب أصدقاء كريم.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أقرب أصدقائه؟
الشخص الذي وقف بجوارنا بعد وفاته؟
الشخص الذي كنا نستقبله في بيتنا؟
الشخص الذي كان يناديني أختي؟
لم أستطع استيعاب الأمر.
قال القاضي
لو كان هذا صحيحًا... فمعناه أن الخيانة بدأت قبل أكثر من ثلاثين سنة.
لكن قبل أن نستغرق في الصدمة، التفت ياسر إلى شريط الفيديو.
وقال
يمكن
أخرجنا جهاز تشغيل قديمًا من مخزن المنزل.
وبعد محاولات عديدة...
اشتغلت الصورة أخيرًا.
ظهرت شاشة مشوشة.
ثم ظهر كريم.
زوجي.
بوجهه نفسه.
وصوته نفسه.
كأنه عاد للحياة للحظات.
اختنق صوتي فور رؤيته.
أما سيف فبقي متجمدًا في مكانه.
نظر كريم إلى الكاميرا مباشرة وقال
إذا كنت تشاهد هذا التسجيل، فمعنى ذلك أنني لم أستطع إنهاء ما بدأتُه.
ثم تنهد.
وأكمل
لا تثقوا بكل ما تعرفونه عن الماضي.
ظهرت خلفه ملفات كثيرة.
وصور.
ومستندات.
ثم رفع صورة لرجل.
وعندما رأيتها شهقت.
لأنها لم تكن صورة لصديق كريم.
ولا لجلال.
بل كانت صورة...
لأحلام.
لكنها كانت طفلة صغيرة.
لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.
قال كريم
هذه الطفلة لا ذنب لها في شيء.
نظرنا جميعًا لبعضنا.
غير مصدقين.
وأكمل
لكن والدها كان أحد المشاركين الرئيسيين في العملية.
هنا فهمنا.
أخو أحلام لم يكن البداية.
بل كان امتدادًا لقصة أقدم بكثير.
ثم قال كريم شيئًا غيّر كل شيء
إذا وصلت الأمور إلى هذه المرحلة، فابحثوا عن الدفتر الأسود.
نظر ياسر إليّ فورًا.
فهذا هو الاسم نفسه الذي ذكره من قبل.
وأكمل كريم
في الدفتر أسماء الجميع. كل من شارك. كل من خان. كل من سرق.
ثم اقترب من الكاميرا أكثر.
وقال
لكن الأهم من ذلك... أن فيه اسم الشخص الذي أمر بقتلي.
ساد الصمت.
حتى أن صوت أنفاسنا اختفى.
ثم توقفت الصورة فجأة.
واختفت.
كأن الشريط انتهى.
لكن قبل أن نطفئ الجهاز...
ظهرت لقطة أخيرة لثانية واحدة فقط.
لقطة لم ينتبه لها أحد في البداية.
إلا سيف.
أوقف الصورة.
ثم أعادها ببطء.
مرة.
ومرتين.
وثلاثًا.
ثم تجمد.
وقال
مستحيل...
اقتربنا جميعًا من الشاشة.
وكانت هناك ورقة صغيرة معلقة خلف كريم.
عليها عنوان.
عنوان لمكان أعرفه جيدًا.
مكان زرته مئات المرات.
مكان لم يخطر ببالي يومًا أنه يخفي سرًا.
كان العنوان يشير إلى...
المقبرة.
مقبرة كريم نفسها.
في صباح اليوم التالي وقفنا أمام قبره.
الهواء كان ساكنًا.
والسماء ملبدة بالغيوم.
وكان شعورًا غريبًا أن أعود إلى المكان الذي بكيت فيه سنوات.
لكن هذه المرة لم آتِ للزيارة.
بل للبحث.
وبينما كنا نتفحص المكان...
لاحظ سيف شيئًا غريبًا.
حجر القبر لم يكن مثبتًا كما ينبغي.
وكأن أحدًا فكه سابقًا ثم أعاده.
نظر إليّ.
ثم بدأ يزيحه ببطء.
وفجأة...
ظهر تجويف صغير أسفل الحجر.
وداخله...
دفتر أسود.
مغلف بالجلد.
كما وصفه كريم تمامًا.
لكن حين مد سيف يده لالتقاطه.
وصلنا صوت من خلفنا.
صوت تصفيق بطيء.
بارد.
ساخر.
التفتنا جميعًا.
وتجمدت الدماء في عروقنا.
لأن جلال كان يقف هناك.
خارج السجن.
وخلفه رجال مسلحون.
وكان يبتسم.
ثم قال
أخيرًا... بعد ثلاثين سنة من البحث...
وصلتم أنتم إليه بدلاً مني.
ومد يده نحو الدفتر.
ثم أضاف
الآن... سلموه لي ساد صمت ثقيل في المقبرة.
الريح تحركت بين الأشجار القديمة.
وجلال واقف أمامنا
متابعة القراءة