دون أن يدري

لمحة نيوز

دون أن يدري، ترك ابني المكالمة مفتوحة... فسمعته يصفني بأنني عبء على حياته.
لذلك، بينما كان هو وزوجته أحلام يتنقلان بين تركيا والإمارات، يلتقطان الصور ويخططان لمستقبلهما، وهما واثقان أن منزلي سيكون جزءًا من ذلك المستقبل، كنت أنا أنفذ خطتي في صمت.
بعت المنزل الذي قضيت أنا ووالده الراحل اثنين وثلاثين عامًا من عمرنا نسدد أقساطه ونعمل من أجله.
جمعت أغراضي كلها دون أن أخبر أحدًا.
ورحلت.
ثم عدت في التوقيت المثالي تمامًا...
لأشاهد مفتاحه يفشل في فتح باب بيتي.
المفتاح لم يستجب.
وقف سيف أمام الباب بملابس السفر التي عاد بها من المطار، ممسكًا في يد بحقيبة كبيرة صلبة، بينما كانت يده الأخرى تدير المفتاح المعدني داخل القفل مرة بعد أخرى، وكأن القفل هو من ارتكب خطأً ما.
وقفت أحلام إلى جواره بنظارتها الشمسية الكبيرة وأكياس التسوق تتدلى من ذراعها.
وكانت الابتسامة لا تزال على وجهها...
حتى رفض الباب أن يُفتح.
عندها جرّب سيف مرة أخرى.
وبقوة أكبر.
اختفت الابتسامة من وجهه.
سحب المفتاح من القفل، وحدّق فيه للحظات، ثم نظر إلى الباب...
وكأن المنزل هو من خانه.
لكنه لم يفعل.
أنا من فعلت.
قبل ثلاثة أسابيع فقط، كان منزلي لا يزال يعج بالذكريات.
الصور العائلية المؤطرة المعلقة على الجدران.
وكرسي زوجي الراحل كريم القابع بجوار النافذة.
والعلامات التي رسمناها بالقلم على جدار غرفة الغسيل لقياس طول سيف عامًا بعد عام وهو يكبر أمام أعيننا.
كانت البصرة مدينة هادئة، من ذلك النوع من المدن التي يعرف فيها الجيران بعضهم بعضًا، ويتبادلون التحية من أمام منازلهم، ويقضون صباحات العطلات في العناية بحدائقهم الصغيرة.
هناك بنى كريم وأنا حياتنا.
وهناك أيضًا...
فقدنا ابننا بطريقة لم ندركها إلا بعد فوات الأوان.
بعد وفاة زوجي، بدأ سيف وزوجته أحلام يزورانني بوتيرة أكبر.
وكان الجميع يخبرونني أنني محظوظة.
ابني يجلب لي حاجياتي.
وزوجة ابني تحضر الطعام في أوعية مرتبة بعناية، وتتحدث بذلك الصوت الهادئ اللطيف الذي يجعل الأنانية تبدو وكأنها اهتمام صادق.
ثم بدأت التعليقات.
هذا المنزل كبير جدًا على شخص واحد.
قد تصبح السلالم خطيرة مع التقدم في العمر.
ينبغي أن تبدئي بالتفكير في المستقبل.
كان سيف يتحدث كثيرًا عن الضرائب.
وعن التخطيط.
وعن ضرورة أن أكون واقعية.
كانت أحلام ترسل إليّ صورًا

لمجمعات سكنية مخصصة لكبار السن.
أسوار بيضاء أنيقة.
حدائق مليئة بالزهور.
وأشخاص مبتسمون يبدون وكأنهم سلّموا منازلهم منذ زمن طويل.
كانا يتصرفان وكأنهما يحاولان مساعدتي.
لكن الحقيقة أنهما كانا يقتربان من هدفهما خطوة بعد أخرى.
اكتشفت ذلك بالصدفة.
في اليوم السابق لسفرهما إلى تركيا والإمارات، اتصل بي سيف بينما كنت في الطابق العلوي أطوي الملابس.
لم أسمع الهاتف.
وبعد دقيقة، لاحظت أنه ترك رسالة صوتية.
ضغطت زر التشغيل.
كنت أتوقع أمرًا عاديًا.
لكن ما سمعته كان شيئًا آخر تمامًا.
صوت باب سيارة يُغلق.
ثم ضحكة أحلام الحقيقية...
تلك الضحكة الحادة التي لم تكن تستخدمها أمامي أبدًا.
وبعدها جاء صوت ابني.
قال
إنها عبء يا أحلام. لكنها لا تدرك ذلك. لقد أوقفنا حياتنا من أجلها مدة طويلة بما يكفي.
انزلقت المناشف من بين يدي.
ثم سمعت أحلام تقول
بمجرد أن ننتهي من أمر المنزل، سيصبح كل شيء أسهل.
في تلك اللحظة تغيّر شيء بداخلي.
لم تكن المشكلة في طمعهما.
ولا حتى في الكلمات نفسها.
بل في الهدوء الذي نطقا به تلك الكلمات.
في تلك اللحظة لم أكن أمه.
كنت عقبة.
تأخيرًا غير مرغوب فيه.
شيئًا يقف بينهما وبين ما كانا قد قررا مسبقًا أنه سيصبح ملكًا لهما.
بكيت تلك الليلة.
تجولت في المنزل كله وسط الظلام.
مررت يدي على درابزين السلم.
وعلى البيانو.
وعلى باب غرفة سيف القديمة.
وعلى طاولة المطبخ التي كان كريم يقف بجوارها كل مساء وهو يجفف الأطباق.
وظلت كلمة عبء تتردد في رأسي مرارًا وتكرارًا...
حتى توقفت عن أن تكون مجرد كلمة.
وأصبحت حكمًا صدر بحقي.
مع بزوغ الصباح، كانت الدموع قد جفّت.
فتحت ملفات كريم القديمة.
ثم أخرجت الصندوق الذي كان سيف يحتفظ فيه بأوراقه.
وما وجدته هناك جعل كل شيء أكثر برودة.
رسائل إلكترونية.
ملاحظات مكتوبة.
ومناقشات كاملة حول الوكالة القانونية والتصرف في شؤوني المالية.
كلمات مثل
التشوش.
السلامة.
الانتقال.
وكانت جميعها تبدو بريئة عند قراءتها منفردة...
لكنها معًا رسمت صورة مختلفة تمامًا.
لم يكونا ينتظران فقط أن أتقدم في العمر أو أن تضعف قدرتي على إدارة شؤوني.
كانا يبنيان رواية كاملة عني.
رواية تجعل الاستيلاء على كل شيء يبدو وكأنه قرار منطقي.
لذلك قررت أن أضع خطتي الخاصة.
اتصلت بسمسار عقارات يعرف جيدًا كيف يحافظ على السرية.
ثم اتصلت بالمحامي الذي كان
يتولى شؤون كريم القانونية.
ثم راجعت حساباتي المصرفية.
ونقلت كل شيء كان سيف يظن أنه سيصبح يومًا تحت سيطرته.
عُرض المنزل للبيع بشكل خاص.
دون لافتة أمام الباب.
دون نقاشات عائلية.
دون أي تحذير.
وبينما كان سيف وأحلام ينشران صورهما من إسطنبول ودبي، ويبتسمان تحت الأضواء ويحملان أكواب العصائر في المطاعم الفاخرة، كان عمال النقل يفرغون منزلي قطعةً قطعة.
جمعوا الأطباق.
وغلفوا الصور القديمة.
وحملوا سنوات عمري كلها خارج الباب الأمامي.
تمت عملية البيع بسرعة.
أما أنا، فاستأجرت منزلًا صغيرًا هادئًا يطل على شط العرب.
ثم تركت خلفي شيئًا واحدًا فقط.
رسالة.
لذلك عندما عاد سيف وأحلام من رحلتهما...
ببشرتهما التي اكتسبت لون الشمس.
وحقائبهما الممتلئة بالهدايا والتذكارات.
لم يعودا إلى منزلي.
بل عادا إلى هيكل فارغ.
ومن داخل سيارة متوقفة في الجهة المقابلة من الشارع، كنت أراقب المشهد بصمت.
رأيت سيف ينجح أخيرًا في فتح الباب.
ورأيت أحلام تدخل خلفه مباشرة.
ثم رأيتهما يتجمدان في مكانهما.
الجدران عارية.
الغرف خالية.
ولا شيء هناك سوى الصمت.
صمت ثقيل جعل المنزل يبدو غريبًا حتى بالنسبة لي.
بعد لحظات، وقعت عينا سيف على ظرف أبيض وحيد فوق طاولة المطبخ.
كان الظرف في منتصف الطاولة تمامًا.
وكُتب على مقدمته بخط واضح
إلى سيف.
وفي تلك اللحظة، لم يكن سيف يعلم أن المنزل الذي ضاع منه لم يكن سوى البداية... أما ما أعددته له بعد ذلك، فلم يكن يتوقعه حتى في أسوأ كوابيسه ارتجفت يد سيف وهو يفتح الظرف.
أما أحلام فكانت تدور بعينيها في أرجاء المنزل الفارغ وكأنها ترفض تصديق ما تراه.
فتح الرسالة بسرعة.
وكان أول سطر فيها كافيًا ليجعل وجهه يشحب.
عزيزي سيف... عندما وصفتني بالعبء، ساعدتني دون أن تدري على اتخاذ أهم قرار في حياتي.
ابتلع ريقه بصعوبة وأكمل القراءة.
بعت المنزل. وأغلقت حساباتي. وانتقلت إلى مكان لن تعرفه. ولن يكون هناك منزل لتنتقل إليه بعد رحيلي. لأنني قررت أن أعيش ما تبقى من عمري لنفسي.
شهقت أحلام وهي تخطف الورقة من يده.
لكن الرسالة لم تنتهِ.
أما الشيء الذي كنتما تخططان له خلف ظهري... فقد وصل إلى المحامي.
هنا تجمد الاثنان.
تمامًا.
نظر سيف إلى زوجته.
ونظرت هي إليه.
لأنهما عرفا فورًا ما أقصده.
الأوراق.
الرسائل.
والمناقشات التي كانا يعتقدان أنها مخفية جيدًا.
قالت أحلام
بصوت مرتجف
مستحيل... هي شافتهم؟
لم يجبها.
لأنه كان يعرف الإجابة.
وفي أسفل الرسالة وجدا جملة أخيرة.
إذا حاولتما الاقتراب من أموالي أو الادعاء أنني غير قادرة على إدارة شؤوني، فالمحامي يملك نسخة من كل شيء.
سقطت الورقة من يد سيف.
ولأول مرة منذ سنوات...
شعر بالخوف.
في الأيام التالية لم يتوقف هاتف المحامي عن الرنين.
سيف يتصل.
ثم أحلام.
ثم سيف مجددًا.
لكن الرد كان دائمًا واحدًا
السيدة بكامل قواها العقلية والقانونية، وكل ممتلكاتها تم التصرف بها بإرادتها الكاملة.
انتهى الأمر.
قانونيًا على الأقل.
لكن المشكلة الحقيقية بدأت بعدها.
لأن المنزل لم يكن مجرد منزل.
كان خطتهما كلها.
كانا قد أخذا قرضًا كبيرًا قبل أشهر.
وكانا يعتمدان على بيع المنزل لاحقًا أو السكن فيه لتخفيف الأعباء المالية.
وفجأة...
اختفى كل ذلك.
بدأت الخلافات بينهما تظهر لأول مرة.
في البداية كانت مجرد نقاشات صغيرة.
ثم تحولت إلى مشاجرات يومية.
ثم إلى اتهامات.
أحلام تلوم سيف لأنه لم يسيطر على الوضع مبكرًا.
وسيف يلوم أحلام لأنها كانت تضغط عليه باستمرار بشأن المنزل.
وكل واحد منهما يرى الآخر سبب الكارثة.
أما أنا...
فكنت أجلس كل صباح أمام شرفة منزلي الجديد المطل على شط العرب.
أشرب القهوة.
وأشاهد النهر.
وأتنفس للمرة الأولى منذ سنوات دون شعور بالخوف أو الضغط.
لم أخبر أحدًا بمكاني.
حتى أقرب الأقارب.
كنت بحاجة إلى حياة هادئة.
حياة لا أكون فيها مشروع ميراث ينتظر موعد التنفيذ.
مر شهران.
ثم ثلاثة.
ثم جاء اليوم الذي لم أتوقعه.
كنت أعود من السوق عندما رأيت سيارة متوقفة قرب المنزل.
وعندما اقتربت...
رأيته.
سيف.
كان واقفًا وحده.
أكبر سنًا مما أتذكر.
وأكثر تعبًا.
بكثير.
نزلت من السيارة ببطء.
فرفع رأسه.
ولأول مرة منذ طفولته...
رأيت الدموع في عينيه.
قال بصوت مبحوح
ماما...
لم أجب.
ظل صامتًا للحظات ثم قال
أنا غلطت.
لكن شيئًا في داخلي لم يتحرك.
ربما لأن الاعتذار جاء متأخرًا جدًا.
أو لأن الجرح كان أعمق من الكلمات.
سألته
كيف عرفت مكاني؟
قال
المحامي رفض يقولي... لكني بحثت شهور.
ثم أطرق رأسه.
وأضاف
أحلام سابتني.
رفعت حاجبي.
فأكمل
أول ما الفلوس راحت... راحت هي كمان.
ساد الصمت بيننا.
صمت طويل.
ثم قال
كنت فاكر إني محتاج البيت. بس اكتشفت إني خسرت أهم حاجة قبله.
كانت هذه أول مرة أشعر فيها أنه يقول
الحقيقة.
لكن الحقيقة وحدها لا تمحو الماضي.
مرّت أسابيع أخرى.
بدأ يزورني أحيانًا.
دون طلبات.
دون حديث عن أموال.
دون تلميحات عن إرث.
أحيانًا كان يجلس فقط.
يشرب الشاي.
ويتحدث عن والده.
وعن ذكرياته القديمة.
وعن أخطائه.
وفي كل زيارة كنت
تم نسخ الرابط