بابا رجع من السوق

لمحة نيوز

حديثي التخرج، مثلما كنت أنا يومًا ما أبحث عن فرصة.
وفي يوم افتتاح المقر الجديد، وقف أبويا بجانبي أمام الحضور.
كان شعره قد شاب أكثر.
لكن عينيه كانتا تلمعان بنفس الفخر الذي رأيته يوم تخرجي.
أمسك الميكروفون فجأة وقال
الناس كلها بتقول إن بنتي نجحت بسبب اجتهادها... وده صحيح. لكن الحقيقة إن أمها زرعت الحلم، وأنا فقط حاولت أحافظ عليه لحد ما يكبر.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم دوّى التصفيق في القاعة كلها.
أما أنا...
فرفعت رأسي إلى السماء وابتسمت.
لأنني شعرت لأول مرة أن أمي حاضرة بيننا.
وأن الحلم الذي بدأ بفستان ممزق على أرض غرفة صغيرة...
انتهى بحياة كاملة بُنيت على الحب، والتضحية، والإصرار.
النهاية الحقيقية. بعد سنة من افتتاح المشروع، كنت أظن فعلًا أن الحكاية انتهت.
لكن الحياة كان عندها فصل أخير لم أتوقعه.
في صباح يوم جمعة، كنت قاعدة مع أبويا بنفطر، لما جرس الباب رن.
فتحت الباب.
لقيت راجل كبير في السن واقف، لابس بدلة قديمة أنيقة، وماسك ملف جلدي أسود.
ابتسم وقال
حضرتك هبة؟
هززت رأسي.
ناولني بطاقة تعريف.
وكان مكتوب عليها أنه محامٍ.
استغربت.
خير؟
رد بهدوء
عندي أمانة متأخر تسليمها أكتر من عشرين سنة.
قلبي دق بسرعة.
دخل الرجل وقعد.
فتح الملف.
وأخرج ظرفًا أصفر قديمًا.
نفس خط أمي.
نفس الكتابة.
تجمدت مكاني.
أبويا نفسه شحب وجهه.
فتحت الظرف ببطء.
وفي الداخل كانت رسالة قصيرة
لو وصلتك الرسالة
دي، يبقى فيه شيء ما قلتوش ليكي قبل ما أمشي.
دموعي نزلت فورًا.
وأكملت القراءة
يا هبة... أنتِ مش بنتي الوحيدة.
سقطت الرسالة من إيدي.
الأوضة كلها سكتت.
أبويا انتفض واقفًا.
إيه؟
المحامي تنهد وقال
والدتكم كانت متطوعة في دار رعاية أطفال قبل زواجها. وهناك تعلقت بطفلة رضيعة فقدت أهلها في حادث. حاولت سنوات طويلة تتبناها قانونيًا لكن الإجراءات ما اكتملتش.
بلعت ريقي بصعوبة.
وبعدين؟
فتح الرجل ملفًا آخر.
وأخرج صورة قديمة.
في الصورة أمي شابة جدًا.
وحاملة طفلة صغيرة بين ذراعيها.
قال
قبل وفاتها بفترة قصيرة كانت ما زالت تبحث عن تلك الطفلة. وتركت وصية تطلب فيها إبلاغكم إذا تم العثور عليها يومًا.
همست
واتلاقت؟
ابتسم الرجل.
ثم أشار ناحية الباب.
كلنا لفّينا رؤوسنا.
وكانت هناك امرأة واقفة.
في أواخر العشرينات.
ملامحها متوترة.
وعيناها مليئتان بالدموع.
وفي يدها نسخة من نفس الصورة.
قال المحامي
اسمها مريم.
لثوانٍ طويلة لم ينطق أحد.
ثم تقدمت بخطوات بطيئة.
وقالت بصوت مرتجف
أنا... كنت طول عمري بدور على أي حد يعرف الست اللي كانت بتزورني وأنا صغيرة.
انفجرت بالبكاء.
وأضافت
ما كنتش أعرف إنها ماتت... ولا أعرف إنها فضلت فاكراني كل السنين دي.
أبويا جلس بصمت.
كان يحاول استيعاب كل شيء.
أما أنا...
فمشيت نحوها.
وتوقفت أمامها.
كانت غريبة.
لكن بطريقة ما لم أشعر أنها غريبة.
مددت يدي.
فأمسكتها.
وبكينا
نحن الاثنتين.
وفي تلك اللحظة شعرت أن أمي، حتى بعد رحيلها بسنوات طويلة، كانت لا تزال تجمع القلوب التي أحبتها.
وبدأت صفحة جديدة في حياتنا.
صفحة لم تُكتب بالورق أو المال أو الميراث...
بل كُتبت بالمحبة.
وبالروابط التي لا يقطعها الزمن.
تمت. بعد مرور خمس سنوات...
كان بيتنا اتغير.
مش في شكله... لكن في الناس اللي جواه.
مريم بقت جزء من العيلة.
وسارة بقت أقرب صاحبة ليا بعد ما كانت أكبر خصم.
أما أبويا، فكان أخيرًا مرتاح.
لأول مرة من سنين طويلة، بقى يصحى الصبح من غير ما يشيل هم مصاريف أو ديون أو مستقبل حد.
وفي يوم عيد ميلاده الستين، قررنا نعمله مفاجأة.
جمعنا كل الناس اللي بيحبهم.
أصحابه القدام.
قرايبنا.
الناس اللي اشتغل معاهم.
حتى بعض العمال اللي كان بيساعدهم من غير ما حد يعرف.
ولما دخل القاعة، وقف مصدوم.
كان الجميع واقف يصفق.
وعلى شاشة كبيرة ظهرت صورة قديمة جدًا...
صورة لأبويا وهو شاب، لابس هدوم الشغل، وشايلني على كتفه وأنا طفلة صغيرة.
ثم ظهرت صورة تانية.
وثالثة.
وعاشرة.
سنين عمر كاملة مرت قدامه في دقائق.
وكان آخر شيء ظهر على الشاشة رسالة قصيرة
مش كل الأبطال بيلبسوا عباءات... بعضهم بيرجعوا البيت كل يوم مرهقين، لكنهم يفضلوا واقفين عشان ولادهم.
ساعتها أبويا مقدرش يمسك دموعه.
وقف وسط القاعة يبكي.
وأنا قربت منه وسلمته صندوقًا صغيرًا.
فتحه ببطء.
وكان جواه مفتاح.
استغرب.
مفتاح
إيه ده؟
ابتسمت.
وأشرت ناحية النافذة.
في الخارج كانت عربية صغيرة جديدة واقفة.
مش فخمة.
ولا غالية جدًا.
لكنها كانت أول شيء في حياته يملكه لنفسه فقط.
مش للعيلة.
مش للشغل.
مش عشان حد غيره.
بصلي وهو عاجز عن الكلام.
ثم حضني بقوة.
وقال
أنا كنت فاكر إني بربي بنت...
طلعتي إنتِ اللي كنتِ بتسندي أبوكي طول الوقت.
بعد الحفلة بأسبوع، جلسنا أنا وهو في البلكونة كعادتنا.
الهواء كان هادئًا.
والسماء صافية.
وفجأة قال
لو الزمن رجع بيا، هاعيش نفس الحياة تاني.
ابتسمت.
حتى التعب؟
ضحك.
آه... لأن نهايتها كانت تستاهل.
ثم سكت قليلًا.
وأكمل
أهم حاجة إني شفتك سعيدة.
أسند رأسه على الكرسي وأغمض عينيه.
وبدا مرتاحًا بشكل لم أره من قبل.
وفي تلك الليلة رحل أبويا بهدوء...
من غير ألم.
من غير خوف.
ومن غير وداع طويل.
رحل وهو يسمع ضحكاتنا حوله.
ورحل وهو مطمئن أن ابنته أصبحت قوية.
بعد أيام، وأنا أرتب أغراضه، وجدت ورقة مطوية داخل درج مكتبه.
كانت مكتوبة بخط يده.
يا هبة...
لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود.
ما تزعليش.
أنا عشت حياة أجمل مما كنت أحلم.
وأكبر إنجاز في عمري ما كانش البيت ولا الشغل.
أكبر إنجاز كان إنتِ.
لما تبصي في المراية، افتكري إن أبوكي كان فخور بيكي كل يوم.
وإن الفستان اللي اتقطع زمان... كان بداية الحكاية، مش نهايتها.
أغلقت الرسالة وضممتها إلى صدري.
ونظرت إلى السماء.
وابتسمت وسط دموعي.

لأنني أدركت أخيرًا أن بعض الناس لا يرحلون أبدًا...
يبقون في الدعوات التي علمونا إياها، وفي القيم التي زرعوها داخلنا، وفي الحب الذي تركوه وراءهم.
النهاية الأخيرة.

تم نسخ الرابط