بابا رجع من السوق

لمحة نيوز

فيا... وكل الناس عرفت اللي عملته.
سكتت لحظة ومسحت دموعها.
كنت فاكرة إنك سبب تعاستي... لكن اكتشفت إن المشكلة كانت جوايا أنا.
الأوضة كلها سكتت.
وأبويا كان قاعد بعيد بيتابع من غير ما يتدخل.
سارة رفعت عينيها ناحيتي لأول مرة.
سامحيني.
الكلمة خرجت مكسورة.
صادقة.
من القلب.
بصراحة...
جزء مني كان لسه موجوع.
كل ما أفتكر الفستان وهو بيتقطع قدامي كنت بحس بوجع.
لكن جزء تاني افتكر حاجة أمي كانت دايمًا تقولها
القلوب الكبيرة بتعرف تعاقب... لكن الأعظم منها اللي يعرف يسامح.
أخدت نفس طويل.
وقلت
أنا مش هنسى اللي حصل.
وشها اصفر.
لكن كملت
بس هسامحك.
انهارت في العياط أكتر.
وقامت حضنتني.
ولأول مرة من سنين حسيت إن الحضن ده خالي من الغيرة.
بعد شهور قليلة، بدأت أشتغل في شركة كبيرة.
وأول مرتب ليا عملت حاجة محدش توقعها.
اشتريت لأبويا ساعة بسيطة.
مش غالية.
لكن محفور عليها من الخلف
إلى الرجل الذي لم يسمح لأحلامي أن تنكسر.
لما قراها، فضل ساكت ثواني.
وبعدين حضنني.
وقال
أمك لو كانت عايشة كانت هتبقى فخورة بيكي أوي.
وفي اللحظة دي حسيت إن كل التعب، وكل الدموع، وكل الوجع اللي مرّ علينا...
كان مجرد طريق طويل وصلنا للحظة دي.
لحظة سلام.
ولحظة امتنان.
ولحظة فهمت فيها إن الأحلام الحقيقية لا يستطيع أحد تمزيقها بمقص... مهما حاول.
تمت. مرّت سنة كاملة.
سنة مليانة شغل وتعب ونجاحات صغيرة كانت بالنسبة لي أكبر
من أي احتفال.
وأبويا؟
بدأت أشوفه بيتعب أكتر.
كل يوم يرجع من الورشة متأخر.
وكل يوم يحاول يخبّي وجعه بابتسامة.
لحد ما في يوم، وهو بيشرب الشاي بعد المغرب، وقع الكوباية من إيده.
جريت عليه.
لقيت وشه شاحب بشكل خوّفني.
بابا!
حاول يبتسم وقال
ماتخافيش يا بنتي... مجرد دوخة بسيطة.
لكنها ماكنتش بسيطة.
بعد الكشف والتحاليل، الدكتور طلب يقعد معانا.
وقتها قلبي كان بيدق بعنف.
الدكتور بص لأبويا وقال بهدوء
كان لازم تيجي من زمان.
سكت لحظة.
قلبك محتاج عملية ضرورية.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
أبويا نفسه فضل ساكت.
ولما خرجنا من المستشفى، أول حاجة قالها
العملية دي فلوسها كتير يا هبة... خلينا ساكتين.
وقفت قدامه وعيوني مليانة دموع.
هو إنت فاكر إني نسيت؟
استغرب.
قلت
فاكر لما اشتغلت شهور زيادة عشان تجيبلي فستان التخرج؟
فاكر لما حرمت نفسك من حاجات كتير عشان أتعلم؟
فاكر لما كنت بتاكل أقل لقمة وتقول إنك شبعان؟
أنا ما نسيتش حاجة.
أبدًا.
بعد أسبوعين كنت باعت عربيتي الصغيرة اللي اشتريتها من شغلي.
وسحبت كل مدخراتي.
ولما عرف زعل جدًا.
لكن العملية اتعملت.
ونجحت.
اليوم اللي خرج فيه من المستشفى كان أول يوم أشوفه بيضحك من قلبه من سنين.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بشهر.
وصلني اتصال من إدارة الشركة.
كنت فاكرة فيه مشكلة.
لكن المدير قالي
مبروك يا أستاذة هبة... تم اختيارك لإدارة الفرع الجديد.
الترقية كانت
أكبر مما حلمت.
والمرتب تضاعف تقريبًا.
رجعت البيت أجري.
لقيت أبويا قاعد في البلكونة كالعادة.
قلتله الخبر.
بصلي ثواني.
وبعدين دموعه نزلت.
وقال
شوفتِ؟
ربنا ما بينساش تعب حد.
في نفس الأسبوع، خالتي وسارة جم يزورونا.
لكن المرة دي كان فيه خبر تاني.
سارة كانت متقدمة لوظيفة واتقبلت.
وكان واضح إنها اتغيرت فعلًا.
بقت أهدى.
أنضج.
وأقل غيرة.
وقبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالت
لو ما كنتيش سامحتيني يومها... كان زماني ضايعة لحد دلوقتي.
ابتسمت وقلت
المهم إنك عرفتي غلطك.
هزت راسها ومشيت.
عدت الشهور.
وفي ليلة شتوية هادئة، كنت أنا وأبويا بنرتب دولاب قديم.
وأثناء التنضيف لقينا صندوق خشب صغير ماكنّاش فتحناه من سنين.
الصندوق كان بتاع أمي.
فتحناه بحذر.
كان فيه صور قديمة ورسائل كتير.
لكن في آخر الصندوق كان فيه ظرف مقفول.
مكتوب عليه
يُفتح يوم تشعران أن الحكاية انتهت.
أنا وأبويا بصينا لبعض باستغراب.
وفتحنا الظرف...
ولما قرينا أول سطر فيه، اتجمدنا مكاننا.
لأن أمي كانت مخبية سرًا عمره أكتر من عشرين سنة...
سرًا كان هيغيّر حياتنا كلنا من جديد. 
يتبع...إيديا كانت بتترعش وأنا بفتح الورقة.
أما أبويا فكان ماسك طرف الكرسي بقوة، كأنه بيحاول يثبت نفسه قبل ما يعرف المكتوب.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
لو وصلتم للرسالة دي، فمعناه إن الوقت المناسب عرفكم الحقيقة.
اتبادلنا النظرات.
وكملت
في سنة زواجنا الأولى،
ورثت مبلغًا من جدكم. لم يكن كبيرًا جدًا، لكنه كان كافيًا ليغيّر مستقبل ابنتنا إذا استُخدم بحكمة.
شهقت.
وأبويا عقد حاجبيه.
لأننا طول عمرنا كنا فاكرين إن أمي ما سابتش أي شيء تقريبًا.
واصلت القراءة
اشتريت قطعة أرض صغيرة على أطراف المدينة، وسجلتها باسم هبة. لم أخبر أحدًا بالأمر إلا المحامي، وطلبت منه ألا يكشف المستندات إلا بعد مرور عشرين عامًا أو بعد تخرج ابنتي.
سقطت الورقة من إيدي.
باسمي أنا؟
همست بها غير مصدقة.
أبويا كان مذهولًا هو الآخر.
وفي اليوم التالي، ذهبنا إلى مكتب المحامي المذكور في الرسالة.
الرجل كان كبيرًا في السن الآن، لكنه ما إن سمع اسم أمي حتى وقف فورًا.
فتح خزنة قديمة وأخرج ملفًا أصفر.
وبعد دقائق من مراجعة الأوراق، ابتسم وقال
والدتك كانت صاحبة نظر بعيدة جدًا.
اتضح أن قطعة الأرض التي اشترتها أمي بمبلغ بسيط قبل عشرين سنة أصبحت الآن في منطقة عمرانية جديدة، وارتفعت قيمتها أضعافًا كثيرة.
لم أصدق الرقم الذي سمعته.
ولا أبويا صدّق.
لكن أكثر شيء أثر فيّ لم يكن المال.
كان أن أمي، حتى بعد رحيلها، كانت ما زالت تفكر في مستقبلي.
خرجنا من المكتب وأنا أشعر أنني أسمع صوتها في كل خطوة.
وفي المساء جلس أبويا في البلكونة كعادته.
نظر إلى السماء طويلًا ثم قال
أمك كانت أذكى مننا كلنا.
ضحكت وسط دموعي.
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة لهما معًا.
صورة باهتة من أيام الشباب.
وظل يتأملها
بصمت.
بعد أشهر، استخدمت جزءًا من قيمة الأرض لإنشاء مشروع صغير كنت أحلم به منذ سنوات.
كبر المشروع.
ثم كبر أكثر.
ومع الوقت بدأت أوظف شبابًا وبنات
تم نسخ الرابط