بعد ثلاث عشر عاما
تعلمت أن الاعتذار الحقيقي مش بالكلام... الاعتذار الحقيقي إنك تصلح اللي تقدر تصلحه.
صفق الحضور.
ونظرت إلى لينا والتوأمين.
لأول مرة، شعرت أن الماضي لم يعد يطاردني.
لقد تحول إلى درس.
لكنني لم أكن أعرف أن هناك شخصاً واحداً لم يكن سعيداً بما حدث.
شخصاً كان يراقب افتتاح المركز من بعيد.
وفي نهاية الحفل، وصلني ظرف مجهول.
فتحت الظرف.
وكانت بداخله صورة قديمة لي وللينا والتوأمين.
وتحت الصورة جملة واحدة
أبوك أخفى الحقيقة عنك... لكن هناك حقيقة أخرى لم يخبرك بها أحد.
رفعت رأسي.
ولأول مرة منذ شهور...
شعرت بالخوف من الماضي من جديد جلست في مكتبي بعد انتهاء حفل الافتتاح، والظرف أمامي.
لم أستطع إخراج الجملة من رأسي
هناك حقيقة أخرى لم يخبرك بها أحد.
اتصلت بمحمود فوراً.
جاء إلى المركز بعد أقل من ساعة.
وضعت الصورة أمامه وقلت
إنت تعرف مين بعت دي؟
نظر إليها طويلاً، ثم تغير وجهه.
قلت
محمود... اتكلم.
تنهد وقال
كنت أتمنى إنك ما تعرفش الحقيقة دي أبداً.
أنا تعبت من الأسرار.
أخرج من حقيبته ملفاً قديماً.
قبل وفاة والدك بأشهر، اكتشف إن لينا كانت تمتلك حقاً قانونياً في جزء كبير من مشروعه التعليمي.
نظرت إلى لينا التي كانت قد دخلت الغرفة في تلك اللحظة.
قالت
أنا؟
هز محمود رأسه.
أيوه. والدك كان عايز يعوضك عن السنين اللي ضاعت منك، وكتب وثيقة تمنحك أنتِ والتوأمين ملكية جزء من المركز.
نظرت إلى الأوراق بدهشة.
بس ليه ما قالش؟
أجاب محمود
لأنه كان ناوي يقولكم يوم افتتاح المركز.
سكت لحظة، ثم أضاف
لكن وفاته حصلت قبل ما يقدر ينفذ وصيته.
أمسكت لينا الورقة وبدأت تقرأ.
وفجأة قالت
استنى... هنا اسم شخص تاني.
اقتربت منها.
كان هناك توقيع قديم باسم
عادل منصور.
سألت محمود
مين عادل؟
قال
المحاسب اللي كان بيدير حسابات المشروع مع والدك.
وفين هو؟
صمت محمود.
ثم قال
اختفى بعد وفاة والدك بأيام.
في نفس اللحظة، رن هاتف المركز.
رددت.
جاء صوت رجل مسن
جاسم؟
أيوه، مين؟
قال
أنا عادل.
تجمدت في مكاني.
إنت فين؟
قال
في مكان بعيد... لكن لازم تسمعني قبل ما تقابلني.
اتفضل.
قال
والدك ما كانش بيخاف على التوأمين من المؤسسة بس. كان خايف إن المركز نفسه يقع في إيد ناس تستخدمه بطريقة غلط.
سألته
ناس مين؟
قال
مجموعة مستثمرين كانوا عايزين يحولوا المركز لمشروع تجاري ضخم. والدك رفض.
ثم سكت.
وبعد رفضه... بدأت المشاكل.
شعرت بقشعريرة.
إنت بتقول إن وفاة والدي كانت بسببهم؟
أجاب بسرعة
أنا ما قلتش كده. لكن والدك كان مقتنع إنهم مش هيسيبوه.
أغلقت الهاتف.
نظرت إلى لينا.
كانت تمسك يد التوأمين.
قلت
من النهاردة، محدش هيخبي عننا أي حاجة.
ابتسم لؤي وقال
يعني هنحل اللغز مع بعض؟
ضحكت رغم توتري.
أيوه.
قال أيهم
يبقى نبدأ بالصورة.
أمسك الصورة التي وصلت في الظرف، وقلبها تحت الضوء.
وفجأة قال
بابا... استنى.
اقتربت منه.
وأشار إلى زاوية صغيرة في الصورة.
كان هناك انعكاس في زجاج نافذة خلفنا.
شخص يقف بعيداً ويحمل ملفاً.
قال أيهم
الصورة دي اتاخدت من مكان معين.
نظر لؤي إلى الصورة وقال
والمكان ده موجود في المركز.
ركضنا جميعاً إلى قاعة الاجتماعات.
وقف التوأمان أمام النافذة نفسها الموجودة في الصورة.
ثم قال لؤي
هنا.
فتح أيهم لوحة صغيرة بجوار النافذة.
وجدنا خلفها تجويفاً مخفياً.
وبداخله صندوق معدني.
فتحته.
كان يحتوي على دفتر صغير وذاكرة إلكترونية.
وضعت الذاكرة في الكمبيوتر.
ظهر تسجيل قديم لوالدي.
جلس أمام الكاميرا وقال
لو أنت بتشوف التسجيل ده يا جاسم، يبقى أنا ما قدرتش أقول لك الحقيقة بنفسي.
توقفت أنفاسي.
ثم تابع
أنا أخطأت لما أخفيت عنك أولادك. لكن السبب الأخير... لم يكن الخوف عليهم فقط.
نظر والدي إلى الكاميرا مباشرة.
وقال
كنت أحاول أحميك أنت أيضاً.
ثم ظهرت على الشاشة صورة لمستند قديم.
وفي أسفل المستند كان هناك توقيعي.
لكنني لم أكن قد رأيت هذه الورقة في حياتي.
نظرت إلى لينا بدهشة.
قالت
إنت وقعت عليها؟
هززت رأسي.
لا.
وهنا
والأسوأ...
أن هذا التوقيع كان السبب الحقيقي وراء طلاقي من لينا.
أغلقت التسجيل.
نظرت إلى التوأمين.
ثم قلت
دلوقتي فهمت... إحنا ما كناش بنهرب من الماضي.
وأكملت
إحنا كنا بنجري ورا حقيقة حد حاول يدفنها من البداية.
لكن قبل أن نعرف من زوّر توقيعي، وصلتنا رسالة جديدة.
وكانت هذه المرة من عادل.
وجدت الشخص الذي تبحثون عنه... وهو ما زال حياً.في اللحظة التي قرأت فيها رسالة عادل، شعرت أن قلبي توقف.
وجدت الشخص الذي تبحثون عنه... وهو ما زال حياً.
قلت لمحمود
لازم نوصل له.
رد عادل برسالة أخرى
تعالوا غداً الساعة العاشرة صباحاً إلى المكتب القديم. ولا تخبروا أحداً.
لكنني لم أعد أؤمن بفكرة الأسرار.
ذهبت أنا ولينا ومحمود، بينما بقي لؤي وأيهم في المركز مع المشرفين.
عندما وصلنا، وجدنا عادل جالساً خلف مكتب متهالك.
كان يبدو أكبر من عمره بكثير.
قال
أنا آسف يا جاسم.
على إيه؟
أخرج ملفاً ووضعه أمامي.
على إني سكت كل السنين دي.
فتحت الملف.
كانت بداخله نسخة من عقد قديم، وفي آخر الصفحة كان هناك توقيع باسمي.
نظرت إليه وقلت
ده مش توقيعي.
قال عادل
عارف.
ثم أخرج ورقة أخرى.
وده توقيع الشخص اللي زوّره.
قارنت التوقيعين.
كان متشابهاً بشكل مخيف.
سألته
مين؟
نظر إليّ مباشرة.
وقال
المحامي اللي تولى طلاقك من لينا.
شعرت بالصدمة.
فؤاد؟
هز رأسه.
أيوه.
قلت بغضب
بس فؤاد كان بيساعدنا طول الوقت!
قال عادل
وده اللي خلاه يقدر يخدع الجميع.
ساد الصمت.
لينا لم تستطع الكلام.
قلت
طب ليه يعمل كده؟
أجاب عادل
لأن العقد المزور كان بيمنح والدك السيطرة على أموال مشروعك، وبعدها كان فيه اتفاق سري يسمح بتحويل المشروع لشركة استثمارية.
قلت
يعني كل اللي حصل كان علشان الفلوس؟
قال
الفلوس كانت جزء من الموضوع.
ثم أخرج صورة أخرى.
لكن فؤاد ما كانش لوحده.
نظرت إلى الصورة.
كان فيها فؤاد مع رجل آخر.
الرجل الذي ظهر في صورة والدي القديمة.
محمود الراوي.
رفعت رأسي ببطء.
نظرت إلى محمود.
لكنه كان شاحباً.
قلت
إنت كنت معاهم؟
هز رأسه بسرعة.
لا! الصورة دي قديمة، وأنا كنت وقتها أحاول أوقفهم.
لكن عادل قال
محمود كان فعلاً بيحاول يوقفهم... لكنه وصل متأخر.
سألت
ومين كان صاحب الخطة؟
لم يجب أحد.
ثم أخرج عادل آخر ورقة.
وقال
الشخص اللي بدأ كل ده... كان شخصاً قريباً جداً من عائلتك.
نظرت إلى لينا.
ثم إلى محمود.
وقبل أن أسأل، رن هاتف عادل.
نظر إلى الشاشة.
ثم قال
إنه هو.
مين؟
فتح مكبر الصوت.
جاء صوت رجل هادئ
جاسم... كفاية بحث.
تجمدت.
كنت أعرف الصوت.
إنه صوت فؤاد.
قال
أنت فتحت أبواباً كان لازم تفضل مقفولة.
صرخت
إنت زورت توقيعي! إنت السبب في كل اللي حصل!
ضحك بهدوء.
أنا ما عملتش حاجة لوحدي.
سألته
مين معاك؟
صمت للحظات.
ثم قال
الشخص اللي كنت فاكره طول عمرك حامي عيلتك.
ثم أغلق المكالمة.
نظرت إلى محمود.
فقال
أخوك.
تجمدت.
كان لدي أخ أكبر اسمه سامح، لكنه مات قبل سنوات في حادث سفر.
قلت
سامح مات من زمان.
قال محمود
إحنا كنا فاكرين كده.
وفجأة وصلني مقطع فيديو على الهاتف.
فتحته.
ظهر رجل يجلس في مكان مظلم.
وجهه لم يكن واضحاً بالكامل.
لكن صوته كان واضحاً.
قال
جاسم... لو عايز تعرف الحقيقة عن لينا والتوأمين، تعال للمكان اللي بدأت فيه كل حاجة.
ثم رفع وجهه نحو الكاميرا.
توقفت أنفاسي.
كان يشبه أبي بشكل كبير.
وتحت الفيديو ظهر عنوان واحد
المستشفى القديم.
نظرت إلى لينا.
ثم قلت
المرة دي... مش هروح لوحدي.
أمسكت يدي.
وقالت
إحنا عيلة... ومهما كانت الحقيقة، هنواجهها مع بعض.
وفي تلك اللحظة، وصلنا اتصال من المركز.
كان لؤي.
لكن صوته كان مرتجفاً
بابا... حصلت حاجة.
إيه؟
قال
حد جه هنا وسأل عنك.
مين؟
صمت لثوانٍ.
ثم قال
وقال إنه... عمنا سامح.
أغلقت الهاتف وأنا أشعر بقشعريرة تسري في جسدي.
لأن الرجل الذي ظنناه مات منذ سنوات...
كان يبحث الآن عن أبنائي لم أنتظر ثانية واحدة.
أخذت لينا معي، واتصلت
عندما وصلنا، وجدنا لؤي وأيهم جالسين في غرفة الإدارة مع المشرفين.
أول ما رأياني، ركضا نحوي.
احتضنتهما بقوة.
قلت
حد فيكم شاف الراجل ده؟
قال أيهم
شفناه من بعيد، لكنه ما دخلش عندنا.
وأضاف لؤي
قال إن اسمه سامح وإنه أخوك، وإنه عايز