بعد ثلاث عشر عاما

لمحة نيوز

المكالمة.
كانت كلماته مؤلمة، لكنها جعلتني أتخذ قراراً.
التفت إلى لينا وقلت
أنا مش هسمح لأي حد يستخدم أولادنا.
نظرت إليّ طويلاً.
ثم قالت
حتى لو كان ده معناه إنك تدخل في مشاكل كبيرة؟
قلت
حتى لو اضطررت أواجه العالم كله.
في اليوم التالي، وصل ظرف إلى منزل لينا.
لم يكن عليه اسم المرسل.
فتحه فؤاد بحذر.
وفي داخله كانت صورة قديمة.
صورة التقطت قبل ثلاثة عشر عاماً.
كانت لينا تقف أمام المستشفى وهي تحمل التوأمين حديثي الولادة.
وبجوارها...
كان والدي.
لكن المفاجأة لم تكن وجوده.
المفاجأة كانت الرجل الواقف بجواره.
الدكتور سامر.
نظرنا جميعاً إلى الصورة.
ثم قلبها فوجدنا جملة مكتوبة بخط أبي
هذان الرجلان يعرفان شيئاً عن ولادة التوأمين لم أخبر به جاسم أبداً.
رفعت رأسي ببطء.
فقلت
يبقى السر الحقيقي لسه ما ظهرش.
وفي تلك اللحظة، وصلت رسالة جديدة إلى هاتفي.
كانت من رقم مجهول
لو عايز تعرف الحقيقة كاملة... تعال وحدك الليلة إلى المكان الذي وُلد فيه لؤي وأيهم.
نظرت إلى لينا.
وعرفت أنني أمام أصعب قرار في حياتي.
هل أذهب وحدي؟
أم آخذ معي لينا والتوأمين ونواجه الحقيقة معاً؟
لكن شيئاً واحداً كنت متأكداً منه...
هذه المرة لن أسمح لأي شخص أن يقرر مصير عائلتي بدلاً مني لم أذهب وحدي.
بعد كل ما حدث، لم أعد مستعداً لارتكاب الخطأ نفسه مرتين.
أخبرت لينا بكل شيء، واتفقنا أن يظل التوأمان مع فؤاد في مكان آمن حتى نعرف من أرسل الرسالة.
في المساء، وصلت أنا ولينا إلى المستشفى القديم الذي وُلدا فيه.
كان المكان شبه مهجور.
وقفت أمام البوابة وقلت
أنا حاسس إننا داخلين على حاجة أكبر من موضوع التوأمين.
قالت لينا
وأنا حاسة إن الليلة دي هتخلص كل الأسئلة اللي عشت بيها ثلاثة عشر سنة.
دخلنا المبنى.
وفي آخر الممر وجدنا غرفة الأرشيف.
كان الباب مفتوحاً.
وعلى المكتب ملف قديم.
فتحت الملف.
كانت فيه شهادة ميلاد التوأمين، وتقارير الولادة، ثم ورقة جعلتني أتجمد.
كان مكتوباً فيها
يُمنع تسليم النسخة الأصلية من الملف إلا بموافقة

والد الطفلين.
نظرت إلى لينا.
قلت
يعني والدي كان مسجل نفسه كوصي عليهم؟
هزت رأسها.
أنا عمري ما شفت الورقة دي.
وفجأة سمعنا صوت خطوات.
استدرنا.
كان الدكتور سامر يقف عند الباب.
قال بهدوء
كنت متأكد إنك هتيجي.
تقدمت نحوه.
إنت اللي بعت الرسالة؟
قال
أيوه.
عايز إيه؟
ابتسم.
عايزك تعرف الحقيقة قبل ما تكره الشخص الخطأ.
أخرج ملفاً آخر ووضعه أمامي.
والدك ما كانش بيحاول يخبي أولادك عنك علشان يؤذيك.
فتحت الملف.
كانت هناك تقارير تثبت أن والدي كان قد رفض عرضاً كبيراً من مؤسسة أجنبية كانت تريد ضم التوأمين إلى برنامج خاص بسبب ذكائهما الاستثنائي.
سألت
ليه رفض؟
قال سامر
لأنه اكتشف إن البرنامج كان بيفصل الأطفال عن أسرهم لفترات طويلة، ويجعل تعليمهم وحياتهم بالكامل تحت إدارة المؤسسة.
نظرت إلى لينا.
قالت بصوت منخفض
يعني كان بيحاول يحميهم؟
أجاب سامر
نعم.
ثم أضاف
لكن والدك ارتكب خطأ كبيراً... أخفى الحقيقة عنك وعن لينا بدلاً من أن يواجه الأمر معكما.
شعرت بغصة في حلقي.
كان أبي قد أخطأ.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً عما ظننته.
لم يكن هناك مؤامرة لتدمير عائلتي.
كان هناك خوف، وقرارات خاطئة، وأشخاص ظنوا أنهم يحمون الأطفال بطريقة أفضل.
قلت
طب إنت ليه دخلت في الموضوع؟
نظر سامر إلى الأرض.
ثم قال
لأنني كنت واحداً من الأشخاص الذين ساعدوا والدك في البداية.
سألته
وليه رجعت دلوقتي؟
أجاب
لأن المؤسسة عادت من جديد، وبعد فوز التوأمين، أصبحت مهتمة بهما أكثر من أي وقت مضى.
في تلك اللحظة، رن هاتف لينا.
كان فؤاد.
ردت بسرعة.
جاء صوته متوتراً
لينا، خلي جاسم يرجع فوراً.
سألته
ليه؟
قال
التوأمين اختفوا من المكان اللي كانوا فيه.
تجمد الدم في عروقي.
صرخت
إيه؟!
أغلق فؤاد المكالمة.
نظرت إلى سامر.
ثم إلى لينا.
قلت
هما فين؟
سامر لم يجب.
لكن وجهه تغير فجأة.
قال
أنا عارف المكان.
اندفعنا خلفه.
وبينما كنا نخرج من المستشفى، وصلتني رسالة من هاتف لؤي.
كانت قصيرة جداً
بابا... إحنا مش خايفين. لقينا حاجة لازم تشوفها.
وتحت
الرسالة...
كان هناك عنوان.
عنوان مكتب والدي القديم.
المكتب الذي لم أدخله منذ وفاته.
نظرت إلى لينا وقلت
واضح إن أولادنا سبقونا للحقيقة.
وانطلقنا بأقصى سرعة.
لكن عندما وصلنا إلى المكتب...
وجدنا الباب مفتوحاً.
والأنوار مضاءة.
ومن الداخل جاء صوت لؤي
بابا... تعالى بسرعة.
دخلت.
فتوقفت مكاني.
لأن التوأمين لم يكونا وحدهما.
كان أمامهما صندوق خشبي قديم.
وبجواره صورة عائلية تعود إلى أكثر من عشرين عاماً.
وفي الصورة...
كان والدي يقف بجانب رجل لم أره في حياتي.
وأشار أيهم إلى الرجل وقال
إحنا لقينا اسمه مكتوب هنا.
اقتربت من الصورة.
وقرأت الاسم.
جاسم... والدك لم يكن وحده في كل ما حدث.
وعندها فهمت أن القصة التي بدأت باكتشاف توأمين لم تنتهِ بعد...
بل بدأت للتو اقتربت من الصورة وأنا أحبس أنفاسي.
كان الرجل الواقف بجوار والدي غريباً عني تماماً.
سألت
مين ده؟
قال أيهم
مش عارفين، بس لقينا اسمه في الورق.
أمسكت الصورة وقلبتها.
على ظهرها كان مكتوباً
محمود الراوي شريكي في مشروع المدرسة العلمية.
نظر إليّ لؤي وقال
بابا، لقينا حاجة تانية.
فتح درجاً قديماً وأخرج دفتراً صغيراً.
كان دفتر والدي الشخصي.
فتحت الصفحة الأولى.
كان فيها تاريخ يعود إلى أربعة عشر عاماً.
وقرأت
جاسم يعتقد أنني أعارض زواجه من لينا، لكنه لا يعرف أنني أحاول حمايتهما من قرار اتخذته قبل سنوات.
رفعت عيني إلى لينا.
قالت
قرار إيه؟
قلبت الصفحة.
محمود يعرف الحقيقة كاملة، وإذا حدث لي شيء، يجب أن يسلم جاسم الملف بنفسه.
ساد الصمت.
قالت لينا
يبقى لازم نعرف مين محمود.
وفجأة سمعنا صوتاً من خلفنا
مش محتاجين تدوروا كتير.
استدرنا جميعاً.
كان رجل مسن يقف عند الباب.
تقدّم خطوة إلى الداخل.
حدقت فيه للحظات.
ثم شهقت لينا
محمود؟
ابتسم الرجل.
أيوه يا لينا.
اقترب مني وقال
أنا كنت شريك والدك وصديقه لأكثر من ثلاثين سنة.
قلت بغضب
ليه اختفى كل السنين دي؟ وليه والدي خبّى عني أولادي؟
تنهد.
لأن والدك أخطأ، لكنه كان يعتقد أنه يفعل الصواب.
ثم نظر إلى
التوأمين.
وأنتما السبب في أنني قررت أظهر أخيراً.
سألته
إيه علاقتك بيهم؟
أخرج ظرفاً قديماً.
قبل ولادتهم بأشهر، والدك اكتشف أن عندهم موهبة وراثية نادرة جداً في الحساب والذاكرة.
ضحك لؤي
يعني إحنا مختلفين؟
قال محمود
مختلفين بمعنى مميزين، مش أفضل من أي حد.
ثم أضاف
والدك كان يريد أن يؤسس مركزاً تعليمياً للأطفال الموهوبين، وكان يريد أن يكون التوأمان أول طفلين يستفيدون منه.
نظرت إلى لينا.
بدأت الصورة تتضح.
لم يكن والدي يريد حرماني من أولادي.
كان يحاول بناء مستقبل لهم، لكنه اتخذ قرارات خاطئة ولم يمنحني حق معرفة الحقيقة.
قلت
طب ليه ما رجعتش وقالتلي بعد وفاته؟
صمت محمود طويلاً.
ثم قال
لأنني وعدته ألا أتدخل إلا عندما يصبح التوأمان قادرين على اختيار طريقهم بأنفسهم.
نظر إلى لؤي وأيهم.
والآن أصبحا قادرين.
قال أيهم
وإحنا اخترنا.
ابتسم محمود.
واخترتوا إيه؟
نظر التوأمان إلى بعضهما.
ثم قال لؤي
عايزين نكمل تعليمنا عادي.
وأضاف أيهم
ونفضل مع ماما.
ثم نظر إليّ وقال
وممكن بابا يكون موجود كمان.
لم أستطع الكلام.
احتضنتهما لأول مرة.
كانت لحظة قصيرة، لكنها عوّضت شيئاً بداخلي كنت أظنه لن يلتئم أبداً.
لكن محمود لم يتركنا نعيش اللحظة طويلاً.
قال
لسه في حاجة أخيرة.
ابتعدت عنه.
إيه؟
أخرج ورقة أخيرة من الظرف.
كانت وثيقة تثبت أن والدي ترك جزءاً من ممتلكاته باسم التوأمين.
لكن المفاجأة لم تكن في المال.
بل في الجملة الأخيرة
هذه الثروة لا تُسلّم إلا إذا اجتمع جاسم ولينا والتوأمان، واتفقوا على استخدامها لبناء مستقبل الأطفال الموهوبين.
نظرت إلى لينا.
قالت
يعني كان عايز يحوّل غلطته لحاجة كويسة.
قلت
وأنا هكمل اللي بدأه.
وبعد أسابيع قليلة، بدأنا بالفعل في تجهيز مركز تعليمي صغير باسم التوأمين.
لم يكن قصراً ولا مشروعاً ضخماً.
كان مكاناً مفتوحاً للأطفال الذين لا يملكون المال لكنهم يملكون الموهبة.
أما لؤي وأيهم، فلم يتركا دراستهما.
وبدأت علاقتي بهما تنمو يوماً بعد يوم.
كنت أتعلم كيف أكون أباً.
وهما كانا
يتعلمان كيف يكون لي أبوان بعد أن فقدا سنوات طويلة من حياتهما معي.
أما لينا...
فلم تعد المرأة التي تركتها منذ ثلاثة عشر عاماً.
أصبحت شريكة في بناء مستقبل أولادنا.
وفي يوم افتتاح المركز، وقفت أمام الحضور وقلت
أنا خسرت ثلاثة عشر سنة من حياة أولادي، لكنني

تم نسخ الرابط