بعد ثلاث عشر عاما
بعد ثلاثة عشر عاماً من طلاقي من لينا، كنت أظن أن كل شيء انتهى.
كنت أعيش حياة مستقرة مع زوجتي نورة، وأربي بدر باعتباره ابني، حتى جاء ذلك اليوم الذي ذهبت فيه إلى مسابقة للذكاء كنت أحد رعاتها.
لم أكن أعرف أن حياتي كلها ستتغير خلال دقائق.
وقف المذيع وسط القاعة وقال
والآن نعلن عن الفائزين بالجائزة الكبرى بعد حصولهما على العلامة الكاملة... التوأمان لؤي وأيهم!
انفجرت القاعة بالتصفيق.
لكنني لم أصفق.
كنت أحدق في الشابين فوق المنصة.
ملامحهما كانت نسخة مني عندما كنت في عمرهما تقريباً.
حتى طريقة وقوفهما كانت تشبهني.
ثم ظهرت صورتهما على الشاشة العملاقة، وتحت اسميهما ظهر اسم والدتهما
لينا.
شعرت بقلبي يتوقف.
لينا...
المرأة التي طلقتها منذ ثلاثة عشر عاماً.
ثم ظهر سطر آخر
والدهما الراحل...
لم أستطع قراءة الاسم.
اقتربت مني نورة وقالت
جاسم، إنت كويس؟
لم أجب.
كنت أفكر في سؤال واحد فقط
كيف يمكن أن يكون لهذين الشابين نفس ملامحي؟
تحركت بسرعة نحو لينا.
وجدتها تقف خلف المسرح، وبجوارها التوأمان.
ما إن رأتني حتى تجمدت للحظة.
قلت
لينا... دول ولادي؟
سكتت.
ثم أغمضت عينيها وقالت
أيوه يا جاسم.
شعرت بأن قدمي لم تعودا تحملانني.
من إمتى؟
قالت
من يوم ما اتولدوا.
نظرت إليها بألم.
ليه ما قولتيليش؟
قالت
لأنك وقتها كنت مقتنع إن حياتنا انتهت. وأنا ما كنتش عايزة أجبرك على حاجة.
اقترب لؤي وقال
ماما... هو مين؟
نظرت إليه لينا.
ثم قالت
ده والدكم.
اتسعت عينا أيهم.
أما أنا فلم أستطع منع دموعي.
ثلاثة عشر عاماً ضاعت مني.
ثلاثة عشر عاماً لم أشاهد فيها أول خطوة، ولا أول يوم مدرسة، ولا أول نجاح.
ومع ذلك، لم تلمني لينا.
قالت فقط
أنا ما حرمتكش منهم يا جاسم... أنا كنت مستنية اليوم اللي تعرف فيه الحقيقة بنفسك.
وفجأة ظهر رجل مسن يحمل ملفاً قديماً.
قال
الحقيقة أكبر من كده.
التفتنا إليه.
كان اسمه فؤاد، المحامي الذي تولى إجراءات طلاقي من لينا.
فتح الملف وأخرج ورقة قديمة.
قال
في
سألته
رسالة؟ أي رسالة؟
قال
الرسالة ما وصلتش ليك.
أخرج ظرفاً قديماً وسلمه لي.
كان عليه اسمي بخط لينا.
فتحت الظرف وقرأت
جاسم... قبل ما تنهي كل شيء، لازم تعرف إنك هتبقى أب.
ارتجفت يدي.
رفعت عيني نحو فؤاد.
مين منع الرسالة؟
نظر إلى لينا.
ثم قال
الشخص اللي كان وقتها مسؤول عن كل أوراق العائلة.
توقفت أنفاسي.
مين؟
قال
والدك.
شعرت بصدمة أقوى من كل ما حدث.
أبي كان يعرف.
كان يعرف أنني سأصبح أباً.
وكان يعرف أن لينا حامل.
ومع ذلك، تركني أطلقها وأعيش ثلاثة عشر عاماً بعيداً عن أولادي.
نظرت إلى لينا
ليه ما حاولتيش تعرفيني بعد وفاة أبويا؟
قالت وهي تمسح دموعها
لأني اكتشفت الحقيقة متأخر... وكنت خايفة أرجعك لحياتنا لمجرد إنك أبوهم. كنت عايزة لو رجعت، ترجع بإرادتك.
اقترب مني لؤي وقال
إحنا مش محتاجين فلوسك يا جاسم.
وأضاف أيهم
إحنا كنا محتاجين نعرف بس إن لينا ما كانتش بتكدب علينا.
نظرت إليهما وشعرت بالخجل.
قلت
أنا مش جاي آخد مكان حد... أنا جاي أحاول أبقى أبوكم، لو تسمحوا لي.
نظر التوأمان إلى بعضهما.
ثم ابتسم أيهم وقال
ممكن نبدأ من الأول.
وفي تلك اللحظة، أدركت أنني لا أستطيع تغيير الثلاثة عشر عاماً الماضية.
لكن كان بإمكاني ألا أضيّع يوماً واحداً آخر.
خرجنا جميعاً من القاعة معاً.
لينا والتوأمان أمامي.
وأنا خلفهم بخطوات قليلة.
لم تكن عائلتنا قد عادت بعد...
لكن لأول مرة منذ ثلاثة عشر عاماً، كنا نسير في الطريق نفسه في اليوم التالي، لم أستطع النوم.
جلست طوال الليل أمام صندوق قديم تركه والدي في مكتبه.
كان فؤاد قد أخبرني أن الصندوق يحتوي على مستندات لم أفتحها منذ وفاته.
وضعت المفتاح في القفل.
ترددت للحظات.
ثم فتحته.
وجدت داخله ملفات كثيرة، لكن واحداً منها جعل يدي تتجمد.
كان مكتوباً عليه
لينا سري للغاية.
فتحته بسرعة.
وجدت نسخة من تقرير طبي يعود إلى ثلاثة عشر عاماً.
وفي أسفل التقرير كانت جملة مكتوبة بخط أبي
يجب
شعرت بالغضب.
قلبت الصفحة التالية.
كانت هناك رسالة أخرى.
لكنها لم تكن من أبي.
كانت من لينا.
جاسم، لو وصلتك الرسالة دي يوماً، فأنا مش بطلب منك ترجعلي. أنا فقط عايزاك تعرف إن أولادك بخير، وإنني لن أمنعهم عنك إذا قررت أن تكون أباً حقيقياً لهم.
وضعت الرسالة على الطاولة.
لينا لم تكن تحاول الانتقام مني.
كانت تحاول أن تحميني من قرار اتخذته عائلتي من دون علمي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر الملف.
وجدت ورقة تخص التوأمين.
كان عليها اسم المدرسة التي التحقا بها منذ سنوات.
وتحت الاسم ملاحظة
يجب متابعة مستواهما الدراسي... قد يكون لهما مستقبل استثنائي.
ابتسمت رغم دموعي.
حتى أبي، رغم كل ما فعله، كان يعرف أن الطفلين مميزان.
في الصباح ذهبت إلى بيت لينا.
فتحت الباب، وما إن رأتني حتى قالت
إيه اللي حصل؟
أعطيتها الملف.
قرأت الأوراق بصمت.
ثم جلست على الكرسي وبدأت تبكي.
قلت
أنا آسف.
رفعت رأسها.
على إيه؟
قلت
على السنين اللي فاتت... حتى لو أنا ما كنتش عارف، كان لازم أدور أكتر.
هزت رأسها.
الماضي ما ينفعش نرجعه يا جاسم.
قلت
عارف.
ثم نظرت إلى التوأمين.
كانا يجلسان في غرفة المعيشة يحلان مسألة رياضية معقدة.
قلت
لكن المستقبل لسه قدامنا.
ابتسمت لينا للمرة الأولى.
وفي تلك اللحظة، رن جرس الباب.
دخل فؤاد وهو يحمل ظرفاً آخر.
قال
كنت أتمنى ألا أضطر لإعطائك الظرف ده.
سألته
فيه إيه؟
قال
آخر ورقة تركها والدك.
فتحتها.
وكانت المفاجأة أن أبي لم يترك اعترافاً فقط.
بل كتب لي سبباً جعله يخفي الحقيقة طوال تلك السنوات.
وفي آخر السطر كتب
يا جاسم... أنا أخطأت في حقك وحق لينا وحق الطفلين. لكنني فعلت ذلك لأنني كنت أخشى أن تخسر مستقبلك كله إذا عرفت بالحقيقة في ذلك الوقت.
رفعت عيني.
يعني إيه؟
فؤاد أجاب
اقرأ الصفحة الأخيرة.
قلبت الورقة.
وتوقفت أنفاسي.
لأن الصفحة الأخيرة لم تكن تتحدث عن الماضي.
كانت تتحدث
شيء يتعلق بالتوأمين.
شيء كان والدي قد اكتشفه قبل وفاته بسنوات.
وعندما قرأت أول سطر، شعرت أنني أمام سر أخطر من كل ما عرفته حتى الآن.
إذا أصبح لؤي وأيهم من المتفوقين في مسابقة وطنية كبرى، فاعلم أن هناك من سيحاول استغلال موهبتهما... واحمهما مهما كان الثمن.
نظرت إلى التوأمين.
ثم إلى لينا.
وفهمت أن مسابقة الذكاء لم تكن مجرد مسابقة.
لقد كانت بداية فصل جديد تماماً في حياتنا في اللحظة التي انتهيت فيها من قراءة الرسالة، شعرت بقلق شديد.
قلت لفؤاد
يعني إيه حد يستغل موهبتهم؟
رد بصوت منخفض
والدك كان يعرف إن فيه مؤسسة كبيرة كانت بتراقب نتائج التوأمين من سن صغير.
لينا نظرت إليه بقلق
مين المؤسسة دي؟
أجاب
مركز أبحاث تعليمي دولي. كانوا بيدوروا على أطفال موهوبين جداً علشان يدخلوا برنامج خاص.
قلت
وإيه المشكلة؟ ده ممكن يكون مستقبل ممتاز ليهم.
هز فؤاد رأسه.
لو كان الموضوع مجرد تعليم، والدك ما كانش خاف بالشكل ده.
فتحت الصفحة الأخيرة.
كان هناك عنوان واضح
لا توقّع أي أوراق تخص التوأمين قبل مراجعتها قانونياً.
ثم وجدت اسماً.
اسم الشخص المسؤول عن البرنامج.
وعندما قرأته، شعرت بصدمة.
كان اسماً أعرفه جيداً.
الدكتور سامر حمدان.
كان واحداً من أقرب أصدقاء والدي.
قلت
سامر؟ مستحيل.
قال فؤاد
والدك كان يشك إنه بيحاول يحصل على وصاية تعليمية على التوأمين من زمان.
نظرت إلى لينا.
حد كلمك قبل كده؟
قالت
من حوالي سنتين، اتصلوا بيا وعرضوا منحة كاملة للتوأمين.
سألتها بسرعة
وقّعتي؟
لا.
تنفست براحة.
ثم سمعت صوتاً من خلفي.
كان لؤي.
بابا... إحنا اتعرض علينا البرنامج ده بعد المسابقة.
التفت إليه.
إمتى؟
قال
قبل ما نطلع على المسرح.
أضاف أيهم
وقالوا لنا إننا لو وافقنا، هنقدر ندرس في أفضل مكان في العالم.
سألت
ومين عرض عليكم؟
نظر التوأمان إلى بعضهما.
ثم قال لؤي
الدكتور سامر.
ساد الصمت.
أمسكت الهاتف واتصلت به فوراً.
رد بعد ثوانٍ
مبروك يا جاسم، سمعت إن أولادك
قلت بحدة
أولادي مش مشروع بالنسبة لك.
ضحك بهدوء.
أنا فقط أريد لهم مستقبلاً أفضل.
مستقبلهم أنا ولينا اللي نقرره.
صمت قليلاً، ثم قال
أنت متأخر ثلاثة عشر عاماً يا جاسم... لا تظن أنك تستطيع الظهور فجأة وتقرر كل شيء.
أغلقت