مسكوها بتسرق لبن
كان جرس الإنذار بتاع السوبر ماركت لسه بيرن، والناس كلها اتجمعت عند الباب.
بنت صغيرة، جسمها هزيل وهدومها خفيفة على البرد، كانت واقفة وهي حاضنة علبة لبن لصدرها. شعرها مبلول، ورجليها حافية، وركبتها اتجرحت من الوقعة.
المدير صرخ
امسكوها! البنت دي بتسرق!
الضابط قرب منها ومسك دراعها.
تعالي معايا. فين أهلك؟
البنت انفجرت في العياط
والله ما كنت عايزة أسرق أخويا عنده تمان شهور ومحتاج اللبن. من امبارح ماكلش، وأنا معاياش فلوس.
الناس بدأت تتفرج، وكل واحد بيقول رأيه.
لكن وسط الزحمة كان فيه راجل واقف ساكت.
مايكل هارت، رجل أعمال ناجح في بداية الأربعينات، معروف بهدوئه الشديد وتركيزه في شغله. كان داخل السوبر ماركت يشتري حاجة سريعة قبل سفره، لكنه لما سمع كلام البنت وقف مكانه.
اتقدم ناحيتها ونزل لمستواها.
اسمك إيه؟
مسحت دموعها بطرف كمها.
أريانا.
وأخوك اسمه إيه؟
نوح.
فين أهلك؟
سكتت شوية، وبعدين قالت
بابا مات من سنتين وماما ماتت من كام شهر. وأنا بحاول أعتني بإخواتي.
مايكل بص لها في صدمة.
إخواتك كام واحد؟
اتنين نوح الصغير، وأختي لينا عندها ست سنين.
مايكل وقف وبص للمدير.
احسب اللبن وكل الأكل اللي البنت محتاجاه على حسابي.
المدير اتردد.
بس يا فندم، دي سرقة.
مايكل رد بهدوء
أنا مش جاي أجادلك. أنا هادفع تمن الحاجة، وانتهى الموضوع.
وبعدين بص للضابط
ممكن تتأكد بنفسك من كلامها بدل ما تاخدها القسم؟ البنت مش محتاجة عقاب محتاجة حد يساعدها.
الضابط بص لأريانا، وبعدين قال
طيب يا بنتي، ورينا بيتكم.
أريانا بصت لمايكل بخوف.
إنت هتمشي؟
السؤال وقف مايكل مكانه.
كان متعود إن الناس تطلب منه فلوس أو خدمة، لكن عمره ما شاف النظرة دي في عين حد.
نظرة طفلة خايفة ترجع لوحدها.
قال
لا. هاجي معاكي.
خرجوا من
وبعد حوالي عشرين دقيقة، وقفت العربية قدام عمارة قديمة جدًا.
أريانا نزلت وجريت على السلم.
نوح! لينا! أنا رجعت!
دخلت شقة صغيرة جدًا، وهناك لقى مايكل طفل رضيع بيعيط في سرير متهالك، وبنت صغيرة قاعدة جنبه بتحاول تهديه.
أريانا فتحت علبة اللبن بسرعة وبدأت تطعمه.
مايكل فضل واقف عند الباب، مش قادر يتكلم.
بعد دقائق، الطفل هدي.
لينا بصت له وقالت
حضرتك مين؟
ابتسم لأول مرة من وقت طويل.
واحد صاحب أختك.
أريانا قربت منه وقالت
شكرًا.
مايكل سألها
إنتوا عايشين هنا لوحدكم؟
هزت رأسها.
أيوه.
ومين بيدفع الإيجار؟
أريانا نزلت عينيها.
صاحب البيت مستنينا بقاله شهرين وقال لو ما دفعناش هنمشي.
مايكل سكت لحظات.
وبعدين قال
من النهارده محدش هيخرجكم من البيت.
أريانا رفعت عينيها بسرعة.
يعني إيه؟
يعني الإيجار هيتدفع. والأكل هيتوفر. ونوح هيروح لدكتور. وإنتِ ولينا هترجعوا المدرسة.
أريانا بدأت تعيط.
بس ليه؟ إنت متعرفناش.
مايكل بص للأطفال، وقال
يمكن أنا معرفكوش بس واضح إنكم محتاجين حد يقف جنبكم.
في اليوم التالي، مايكل رجع ومعاه دكتور ومحامية وموظفة من مؤسسة خيرية كان بيدعمها.
اكتشفوا إن أريانا كانت بتشتغل بالليل في تنظيف بعض الأماكن، وتسيب لينا جنب أخوها، وكل فلوسها كانت بتروح للأكل والدواء والإيجار.
والأصعب
إنها كانت مخبية ورقة قديمة في درج صغير.
كانت وصية أمها.
مكتوب فيها
لو حصل لي حاجة، أريانا هي أكتر واحدة هتقدر تحمي إخواتها. أوصيكم ما تفرقوش بينهم.
مايكل قرأ الورقة وسكت طويلًا.
ثم قال
مش هنفرقهم.
ومن اليوم ده، بدأ كل شيء يتغير.
لكن مايكل ما كانش يعرف إن إنقاذ أريانا وأخواتها مش هيكون مجرد موقف عابر
لأن بعد أيام قليلة، ظهر شخص يحمل مستندات قديمة، وقال إن
والسر ده كان ممكن يغيّر مستقبل الثلاثة للأبد تاني يوم الصبح، كان مايكل قاعد في مكتبه، قدامه ملف بني قديم.
المحامية اللي كانت معاه في اليوم السابق حطت الملف على المكتب وقالت
الراجل اللي ظهر امبارح اسمه يوسف منصور. بيقول إن الأرض اللي كانت باسم والدة أريانا مش ملكها بالكامل.
مايكل عقد حاجبيه.
يعني إيه؟
بيقول إن فيه شريك قديم لوالدها، وإن ليه نص الأرض.
فتح مايكل الملف، وبدأ يقلب في الأوراق.
لكن فجأة وقف عند ورقة معينة.
استني الورقة دي بتاريخ قبل وفاة والدها بسنة.
بالضبط.
والتوقيع؟
مشكوك فيه.
مايكل رفع عينه.
يبقى لازم نتأكد قبل ما نقول لأي حد حاجة.
في نفس الوقت، كانت أريانا قاعدة في بيتها بتحاول تساعد لينا في واجب المدرسة، بينما نوح نايم
خبط على الباب.
فتحت، فوجدت يوسف واقفًا.
ابتسم وقال
إنتِ أريانا؟
أيوه.
أنا كنت أعرف والدك.
أريانا اتوترت.
حضرتك عايز إيه؟
جاي أساعدكم.
إزاي؟
مد لها ورقة.
والدك كان عليه ديون، والأرض كانت ضمان. أنا دفعت فلوس كتير، والأرض من حقي.
أريانا بصت للورقة من غير ما تفهم تفاصيلها.
بس ماما قالت إن الأرض بتاعتنا.
يوسف ابتسم ابتسامة هادية.
الأمهات ساعات بتقول كلام عشان تطمن ولادها.
وقبل ما تكمل كلامها، ظهر مايكل من آخر السلم.
غريبة.
يوسف لف له.
حضرتك مين؟
الشخص اللي هيطلب منك تبعد عن البنت دي لحد ما نراجع المستندات.
يوسف ضحك.
وأنت مالك؟
مايكل رد بهدوء
مالي إني مش هسمح لحد يستغل طفلة مش فاهمة في القانون.
يوسف اتغيرت ملامحه.
إنت فاكر إن الفلوس تخليك تشتري كل حاجة؟
مايكل ابتسم.
لأ. بس الفلوس بتخليني أقدر أجيب أفضل محامين، وأخلي كل ورقة تتراجع كويس.
يوسف سكت لحظات، ثم أخذ نفسًا وقال
هنشوف.
ومشي.
أريانا بصت لمايكل بخوف.
هو هيأخذ البيت؟
لا.
متأكد؟
وعدتك إن محدش هيخرجكم.
في الليلة نفسها، بدأ مايكل والمحامية يراجعوا أوراق والد أريانا القديمة.
وبعد ساعات من البحث، اكتشفوا مفاجأة.
الأرض فعلًا لم تكن مجرد قطعة أرض عادية.
كانت مساحتها كبيرة، وتقع في منطقة ارتفعت أسعارها بشكل ضخم خلال السنوات الأخيرة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في عقد قديم جدًا.
العقد كان مكتوب فيه بوضوح أن والد أريانا لم يبع الأرض.
وإنما كان قد أعطاها لشخص يديرها مؤقتًا لصالح أولاده حتى يبلغوا سن الرشد.
المحامية رفعت رأسها وقالت
لو الورقة دي أصلية، يوسف ملوش حق فيها.
مايكل سأل
والأهم؟
الأرض مسجلة باسم الأطفال كملكية مستقبلية.
سكت مايكل.
ثم قال
يعني أريانا طول الوقت كانت بتعيش في الفقر وهي مش عارفة إن عندها حق ممكن يأمّن مستقبل إخواتها؟
بالضبط.
في اليوم التالي، أخذ مايكل أريانا للمحكمة.
كانت مرعوبة.
أنا مش فاهمة إحنا هنا ليه.
قال لها
عشان حقكم يرجعلكم.
ولو خسرنا؟
مش هنخسر لأننا هنقول الحقيقة ونقدم الأوراق.
دخلوا القاعة.
وبعد مراجعة المستندات، طلب القاضي أصل العقد.
المحامية قدمت نسخة موثقة، ثم قدمت تقريرًا يثبت أن التوقيع الموجود في الورقة التي يستند إليها يوسف يحتاج لفحص.
القاضي قرر وقف أي إجراء على الأرض لحين انتهاء التحقيق.
أريانا خرجت وهي مش مصدقة.
يعني البيت والأرض لينا؟
مايكل ابتسم.
لسه بدري نقول، لكن عندنا فرصة كبيرة.
أريانا بصت له.
إنت ليه بتعمل كل ده؟
مايكل سكت.
لأول مرة، ما لاقاش إجابة جاهزة.
ثم قال
يمكن عشان أول مرة أشوف حد صغير بيحاول يحمي عيلته من غير ما يطلب حاجة لنفسه.
أريانا ابتسمت وسط دموعها.
أنا كنت فاكرة إن يوم اللبن ده كان
مايكل رد
يمكن كان بداية أحسن يوم.
لكن في نفس اللحظة، خرج موظف من المحكمة ونادى على المحامية.
كانت نتيجة الفحص الأولي للتوقيع وصلت.
المحامية قرأت الورقة، ووشها اتغير.