ام باعت بيتها

لمحة نيوز

عبارة
إلى الرجل الذي زرع الحلم وإلى المرأة التي جعلته يكبر.
جلست زينب على الكرسي وبكت.
قال أحمد
البيت ده ليكي.
قالت
وإنتوا؟
إحنا عندنا بيوت.
ثم ضحك محمود
بس البيت ده لازم يفضل بيت العيلة.
نظرت إليهما وقالت
أنا مش عايزة بيت كبير.
عارفين.
أنا كنت محتاجة وجودكم.
اقترب أحمد وقبل رأسها.
وإحنا هنا.
ثم أضاف
وكل مرة نسافر، هنرجع هنا.
في المساء، جلس الثلاثة أمام البيت.
كانت السماء صافية.
قالت زينب
فاكرين أول مرة قلتوا إنكم عايزين تبقوا طيارين؟
قال محمود
أيوه.
كنتوا قاعدين في الحوش القديم.
ضحك أحمد
وكنتِ بتقولي لنا إننا هنطير فوق السحاب.
هزت رأسها
كنت بقولها وأنا خايفة.
سأل محمود
خايفة من إيه؟
قالت
كنت خايفة ماقدرش أحقق حلمكم.
ثم ابتسمت.
لكن ربنا كان أرحم بيا من خوفي.
وفجأة، سمعوا صوت طائرة.
رفع الثلاثة رؤوسهم إلى السماء.
قال أحمد
شايفة يا أمي؟
ابتسمت زينب.
أيوه.
قال محمود
دي الرحلة الأخيرة قبل إجازتنا.
ثم أمسك يدها.
المرة الجاية، إحنا اللي هنستناك على الأرض.
ضحكت زينب
وأنا هستناكم بس المرة دي من غير خوف.
ثم أغلقت عينيها لحظة وقالت
الحمد لله.
كان ذلك أول مرة تشعر فيها زينب أن كل شيء اكتمل.
بيت عاد.
أرض عادت.
ابنان عادا.
وحلم بدأ في غرفة فقيرة
وصل أخيرًا إلى السماء بعد أيام قليلة، كانت زينب جالسة في حديقة البيت الجديد، تسقي شجرة الياسمين التي زرعها أحمد ومحمود.
رن هاتفها.
كان أحمد.
يمّه، حضري نفسك.
ضحكت
تاني مفاجأة؟
المرة دي مختلفة.
يعني إيه؟
هتعرفي لما تيجي.
في المساء، حضرا إليها بملابس الطيارين، لكن هذه المرة لم يأخذاها إلى المطار مباشرة.
توقفا أمام بيت قديم في آخر القرية.
نظرت زينب إلى المكان بدهشة.
قال محمود
تعرفي البيت ده؟
وضعت يدها على صدرها.
ده بيت عم منصور كان جارنا زمان.
قال أحمد
صح.
ثم أشار إلى الباب.
فاكرة ابنه؟
هزت رأسها.
سامح؟
ابتسم محمود
هو دلوقتي مدير مدرسة.
فتحت زينب عينيها بدهشة.
قال أحمد
وإحنا طلبنا منه يساعدنا في حاجة.
دخلوا إلى المدرسة.
كانت هناك مجموعة من الأطفال يجلسون في قاعة صغيرة.
وعندما دخلت زينب، وقفوا جميعًا.
قال طفل صغير
حضرتك الحاجة زينب؟
ابتسمت.
أيوه يا حبيبي.
إحنا سمعنا قصتك.
اقترب طفل آخر وقال
وإحنا نفسنا نبقى طيارين زي ولادك.
نظرت زينب إلى أحمد ومحمود.
قال أحمد
عشان كده قررنا نعمل هنا فصل خاص للطلاب اللي عندهم أحلام كبيرة ومش قادرين يحققوها.
وأضاف محمود
وكل سنة هنختار مجموعة من الأطفال المتفوقين، وندعمهم في التعليم والتدريب.
وضعت زينب يدها على قلبها.
يعني هتخلوا الأطفال دي تحلم؟
قال أحمد
أيوه.
ابتسمت.
يبقى دي أحلى حاجة عملتوها في حياتكم.
جلس الأطفال حولها، وبدأت تحكي لهم عن طفولة ابنيها.
قالت
أحمد كان بيحب يفك أي حاجة يشوفها.
ضحك أحمد
يمّه!
ومحمود كان بيجري ورا أي طيارة يسمع صوتها.
ضحك الأطفال.
ثم سألتهم
مين فيكم نفسه يبقى طيار؟
ارتفعت أيدي

الجميع.
ضحكت زينب.
طب مين نفسه يبقى دكتور؟
ارتفعت أيدٍ أخرى.
ومين نفسه يبقى مهندس؟
ارتفعت أيدٍ كثيرة.
قالت لهم
خلاص من النهاردة، مفيش حد يقول حلمي كبير.
ثم أشارت إلى قلبها.
طول ما عندكوا علم وإصرار، مفيش حلم كبير على ربنا.
في طريق العودة، كان أحمد يقود السيارة، ومحمود بجواره، بينما جلست زينب في الخلف.
قالت فجأة
أحمد.
نعم يا أمي؟
أنا عايزة أطلب منك طلب.
قولي.
لو حصل لي حاجة
قاطعها محمود بسرعة
متقوليش كده.
ابتسمت.
اسمعني بس.
سكتا.
قالت
عايزاكم تكملوا اللي بدأتوه.
قال أحمد
هنكمل.
ساعدوا الناس.
هنساعد.
ومهما وصلتوا، افتكروا إنكم بدأتوا من غرفة صغيرة.
قال محمود
عمرنا ما هننسى.
ثم ساد الصمت.
وبعد لحظات قالت زينب
وبالمناسبة
ضحك أحمد
نعم؟
أنا عايزة أتعلم الكمبيوتر.
التفت محمود إليها بدهشة.
الكمبيوتر؟
أيوه.
ضحك الاثنان.
قال أحمد
بعد عشرين سنة انتظار، قررتي تتعلمي كمبيوتر؟
قالت
ما هو أنا لازم أعرف أخبار المؤسسة بنفسي. مش كل شوية أستنى حد يشرحلي.
ضحكوا جميعًا.
وبالفعل، بدأت زينب تتعلم.
في البداية كانت تضغط على أزرار بالخطأ، وتغلق البرامج، وتتصل بأحمد في منتصف الليل لأنها لم تعرف كيف تفتح الجهاز.
لكنها لم تستسلم.
وبعد أشهر، أصبحت تتابع ملفات الطلاب بنفسها.
وفي يوم، دخل محمود البيت فوجدها جالسة أمام الكمبيوتر.
قال
يمّه، بتعملي إيه؟
قالت بفخر
براجع أسماء الطلاب الجدد.
ثم نظرت إليه وقالت
وواحد منهم محتاج مساعدة إضافية.
ضحك محمود
خلاص، بقيتي مديرة المؤسسة.
رفعت رأسها وقالت
لا أنا أم الطيارين بس.
لكن بعد فترة، أصبح الجميع داخل المؤسسة ينادونها
الحاجة زينب صاحبة الجناح الأول.
وبعد عام كامل، أقيم حفل كبير لتخريج أول دفعة من الطلاب الذين دعمتهم المؤسسة.
وقفت زينب في الصف الأول.
صعد أحد الطلاب إلى المسرح، وكان يحمل شهادة تخرجه.
قال
من سنة، كنت فاكر إن حلمي انتهى.
ثم نظر إليها.
النهارده أنا أول واحد في عيلتي يدخل مجال الطيران.
صفق الجميع.
ثم قال
والحاجة زينب قالت لي يوم ما قابلتها ما تخليش ظروفك تحدد مستقبلك.
ابتسمت زينب.
وعندما انتهى الحفل، جاء أحمد ومحمود ووقفا بجوارها.
قال أحمد
شفتي يا أمي؟
شوفت.
دي ثمرتك.
هزت رأسها.
لأ.
ثم نظرت إلى الطلاب.
دي ثمرتكم أنتم.
وفي طريق عودتهم، مرت طائرة في السماء.
قال محمود
المرة دي مش هنبص للطائرة ونحلم.
قال أحمد
إحنا هنطلع لها.
ضحكت زينب وقالت
وأنا؟
قالا في نفس اللحظة
إنتِ الجناح الأول.
ضحكت زينب، ورفعت عينيها للسماء.
لم تكن المرأة التي باعت بيتها وأرضها من أجل حلم ابنيها فقط.
لقد أصبحت سببًا في أن أحلام عشرات الأسر لم تعد تموت بسبب الفقر.
وفي تلك الليلة، جلست أمام صورة زوجها وقالت
شوفت يا أبو أحمد؟
ثم ابتسمت
ولادك ما بقوش طيارين بس
بقوا سبب إن ناس تانية تطير.
وأغلقت الصورة وهي مطمئنة.
لأنها أخيرًا فهمت أن بعض التضحيات لا تنتهي عند أصحابها
بل تمتد لتصنع
مستقبلًا لأجيال كاملة مرت خمس سنوات أخرى.
كبرت المؤسسة، وأصبح اسم زينب معروفًا بين الطلاب والأهالي، لكنها ظلت كما هي؛ تجلس في الصباح أمام شجرة الياسمين، تشرب الشاي، وتنتظر مكالمات ابنيها.
وفي أحد الأيام، عاد أحمد ومحمود من سفر طويل.
لكن هذه المرة كان معهما صندوق خشبي كبير.
قالت زينب
هو أنا كل ما أشوف صندوق أفتكر إن فيه مفاجأة؟
ضحك أحمد
المرة دي فعلًا فيه حاجة مهمة.
فتح محمود الصندوق.
كانت بداخله لوحة كبيرة عليها صورة زينب وهي ترفع رأسها للسماء.
وتحت الصورة كُتب
إلى الحاجة زينب التي علمتنا أن التضحية جناح، والأمل طائرة، والأم وطن.
سكتت زينب طويلًا.
قال أحمد
دي هتتحط في مدخل المؤسسة.
هزت رأسها.
أنا مش مستاهلة كل ده.
قال محمود
إنتِ أكتر واحدة مستاهلاه.
ثم أخرج ورقة أخرى.
قال
وفي حاجة تانية.
فتحت زينب الورقة.
كانت دعوة رسمية لحفل كبير في الخارج، لتكريم المؤسسة ومؤسسيها.
قال أحمد
عايزينك تسافري معانا.
اتسعت عيناها.
أنا؟ خارج مصر؟
ضحك محمود
أيوه.
بس أنا عمري ما سافرت بالطائرة لوحدي.
قال أحمد
ومش هتسافري لوحدك.
ثم ابتسم
إحنا هنكون جنبك.
وبعد أيام، كانت زينب في المطار.
هذه المرة لم تكن خائفة.
كانت تمشي بين الطائرات وهي تبتسم.
قال محمود
فاكرة أول مرة ركبتي فيها؟
قالت
كنت مرعوبة.
ضحك أحمد
ودلوقتي؟
رفعت رأسها نحو الطائرة وقالت
دلوقتي أنا عارفة مين اللي سايقها.
ضحك الثلاثة.
أثناء الرحلة، جلست زينب بجوار النافذة.
كانت السحب تحتها، والسماء ممتدة بلا نهاية.
تذكرت الغرفة الصغيرة.
وتذكرت الشمعة.
وتذكرت زوجها.
وتذكرت اليوم الذي باعت فيه البيت.
ثم ابتسمت.
قال أحمد
بتعيطي ليه؟
مسحت دموعها.
مش بعيط.
قال محمود
دي دموع.
قالت
دي دموع فرحة.
ثم أضافت
أنا زمان كنت ببص للطائرة من تحت وأقول يا رب ولادي يركبوها.
ونظرت من النافذة.
دلوقتي أنا فوق السحاب معاهم.
وصلوا إلى الحفل.
وعندما صعد أحمد ومحمود إلى المسرح، فوجئا بأن مقدم الحفل أعلن
قبل أن نكرم الطيارين، نريد أن نكرم الإنسانة التي بدأت الحكاية كلها.
نزل الاثنان من على المسرح، وأخذا والدتهما إلى المنصة.
وقف الجمهور احترامًا لها.
قال المقدم
الحاجة زينب، هل لديك كلمة؟
وقفت أمام الميكروفون.
نظرت إلى أحمد ومحمود.
ثم قالت
أنا مش عارفة أتكلم قدام ناس كتير.
فضحك الحضور بلطف.
ثم أكملت
أنا ست عادية جدًا.
هزت رأسها.
لا عندي تعليم كبير، ولا كان عندي فلوس.
ثم نظرت إلى الجمهور
لكن كان عندي ولاد بيحلموا.
سكتت لحظة.
وكل أم وأب هنا عنده أولاد، عايزة أقول لهم حاجة
اقتربت من الميكروفون.
ما تقتلش حلم ابنك لمجرد إن الطريق صعب.
ثم أضافت
ساعده على قد ما تقدر، ولو مش قادر تساعده بالفلوس، ساعده بالكلمة، بالتشجيع، وبإنك تخليه يصدق نفسه.
تعالت التصفيقات.
وفي نهاية كلمتها قالت
وأنا لو رجع بيا الزمن عشرين سنة، وكنت هبيع البيت والأرض مرة تانية علشان ولادي، كنت هعمل نفس
الحاجة.
نظر إليها أحمد ومحمود والدموع في أعينهما.
بعد الحفل، اقترب منها أحد كبار المسؤولين وقال
حضرتك تستحقي لقبًا أكبر من الحاجة زينب.
ضحكت وقالت
أنا اسمي زينب وخلاص.
قال
لا من النهارده اسمك عندنا الجناح الأول.
ابتسمت.
وفي طريق العودة إلى الفندق، سألها محمود
لو طلبنا منك أمنية واحدة، تتمني إيه؟
فكرت قليلًا.
ثم قالت
نفسي أشوف المؤسسة دي تكبر بعد ما أمشي.
ساد الصمت.
قال أحمد
هتكبر وإنتِ موجودة.
هزت رأسها
محدش بيعيش للأبد يا ابني.
ثم أمسكت بيديهما.
بس العمل الصالح ممكن يعيش.
قال محمود
وإنتِ عملتي كتير.
ابتسمت.
لأ إحنا لسه في البداية.
وفي صباح اليوم التالي، وصلهم خبر من مصر.
كان أحد الطلاب الذين حصلوا على منحة قد نجح في اختبار الطيران النهائي، وأصبح مؤهلًا للعمل كطيار.
اتصل به أحمد.
قال الشاب
أول ما استلمت النتيجة، رحت عند أمي.
ثم ضحك
وقلت لها ابنك بقى طيار.
نظر أحمد إلى أمه.
كانت زينب تسمع المكالمة.
فبكت.
قال محمود
إيه يا أمي؟
قالت
افتكرت يوم أحمد قال لي يمّه، نفسي أبقى طيار.
ثم ابتسمت
سبحان الله حلم واحد بدأ في بيت صغير، وبقى دلوقتي أحلام ناس كتير.
وفي تلك الليلة، وقفت زينب أمام نافذة الفندق.
كانت تنظر إلى الطائرات البعيدة.
لكنها هذه المرة لم تعد ترى مجرد طائرات.
كانت ترى وجوهًا.
وجوه أحمد ومحمود.
وجوه الطلاب.
ووجه زوجها.
ورأت نفسها منذ عشرين عامًا، وهي تحمل همّ الغد ولا تعرف ماذا سيحدث.
ابتسمت وقالت
الحمد لله.
ثم همست
دلوقتي فهمت ليه ربنا خلاني أبدأ من الصفر.
لأنها لو لم تبدأ من الصفر
ربما لم تكن لتعرف أبدًا أن الإنسان يستطيع أن يبني من تضحيته جناحين، ويحلق بهما أبعد مما كان يتخيل.
وفي صباح اليوم التالي، عادت زينب إلى مصر.
وكان أحمد ومحمود ينتظرانها عند باب المطار.
احتضنتهما وقالت
رجعت.
قال أحمد
وإحنا كنا مستنيينك.
ابتسمت
زي زمان؟
قال محمود
لأ.
أمال إيه؟
قال
زمان كنتِ إنتِ اللي بتستني رجوعنا.
ثم أمسك يدها.
دلوقتي إحنا اللي هنفضل مستنيين رجوعك.
ضحكت زينب.
ولأول مرة منذ عشرين عامًا، شعرت أن الانتظار أصبح شيئًا جميلًا
لأنها لم تعد تنتظر وحدها مرت ثلاث سنوات أخرى، وأصبحت زينب في الثانية والسبعين من عمرها.
لم تعد تعمل، ولم يعد مسموحًا لها أن تحمل شيئًا ثقيلًا، لكن عقلها ظل حاضرًا، وقلبها متعلقًا بالمؤسسة والطلاب.
كان أحمد ومحمود يصران أن تبقى معهما في كل مناسبة.
وفي صباح يوم جمعة، دخل أحمد إلى غرفتها وقال
يمّه، البسي أحسن حاجة عندك.
ضحكت
هو في فرح ولا إيه؟
قال
تقريبًا.
دخل محمود وهو يخفي ابتسامته.
النهاردة يوم مهم.
قالت
فهموني بقى.
أمسك أحمد يدها.
النهاردة هنفتتح أول مركز تدريب كبير للمؤسسة.
فرحت زينب.
يعني كبرتوا المشروع؟
قال محمود
المشروع كبر لوحده بسببك.
ذهبوا جميعًا إلى المركز.
عندما وصلت، وجدت مئات الطلاب والأهالي في انتظارها.
وعلى باب المركز كانت هناك لافتة ضخمة
أكاديمية
الجناح الأول باسم الحاجة زينب.
توقفت أمام اللافتة.
قالت
ليه سميتوه باسمي؟
قال أحمد
لأن أي طالب يدخل من الباب ده لازم يعرف إن الطريق بدأ من أم فقيرة صدقت حلم ولادها.
وضعت زينب يدها على اللافتة، ولم تستطع منع دموعها.
ثم دخلت.
كان المكان يحتوي على فصول حديثة، أجهزة تدريب، قاعات محاكاة، ومكتبة كبيرة.
لكن أكثر شيء لفت نظرها كان جدارًا مليئًا بصور الطلاب الذين حصلوا على المنح.
وبجانب كل صورة، كانت

تم نسخ الرابط