ام باعت بيتها

لمحة نيوز

ببص للسما وأقول يا رب يفضلوا دايمًا بخير.
اقترب أحمد وقبّل يدها.
إنتِ اللي علمتينا نطير يا أمي.
ابتسمت زينب.
وفي تلك اللحظة فهمت أن أعظم طائرة لم تكن التي أقلعت بها مع ابنيها
بل الحلم الذي حملته امرأة فقيرة فوق كتفيها عشرين عامًا، حتى أصبح حقيقة مرت عدة أسابيع، وبدأت زينب تتعود من جديد على بيتها القديم.
لكن أحمد ومحمود لم يتركاها تعيش وحدها كما كانت تفعل طوال السنوات الماضية.
كان أحمد يتصل بها كل صباح قبل أن يبدأ رحلته، ومحمود يتصل بها كل مساء.
وفي إحدى الليالي، قال محمود
يمّه، بكرة عندنا إجازة يومين حضّري نفسك.
ضحكت زينب
رايحين فين؟
مش هقولك.
وفي الصباح، فوجئت بسيارة تقف أمام البيت.
نزل منها أحمد ومحمود، ثم طلبا منها أن تركب معهما.
بعد ساعة تقريبًا، توقفت السيارة أمام مبنى كبير.
رفعت زينب رأسها وقالت
هو إحنا فين؟
أمسك أحمد يدها وقال
المكان ده ليه علاقة بأول يوم بدأنا فيه نحلم بالطيران.
دخلوا المبنى، فوجدت قاعة كبيرة مليئة بالطلاب الذين يرتدون ملابس التدريب.
تقدمت زينب ببطء، حتى وجدت صورة كبيرة معلقة على الحائط.
كانت صورتها.
تحتها لوحة مكتوب عليها
من هنا بدأ الحلم الحاجة زينب، أم طيارين.
توقفت مكانها.
إيه ده؟
قال محمود
دي مؤسسة تعليمية صغيرة عملناها علشان نساعد الشباب اللي عندهم حلم زي حلمنا، لكن ظروفهم المادية تمنعهم.
وأضاف أحمد
هنقدم لهم منح تدريبية، وهنساعدهم يكملوا طريقهم.
وضعت زينب يدها على الصورة وهي تبكي.
ليه عملتوا كده؟
قال أحمد
لأنك علمتينا إن الفقر ممكن يمنع الإنسان من حاجات كتير لكن ماينفعش يمنعه من الحلم.
اقترب أحد الطلاب منها وقال
يا حاجة زينب، أنا كنت فاكر إني مش هقدر أكمل دراستي بسبب المصاريف. لما سمعت قصتك، إخواتك الطيارين قالوا لي إن المنحة دي باسمك.
نظرت زينب إلى ابنيها.
ثم قالت
يعني اللي عملته زمان هيكمل مع ناس تانية؟
ابتسم محمود
أيوه يا أمي.
جلست زينب وسط الطلاب، وظلت تحكي لهم عن الأيام التي كانت تعمل فيها حتى آخر الليل، وعن الشمعة التي كان أحمد ومحمود يذاكران على ضوئها، وعن البيت الذي باعته وهي تبكي.
لكنها قالت لهم في النهاية
أوعوا تقولوا إن اللي معاه فلوس هو بس اللي يقدر يحلم. أنا كنت فقيرة جدًا، لكن كان عندي ولاد بيحلموا وكنت مستعدة أتعب علشانهم.
صفق الجميع.
وفي طريق العودة، كانت زينب صامتة.
سألها أحمد
سرحانة في إيه؟
قالت
بفكر في أبوكم.
ليه؟
ابتسمت وقالت
لو كان عايش وشافكم النهارده كان قلبه هيقف من الفرحة.
أمسك محمود يدها.
إحنا عمرنا ما نسينا إنه هو اللي بدأ البيت ده.
وبعد أيام، قرر أحمد ومحمود أن يأخذاها إلى المقابر لزيارة والدهم.
وقفت زينب أمام قبر زوجها، وبجانبها ابناها بزي الطيارين.
قالت وهي تنظر إلى القبر
فاكر لما كنت بتقول لي إن الولدين دول هيبقوا حاجة كبيرة؟
ثم ضحكت وسط دموعها.
كنت بتقولها وإنت مش معاك تمن كتاب المدرسة

حتى.
جلس أحمد أمام القبر وقال
بس أمي صدقتك.
وأضاف محمود
وإحنا كمان صدقناها.
وبعد لحظات من الصمت، قالت زينب
أنا كنت فاكرة إن أكبر فرحة في حياتي هتبقى يوم أشوفكم طيارين.
ثم نظرت إليهما.
طلعت أكبر فرحة يوم شفتكم رجعتوا لي.
احتضنها أحمد من جانب، ومحمود من الجانب الآخر.
وفي طريقهم إلى البيت، مرت طائرة فوق السيارة.
رفعت زينب رأسها إليها.
لكن هذه المرة لم تقل
يمكن أحمد يمكن محمود.
بل ابتسمت وقالت
دول ولادي وأنا عارفة إنهم بخير.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد زينب مجرد أم لطيارين.
أصبحت قصتها تُحكى لكل شاب يدخل المؤسسة الجديدة، وكل واحد منهم كان يعرف أن وراء نجاح أحمد ومحمود امرأة باعت كل ما تملك، لكنها لم تبع حلمها أبدًا.
وبعد سنوات، عندما سأل أحد الصحفيين أحمد
مين صاحب الفضل الحقيقي في نجاحك؟
نظر أحمد إلى أمه الجالسة في الصف الأول وقال
الست دي.
ثم أضاف
أمي ماعلمتنيش أطير بس أمي علمتني إن الإنسان ممكن يبدأ من تحت الصفر، ويوصل للسماء، لو لقى حد يؤمن بيه.
صفق الجميع.
أما زينب فابتسمت ومسحت دمعة نزلت من عينها.
كانت قد خسرت بيتًا منذ عشرين عامًا
لكنها في النهاية ربحت بيتًا أكبر داخل قلوب أبنائها، وربحت عشرات الشباب الذين أصبح حلمهم ممكنًا بسبب تضحية أم واحدة.
وعندما عادت إلى بيتها تلك الليلة، فتحت نافذتها ونظرت إلى السماء.
كانت طائرة بعيدة تعبر فوقها.
ابتسمت وقالت
الحمد لله ولادي وصلوا للسما، ورجعوا لي سالمين.
ثم أغلقت النافذة، وذهبت للنوم وهي لأول مرة منذ عشرين عامًا
لا تنتظر طرقًا على الباب مرت السنوات، وأصبحت زينب تعيش أيامًا هادئة لم تعرفها منذ وفاة زوجها.
لكن أحمد ومحمود كانا كلما حصلا على إجازة، يعودان إليها مهما كانت المسافة.
وفي أحد الأيام، وصل أحمد إلى البيت وحده.
فتحت له زينب الباب، ولاحظت أن وجهه يحمل شيئًا من القلق.
قالت
مالك يا ابني؟
جلس بجوارها وقال
محمود اتعرض لموقف صعب أثناء إحدى الرحلات.
ارتجف قلبها.
حصله إيه؟
أمسك يدها بسرعة
اطمني يا أمي، هو بخير.
تنفست زينب الصعداء.
أمال إيه اللي حصل؟
قال أحمد
حصل عطل مفاجئ في الطائرة، واضطر يتعامل مع الموقف بسرعة. الحمد لله الرحلة انتهت بسلام، وكل الركاب نزلوا بخير.
وضعت زينب يدها على صدرها.
يا رب لك الحمد.
ثم قالت
بس أنا مش عايزة أعرف تفاصيل تانية.
ضحك أحمد
ليه؟
كفاية عليا اللي عشته وأنا مستنياكم عشرين سنة.
وبعد ساعات، وصل محمود بنفسه.
ما إن رأته زينب حتى احتضنته بشدة.
الحمد لله إنك رجعت.
ابتسم محمود
قولتلك يا أمي، أنا وعدتك أرجعلك.
ثم أخرج من حقيبته ظرفًا صغيرًا.
وده ليكي.
فتحته زينب، فوجدت صورة قديمة جدًا لها مع أحمد ومحمود وهما طفلان.
سألت
الصورة دي جبتها منين؟
قال
كانت آخر صورة لينا قبل ما تبيعي البيت.
ثم أخرج صورة أخرى حديثة.
كانت تجمعهم الثلاثة أمام البيت القديم.
قال
حبيت أحطهم جنب بعض.
نظرت زينب إلى الصورتين
طويلًا.
في الأولى كان ولداها طفلين حافيي القدمين، بثياب بسيطة وعيون مليئة بالأحلام.
وفي الثانية كانا رجلين بزي الطيارين، يقفان بجوارها وهي تبتسم بفخر.
قالت
سبحان الله السنين جريت.
رد أحمد
بس إنتِ فضلتي زي ما إنتِ.
ضحكت
لا يا ابني، أنا شعري كله بقى أبيض.
قال محمود
الشعر أبيض بس القلب لسه زي زمان.
وفي تلك الليلة، اجتمع الثلاثة حول مائدة الطعام.
كانت زينب قد أعدت لهم الأكلات التي كانوا يحبونها في طفولتهم.
نظر أحمد إلى الأطباق وقال
فاكرة الفطير ده؟
ضحكت
كنت بعمله لكم وأقول لكم إني مش جعانة.
ساد الصمت للحظات.
قال محمود
كنا عارفين يا أمي.
نظرت إليه بدهشة.
عرفتوا إمتى؟
لما كبرنا.
خفضت زينب عينيها.
المهم إنكم شبعتوا.
أمسك أحمد يدها وقال
وإحنا عمرنا ما هننسى إنك كنتِ بتجوعي علشان إحنا نشبع.
ثم وضع أمامها صندوقًا آخر.
قال
بس المرة دي مش بيت ولا أرض.
فتحت زينب الصندوق، فوجدت داخله دفترًا.
ده إيه؟
قال محمود
حساب خاص باسمك.
نظرت إليه باستغراب.
حساب إيه؟
إحنا خصصنا جزءًا من دخلنا شهريًا لحد آخر العمر، علشان تعيشي من غير ما تحتاجي لأي حد.
رفعت زينب رأسها وقالت
يا ولادي، أنا مش محتاجة فلوس.
قال أحمد
عارفين.
ثم ابتسم
بس إحنا محتاجين نحس إننا بنعمل حاجة بسيطة من اللي عملتيه عشانا.
سكتت زينب، ثم قالت
طيب عندي طلب.
قولي.
ما تصرفوش فلوسكم كلها عليا.
ضحك الاثنان.
أمال نصرفها في إيه؟
قالت
في الناس اللي ظروفها زي ظروفنا زمان.
نظر الاثنان إلى بعضهما.
قال محمود
كنت متوقع إنك هتقولي كده.
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة.
وسع أحمد ومحمود المؤسسة التي أسساها، وأصبحا يساعدان عددًا أكبر من الطلاب الذين يحلمون بالطيران.
وبعد فترة، صار أحد الطلاب الذين حصلوا على منحة يحقق حلمه ويصبح طيارًا.
وفي يوم تخرجه، وقف أمام زينب وقال
لولا حضرتك، ماكنتش وصلت لهنا.
ابتسمت وقالت
لأ يا ابني، أنا ساعدتك بس. اللي وصلك هو تعبك وإصرارك.
ثم أضافت
وخلي بالك لما تنجح، ماتنساش اللي لسه واقف في أول الطريق.
نظر إليها الشاب وقال
أوعدك.
وفي طريق عودتها مع ابنيها، نظرت زينب من نافذة السيارة إلى السماء.
قال محمود
بتفكري في إيه؟
قالت
بفكر إن الواحد ساعات يفتكر إنه لما يدي حاجة غالية، بيخسر.
سألها أحمد
وإنتِ خسرتي إيه؟
ابتسمت وقالت
البيت والأرض وسنين كتير من عمري.
ثم نظرت إليهما.
لكن ربنا رجعهم لي في صورة أحلى.
قال أحمد
إزاي؟
وضعت يدها على أيديهما وقالت
رجع البيت ورجعت الأرض ورجعتوا إنتوا.
ثم أضافت وهي تضحك
والأهم إنكم بقيتوا طيارين ولسه بتسمعوا كلام أمكم!
ضحك الثلاثة معًا.
وفي تلك اللحظة، مرت طائرة فوقهم.
رفع أحمد رأسه وقال
بصي يا أمي.
رفعت زينب رأسها.
دي طيارتنا.
ابتسمت وقالت
لا يا ابني
ثم أمسكت بيديهما.
دي مش طيارتكم لوحدكم.
دي أول طيارة حلمنا بيها سوا وإحنا قاعدين في أوضة صغيرة، من غير بيت ولا أرض ولا فلوس.
وسكتت
لحظة قبل أن تقول
بس كان عندنا حاجة أهم من كل ده
سأل محمود
إيه؟
ابتسمت زينب
كان عندنا بعض.
وظلت الطائرة تعبر السماء، بينما كانت زينب تنظر إليها بعينين ممتلئتين بالرضا.
لم تعد تنتظر عودة أبنائها.
لأنها أخيرًا أدركت أن الاثنين لم يعودا إليها فقط
بل عاد معها كل العمر الذي ظنت يومًا أنها فقدته بعد مرور عام، كانت مؤسسة أحمد ومحمود قد توسعت بشكل كبير.
لم تعد تقدم منحًا لطلاب الطيران فقط، بل أصبحت تساعد أبناء الأسر البسيطة في الدراسة والتدريب، لأن أحمد كان دائمًا يقول
أمي ماوقفتش معانا علشان نبقى طيارين بس وقفت معانا علشان مانفضلش أسرى لظروفنا.
وفي أحد الأيام، تلقى أحمد اتصالًا من إدارة المطار.
قال له المسؤول
عندنا تكريم خاص لوالدتك، وعايزينكوا تحضروه من غير ما تعرف.
ضحك أحمد
هي لو عرفت، هتبوظ المفاجأة علينا.
وبالفعل، في يوم الحفل، أخبر أحمد أمه أنهما سيذهبان إلى المطار لمقابلة بعض المسؤولين.
وصلت زينب وهي ترتدي جلبابها البسيط وطرحتها القديمة التي كانت تحبها.
لكنها ما إن دخلت القاعة حتى وجدت مئات الأشخاص واقفين.
على المسرح كانت هناك شاشة كبيرة تعرض صورًا قديمة لها.
صورة وهي تبيع الطعام.
صورة للغرفة الصغيرة التي عاشوا فيها.
صورة أحمد ومحمود وهما طفلان.
ثم ظهرت صورتهما وهما يرتديان زي الطيارين.
وضعت زينب يدها على فمها.
قال أحمد
دي مش حفلة تكريم لينا يا أمي.
ثم أمسك يدها.
دي حفلة تكريم ليكي.
صعدت زينب إلى المسرح وسط تصفيق طويل.
قدم لها مدير المطار درعًا مكتوبًا عليه
إلى الحاجة زينب الجناح الأول.
قرأت الكلمات أكثر من مرة، ثم قالت
أنا مش فاهمة ليه بتعملوا كل ده.
ضحك محمود
علشان لأول مرة في حياتك تسمعي كلمة شكر بدل ما تكوني إنتِ اللي بتشكري الناس.
ضحك الحضور.
ثم اقترب أحد الطلاب الذين حصلوا على منحة من المؤسسة.
قال
يا حاجة زينب، أنا عايز أقولك حاجة.
نظرت إليه.
اتفضل يا ابني.
أمي كانت عايزة تخرجني من التعليم علشان المصاريف. أنا كنت فاكر إن حلمي انتهى. لكن المنحة اللي أخدتها باسمك غيرت حياتي.
ثم قال
دلوقتي أنا اتقبلت في أكاديمية الطيران.
صفقت زينب وهي تبكي.
ربنا يوفقك يا ابني.
ثم اقترب طالب آخر، ثم آخر.
كل واحد منهم كان يحمل قصة مختلفة، لكن جميعهم اتفقوا على شيء واحد
أن فرصة صغيرة غيرت حياتهم.
وقفت زينب في منتصف المسرح، ولم تعد قادرة على الكلام.
فقال أحمد
يمّه، قولي لهم أي حاجة.
مسحت دموعها وقالت
أنا مش عارفة أقول إيه.
ثم نظرت إلى الطلاب
بس عايزة أقولكم حاجة واحدة لو ربنا فتحلكوا باب، افتحوه لغيركم.
صفق الجميع.
وبعد انتهاء الحفل، أخذ أحمد ومحمود أمهما إلى الخارج.
كانت هناك سيارة تنتظرهم.
سألت زينب
رايحين فين تاني؟
قال محمود
لسه المفاجأة مخلصتش.
تحركت السيارة حتى وصلت إلى قريتها القديمة.
وقفت زينب أمام مكان بيتها القديم.
لكنها فوجئت بشيء لم تتوقعه.
كان هناك مبنى جديد
مقام على الأرض.
سألت بدهشة
ده إيه؟
قال أحمد
بيتك.
نظرت إليه.
بيتي؟
أيوه.
فتح الباب.
كان المنزل مصممًا على شكل البيت القديم، لكن بشكل أوسع وأجمل، وفي الحديقة شجرة ياسمين كبيرة.
قال محمود
حاولنا نخليه شبه البيت اللي أبويا بناه بإيده.
دخلت زينب، ولمست الجدران.
في إحدى الغرف، وجدت صورة كبيرة لزوجها.
تحتها

تم نسخ الرابط