ام باعت بيتها

لمحة نيوز

أم باعت بيتها وقطعة الأرض الوحيدة التي تملكها لتجعل من ابنيها طيّارين، وعاشت عشرين عامًا في غرفة صغيرة تنتظر عودتهما، حتى طرق بابها ذات صباح رجلان يرتديان زي الطيارين، ليأخذاها بعدها إلى مكان لم يخطر ببالها يومًا.
كانت تُدعى الحاجة زينب، أرملة في السادسة والخمسين من عمرها، تعيش في حي بسيط على أطراف المنصورة، في بيت صغير بناه زوجها الراحل حجرًا حجرًا بعرق جبينه، قبل أن يفارق الحياة في حادث عمل ويتركها وحدها مع طفلين صغيرين وحلم أكبر بكثير من فقرهم.
كان لها ولدان فقط، أحمد ومحمود، طفلان ذكيان تعلق نظرهما دائمًا بالسماء، فكلما مرت طائرة فوق البيت خرجا إلى الفناء الصغير وظلا يتابعانها بأعينهما حتى تختفي عن الأنظار.
بعد رحيل زوجها، لم يبقَ لها سوى البيت وقطعة أرض صغيرة في طرف البلدة، إلى جانب ديون وصلت أسرع من العزاء نفسه، فلم تجد زينب وقتًا كافيًا للبكاء كما ينبغي، لأن الجوع لا ينتظر دموع الأرامل.
كانت تستيقظ كل يوم قبل الفجر، تعجن الفطير وتجهز الشاي والجبنة والبيض المسلوق، ثم تحمل صينية كبيرة وتتجه إلى موقف السيارات لتبيع للعمال والطلاب، وتعود في آخر النهار بقدمين متورمتين ويدين متشققتين.
كانت أحيانًا لا تأكل، تاركة آخر رغيف لأحمد ومحمود، وتقول لهما أنا كليت عند الجيران، بينما كانت الحقيقة أن معدتها فارغة وقلبها ممتلئ بالخوف عليهما.
في الليل، حين تنقطع الكهرباء بسبب تأخر الفواتير، كان الولدان يذاكران على ضوء شمعة صغيرة، بينما كانت هي تخيط ملابس الجيران بجوارهما، تقاوم النعاس حتى لا يشعرا بتعبها.
وفي إحدى الليالي، رفع أحمد رأسه من كتابه وقال يمّه، أنا نفسي أبقى طيار.
فضحك محمود وأضاف بسرعة وأنا كمان، نفسي أسوق طيارة كبيرة ونلف بيكي الدنيا كلها.
توقفت إبرة الخياطة في يد زينب، لأن كلمة طيار كانت أكبر بكثير من بيتهم، وأكبر من دخلها، وأكبر من كل ما تملكه في هذه الحياة.
لكنها ابتسمت رغم الخوف الذي يعتصر قلبها وقالت هتطيروا يا ولادي وربنا يقدرني وأشوفكم فوق السحاب.
وحين نجحا في الثانوية وقُبلا في أكاديمية طيران خاصة، وقفت زينب أمام المصاريف كمن يقف أمام جبل مستحيل الصعود. لم تكن تملك المبلغ، ولا نصفه، ولا حتى ربعه.
في تلك الليلة، جلست أمام صورة زوجها الراحل وقالت وهي تبكي سامحني يا أبو أحمد هبيع البيت والأرض، بس مش هبيع حلم ولادنا.
وبالفعل، باعت البيت الذي عاشت فيه أجمل أيامها وأصعبها، وباعت قطعة الأرض التي كانت آخر أثر لزوجها، وانتقلت مع ولديها إلى غرفة صغيرة فوق سطح بيت قديم قريب من السوق.
سألها محمود بدموع هنعيش فين يا أمي؟
فوضعت يدها على وجهه وقالت في أي حتة يا حبيبي المهم إنكوا تكملوا.
كانت الغرفة ضيقة، سقفها يسرب الماء وقت المطر، وحمامها مشترك مع ثلاث عائلات، لكنها بالنسبة لزينب كانت أشبه بمدرج طيران صغير، ينطلق منه حلم ابنيها.
زادت من ساعات عملها، فصارت تبيع الطعام صباحًا، وتغسل ملابس الناس بعد الظهر، وتنظف شققًا في الأحياء الراقية مساءً، وفي الليل تخيط حتى تؤلمها عيناها.
تشقق

جلد يديها، وانحنى ظهرها، وشاب شعرها مبكرًا، لكنها كلما رأت أحمد ومحمود يرتديان زي التدريب، نسيت وجعها وقالت تعب النهاردة هيبقى فرحة بكرة.
تخرج أحمد أولًا، ثم لحق به محمود، لكن الطريق لم ينته عند هذا الحد، فقد احتاجا إلى ساعات طيران وتدريب وخبرة وعمل في الخارج، وجاءتهما الفرصة أخيرًا من شركة طيران عربية.
في المطار، يوم سفرهما، احتضنتهما زينب بقوة حتى شعرت وكأنهما عادا طفلين من جديد.
قال أحمد هنرجع يا أمي.
وقال محمود وهو يمسح دموعه أول رحلة نقودها رسمي، إنتِ أول واحدة تركبي معانا.
ضحكت زينب وسط بكائها وقالت أنا مش عايزة غير أشوفكم بخير.
ثم بدأ الانتظار.
عشرون عامًا كاملة، مليئة بمكالمات قصيرة بسبب ضغط العمل والمسافة، ورسائل صوتية كانت تحفظها وتعيد سماعها كل ليلة، وصور تصلها عبر الهاتف بمساعدة ابن الجيران لأنها لم تكن تجيد التعامل مع التكنولوجيا جيدًا.
عشرون عامًا كانت تقضي فيها الأعياد وحدها، تضع طبقين إضافيين على السفرة، ثم تتذكر أنهما ليسا في البيت.
وكلما سمعت صوت طائرة تحلق في السماء، خرجت إلى الشباك ورفعت رأسها وهي تقول يمكن أحمد يمكن محمود.
كبرت زينب، وابيض شعرها بالكامل، وصارت خطواتها بطيئة، لكنها لم تفقد إيمانها بأن تعبها لن يذهب هباءً.
وبعد سنوات طويلة، تمكنت من شراء شقة صغيرة جدًا بالتقسيط من مالها القليل، شقة متواضعة، لكنها كانت تفخر بها قائلة دي بيتي حتى لو أوضة وصالة.
وفي صباح عادي، كانت تكنس أمام باب شقتها، مرتدية جلبابًا بسيطًا وطرحة قديمة، حين سمعت طرقًا على الباب. ظنت أنها جارتها. فتحت الباب، فتجمدت في مكانها.
أمامها وقف رجلان طويلا القامة يرتديان زي الطيارين، قبعتاهما في أيديهما، والشارات الذهبية تلمع على صدريهما، وفي أيديهما باقة ورد أبيض.
قال أحدهما بصوت يرتجف يمّه.
كان أحمد، وبجانبه محمود.
لم تتحرك زينب للحظة، وكأن عقلها رفض أن يصدق أن الولدين اللذين ودعتهما منذ سنوات طويلة، عادا رجلين يقفان أمامها بزي الحلم الذي طالما انتظرته.
ثم وضعت يديها على وجهها وبكت إنتوا رجعتوا؟ بجد رجعتوا؟
احتضناها، وبكى الثلاثة أمام الباب حتى خرج الجيران من شققهم، بعضهم يصفق وبعضهم يبكي، لأنهم كانوا يعرفون جيدًا كم من عمرها ضحّت به هذه المرأة حتى وصل ابناها إلى هذه اللحظة.
قال محمود إحنا رجعنا يا أمي والمرة دي مش هنسيبك.
في اليوم التالي، أخذاها إلى مطار القاهرة الدولي. كانت زينب تمشي ببطء بين الصالات الواسعة، تنظر إلى الطائرات من خلف الزجاج وكأنها تشهد معجزة، وتسأل بخوف طفل صغير أنا هركب الطيارة دي بجد؟
ابتسم أحمد وقال مش هتركبي بس يا أمي النهاردة إنتِ ضيفة الشرف.
وأضاف محمود والرحلة دي باسمك.
لم تفهم زينب المقصود، حتى دخلت الطائرة فوجدت الطاقم بأكمله واقفًا يصفق لها، والركاب ينظرون بدهشة إلى تلك السيدة البسيطة التي يقود ابناها الرحلة من أجلها.
أجلسوها في المقعد الأول، وقدّموا لها باقة ورد، ثم جاء صوت أحمد عبر مكبر الطائرة يقول السادة الركاب، معنا اليوم أعظم امرأة في حياتنا، أمنا
زينب، التي باعت بيتها وأرضها وحياتها حتى نصبح طيارين.
اختنق صوته، فأكمل محمود من بعده هذه الرحلة ليست مجرد رحلة جوية هذه رحلة وفاء لامرأة حملتنا على كتفها حتى وصلنا إلى السماء.
بكت زينب وهي تضع يدها على قلبها، والركاب يصفقون، والدموع تنهمر من عينيها وكأنها تغسل عشرين عامًا من التعب.
لكن أكثر ما لم تتوقعه لم يكن في عودة ابنيها، ولا في الرحلة التي خصصاها لها، ولا حتى في التصفيق الذي ملأ الطائرة، بل حين فتح أحمد صندوقًا صغيرًا أمامها داخل الطائرة وقال يمّه إحنا رجعنالك الحاجة اللي بعتيها عشاننا.
داخل الصندوق كانت مفاتيح البيت القديم، وعقد الأرض التي باعتها قبل عشرين عامًا، بعدما اشتراها ابناها سرًا وأعادا تسجيلها باسمها من جديد.
قال محمود البيت رجع لك يا أمي والأرض رجعت وتعبك عمره ما كان دين نقدر نوفّيه.
أمسكت زينب المفاتيح بيدين ترتجفان، لكنها وجدت ورقة أخرى داخل الصندوق، ورقة قديمة بخط زوجها الراحل، كان قد تركها عند صاحب الأرض قبل وفاته.
فتحتها وقرأت لو عاد البيت إلى زينب يومًا، فاعلموا أن الله لم يُضِع تعبها وأخبروا ولديّ أن أمهما هي الجناح الأول في كل طائرة يقودانها.
انهارت زينب بالبكاء، والطائرة تستعد للإقلاع، وهي تسأل نفسها هل كانت تبيع كل شيء يومها لتخسر؟ أم كانت في الحقيقة تشتري لأبنائها طريقًا نحو السماء وطريقًا يعيدها هي إلى كرامتها من جديد؟كانت الحاجة زينب أرملة بسيطة تعيش في إحدى قرى الدقهلية، ولم يكن في حياتها بعد وفاة زوجها سوى ابنيها أحمد ومحمود.
منذ طفولتهما، كانا يحلمان بأن يصبحا طيارين. وكلما مرت طائرة فوق بيتهم الصغير، كانا يخرجان إلى الحوش وينظران إليها طويلًا.
وفي يوم قال أحمد
يمّه، نفسي أبقى طيار.
ضحك محمود وقال
وأنا كمان وهخليكي تركبي معايا أول طيارة أسوقها.
ابتسمت زينب، رغم أنها كانت تعرف أن حلمهما أكبر من إمكانياتها بكثير.
كانت تعمل من الفجر حتى الليل. تبيع الطعام للعمال والطلاب صباحًا، وتغسل الملابس بعد الظهر، وتخيط ملابس الجيران ليلًا. وكانت أحيانًا تنام جائعة حتى توفر ثمن الطعام لابنيها.
وعندما نجحا في الثانوية وقُبلا في أكاديمية الطيران، وقفت زينب أمام المصاريف عاجزة.
لم يكن أمامها سوى بيتها وقطعة أرض صغيرة تركها لها زوجها.
جلست أمام صورته وقالت والدموع في عينيها
أنا عارفة إن ده كل اللي فاضل لنا بس حلم ولادنا يستاهل.
وباعت البيت والأرض.
انتقلت مع ابنيها إلى غرفة صغيرة فوق سطح منزل قديم، وعاشت هناك سنوات طويلة وهي تعمل بكل ما تستطيع حتى تكمل مصاريف دراستهما.
تخرج أحمد أولًا، ثم محمود.
وبعد التخرج، حصل الاثنان على فرص للعمل في شركة طيران خارج البلاد.
وفي يوم سفرهما، احتضنتهما زينب وقالت
ربنا يحفظكم يا ولادي أنا مش عايزة من الدنيا غير أشوفكم ناجحين.
قال أحمد
هنرجعلك يا أمي.
وقال محمود
وأول طيارة نقودها رسمي، إنتِ أول واحدة هتركبيها.
سافرا، وبدأت السنوات تمر.
عشر سنوات
ثم خمس عشرة
ثم عشرون عامًا.
كانت زينب تعيش وحدها، تضع أحيانًا طبقين إضافيين على المائدة
من شدة اشتياقها إليهما، ثم تبتسم لنفسها وتقول
أصل يمكن يرجعوا فجأة.
كلما سمعت صوت طائرة فوق شقتها، كانت تخرج إلى النافذة وترفع رأسها للسماء.
يا ترى أحمد ولا محمود؟
كبرت زينب، وابيض شعرها، وأصبحت خطواتها بطيئة، لكنها كانت فخورة بابنيها.
وفي صباح يوم هادئ، كانت تكنس أمام باب شقتها حين سمعت طرقًا.
فتحت الباب
وتوقفت أنفاسها.
كان أمامها رجلان يرتديان زي الطيارين.
قبعتان في أيديهما، وشارات ذهبية على كتفيهما، وباقة ورد في يد كل واحد منهما.
قال أحدهما بصوت مرتجف
يمّه
شهقت زينب، ثم وضعت يدها على فمها.
أحمد؟
ابتسم الرجل ودموعه تنزل.
أيوه يا أمي.
والرجل الآخر اقترب منها.
ومحمود كمان.
احتضنتهما زينب وهي تبكي، وظلت تردد
رجعتوا رجعتوا لي يا ولادي.
قال محمود
رجعنا ومش هنسيبك لوحدك تاني.
وفي اليوم التالي، اصطحباها إلى المطار.
كانت زينب تمشي بين الصالات وهي تنظر إلى الطائرات بدهشة، وكأنها طفلة ترى عالمًا جديدًا.
قال أحمد
فاكرة وعدنا يا أمي؟
سألته
أنهي وعد؟
ابتسم
إنك تركبي معانا.
دخلت زينب الطائرة، لكنها فوجئت بأن طاقم الطائرة كله كان ينتظرها.
صفقوا لها، وقدموا لها باقة ورد.
جلست في المقعد الأمامي، ثم جاء صوت أحمد عبر مكبر الصوت
السادة الركاب النهارده معانا أهم راكبة في الطائرة كلها.
سكت لحظة، ثم قال
دي أمي الست اللي ضحت بكل حاجة عندها علشان أنا وأخويا نوصل للمكان ده.
وجاء صوت محمود
أمي باعت بيتها وأرضها علشان حلمنا. وعاشت سنين طويلة مستنية اليوم ده.
بدأ الركاب يصفقون.
أما زينب فكانت تبكي بصمت.
لكن المفاجأة الأكبر كانت بعد ذلك.
جلس أحمد بجوارها وأخرج ظرفًا كبيرًا.
قال
افتحي يا أمي.
فتحت الظرف، فوجدت أوراقًا رسمية.
نظرت إليها دون أن تفهم.
قال محمود
الأرض رجعتلك.
شهقت زينب.
إزاي؟
قال أحمد
من سنين، أول ما بدأنا نشتغل ونقدر نوفر فلوس، دورنا على الأرض واشتريناها تاني.
وأضاف محمود
والبيت كمان رجع.
وضعت زينب يدها على قلبها.
عملتوا ده إمتى؟
قال أحمد
من غير ما تعرفي. كنا عايزين نفاجئك.
ثم أخرج مفتاحًا قديمًا.
وده مفتاح بيتك.
أمسكت زينب المفتاح بيد مرتجفة، وانهمرت دموعها.
قال محمود
إحنا مش قادرين نرجعلك العشرين سنة اللي تعبتيهم بس قدرنا نرجعلك الحاجة اللي ضحيتي بيها علشاننا.
ابتسمت زينب وسط دموعها وقالت
أنا ما خسرتش حاجة يا ولادي أنا يوم ما بعت البيت كنت عارفة إني بشتري مستقبلكم.
نظر أحمد إلى أخيه، ثم أمسك يدها.
وإحنا يوم ما اشترينا البيت تاني، كنا عايزين نقولك إن تعبك ما راحش هدر.
وبعد انتهاء الرحلة، أخذها ابناها إلى بيتها القديم.
كان البيت قد تغير كثيرًا، لكنه ظل يحتفظ بنفس الباب الذي خرجت منه قبل عشرين عامًا.
وقفت زينب أمامه طويلًا.
ثم فتحت الباب.
دخلت ببطء، ولمست الحائط بيدها.
أبوكم كان عامل الحيطة دي بإيده
ثم ابتسمت.
كان نفسه يشوفكم طيارين.
قال أحمد
وإحنا كل مرة بنطير، بنفتكركم أنتم الاتنين.
وفي المساء، جلست زينب في حديقة البيت بين ابنيها.
رفعت رأسها نحو السماء، فمرت طائرة فوقهم.
ابتسمت وقالت
أخيرًا
بقيت أشوف الطيارات من غير ما أخاف عليكم.
ضحك محمود وقال
ليه؟
ردت وهي تمسح دموعها
زمان كنت ببص للسما وأقول يا رب ولادي يوصلوا لها.
ثم نظرت إليهما وأضافت
دلوقتي

تم نسخ الرابط