تظاهر المليونير
المحتويات
حضرتك تسافر.
اتسعت عينا روبرتو.
يعني إيه؟
قالت
حضرتك فاكر إن سفرك كان فرصة عشان حد يستغل غيابك.
ثم أشارت إلى الظرف.
لكن الحقيقة إن غياب حضرتك هو اللي خلّى الحقيقة تظهر.
وفي تلك اللحظة، سمعوا صوت بيدريتو من الخارج.
كان الطفل يحاول الكلام بصعوبة.
لكن هذه المرة قال كلمة واحدة واضحة
عمو.
نظر روبرتو إليه.
عمو مين؟
بيدريتو أشار بيده المرتجفة نحو صورة الطبيب.
وهنا شعر روبرتو بأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
لأن الطبيب الموجود في الصورة
لم يكن غريبًا عن ابنه.
بل كان الشخص الذي ظل يدخل غرفته كل أسبوع منذ ولادته.
والأخطر من ذلك
أن روبرتو اكتشف أن موعد الزيارة القادمة للطبيب كان غدًا صباحًا لم ينم روبرتو تلك الليلة.
جلس في مكتبه والظرف أمامه، يعيد النظر في الصور مرة بعد مرة.
كان يريد أن يصدق أن هناك تفسيرًا بسيطًا.
لكن كلما جمع التفاصيل، أصبح الأمر أكثر رعبًا.
في السابعة صباحًا، دخلت إلينا بهدوء.
قالت
سيدي بيدريتو صحى.
رفع روبرتو رأسه.
هو صاحي؟
أيوه.
خرج مسرعًا إلى غرفة ابنه.
وجد بيدريتو مستيقظًا، وإلينا تجلس بجواره.
اقترب منه وقبّل جبينه.
ثم لاحظ شيئًا جعل قلبه يخفق بعنف.
قدما الطفل كانتا تتحركان.
حركة صغيرة جدًا، لكنها واضحة.
إلينا
قالت بهدوء
أنا قلت لحضرتك إن التقرير مش بيقول الحقيقة كلها.
جلس روبرتو بجوار ابنه.
إنتِ عرفتي منين؟
تنهدت.
لما اشتغلت هنا، كنت بعمل اللي حضرتك طلبته مني. أكل، دواء، نظافة، ومتابعة.
وبعدين؟
لاحظت إن بيدريتو لما يكون مرتاح، جسمه بيستجيب.
وده معناه إيه؟
معناه إننا محتاجين نعرف ليه حد كان بيحاول يقنع حضرتك إنه مش هيستجيب أبدًا.
سكت روبرتو.
ثم تذكر شيئًا.
فتح هاتفه واتصل بمستشفى آخر، وطلب موعدًا عاجلًا مع طبيب أعصاب متخصص في الأطفال.
بعد ساعات، كان الطبيب الجديد يفحص بيدريتو بعناية.
اختبر ردود الأفعال، حركة الأصابع، الإحساس، ثم طلب من روبرتو أن ينتظر خارج الغرفة.
مرّت عشرون دقيقة.
خرج الطبيب.
سأله روبرتو
دكتور ابني عنده
نظر الطبيب إلى الملف.
ثم قال
أكثر مما تتخيل.
شعر روبرتو أن عينيه امتلأتا بالدموع.
يعني إيه؟
ابنك عنده ضعف شديد، لكن ما فيش دليل يثبت إن فقدان الحركة دائم.
بس التقرير القديم قال
قاطعه الطبيب
التقرير القديم مبالغ في تشخيص الحالة.
ثم سأل
مين كتب التقرير؟
ذكر روبرتو اسم الطبيب.
تغيرت ملامح الطبيب الجديد.
غريب.
إيه؟
أنا شفت اسمه قبل كده في ملف آخر.
ملف مين؟
فتح الطبيب جهازه اللوحي.
ثم قال
طفل آخر بنفس التشخيص تقريبًا.
تجمد روبرتو.
ونفس العلاج؟
أومأ الطبيب.
ونفس التوصية عدم توقع تحسن كبير.
خرج روبرتو من المستشفى وهو يشعر بأن هناك شيئًا أكبر من مجرد خطأ طبي.
وعندما عاد إلى القصر، وجد إلينا تنتظره.
كانت تمسك شيئًا صغيرًا في يدها.
قالت
لقيت ده تحت مرتبة بيدريتو.
فتح روبرتو يدها.
كان مفتاحًا صغيرًا.
مفتاح إيه؟
قالت
مش عارفة.
أخذ روبرتو المفتاح، وظل ينظر إليه.
وفجأة تذكر شيئًا.
كان هناك درج قديم في غرفة والدته الراحلة، درج لم يستطع فتحه منذ سنوات لأنه فقد مفتاحه.
ركض إلى الغرفة.
أخرج الدرج القديم.
وضع المفتاح.
طَق.
انفتح.
في الداخل لم يكن هناك مال.
ولا مجوهرات.
بل دفتر أسود صغير، وعدة أوراق قديمة.
فتح روبرتو الدفتر.
وفي أول صفحة وجد اسمًا يعرفه جيدًا.
اسم والد بيدريتو.
ثم وجد تحت الاسم تاريخًا يعود إلى سنوات قبل ولادة الطفل.
قرأ السطر التالي
وتغير وجهه تمامًا.
لأن ما كان مكتوبًا في الدفتر كشف أن قصة مرض بيدريتو بدأت قبل أن يولد أصلًا.
وفي أسفل الصفحة كانت هناك جملة واحدة
إذا حدث لي شيء، لا تسمح لهم بالاقتراب من ابني ظل روبرتو يحدّق في الجملة طويلًا.
لا تسمح لهم بالاقتراب من ابني.
رفع رأسه نحو إلينا.
إنتِ كنتِ عارفة بالدفتر ده؟
هزّت رأسها بسرعة.
لا.
أمال مين حط المفتاح عند بيدريتو؟
لم تجب.
جلس روبرتو على الأرض، وبدأ يقلب صفحات الدفتر.
كل صفحة كانت تحمل تاريخًا مختلفًا، وملاحظات قصيرة بخط رجل يبدو أنه كان يعيش في خوف دائم.
وفي إحدى الصفحات
الدكتور إستيبان.
وتحته
قال إن الطفل لن يمشي. لكنني لم أقتنع.
قلب الصفحة.
وجدت تناقضًا في نتائج الفحوصات.
ثم صفحة أخرى
هناك من يطلب مني التوقف عن السؤال.
توقف روبرتو عن التنفس للحظة.
كان والده قد كتب تلك الكلمات قبل سنوات، في الفترة التي سبقت وفاة زوجته بوقت قصير.
لكن هناك شيئًا لم يفهمه.
لماذا كان والده يحقق في حالة بيدريتو قبل ولادته؟
سأل إلينا
إنتِ تعرفي حاجة عن والد بيدريتو؟
قالت
أعرف إن والدتك كانت بتخاف من موضوع معين.
إنتِ قابلتي أمي؟
لا.
أمال عرفتي منين؟
صمتت إلينا قليلًا.
ثم قالت
لأن الست اللي كانت قبلي في البيت حكتلي.
مين الست دي؟
خفضت رأسها.
اسمها ماريا.
وماريا راحت فين؟
رفعت إلينا عينيها.
اختفت.
ساد الصمت.
ثم أخرجت إلينا هاتفها.
قبل ما أمشي من شغلي القديم، ماريا اتصلت بيا.
وقالت إيه؟
قالت لي لو اشتغلتي في بيت روبرتو، مهما حصل، خلي عينك على الطفل.
ليه؟
لأنها قالت إن الطفل مش المشكلة.
تجمد روبرتو.
أمال إيه المشكلة؟
قالت
الناس اللي حواليه.
قبل أن يستطيع الرد، سمعوا صوت سيارة تتوقف أمام القصر.
نظر روبرتو من النافذة.
سيارة الطبيب.
ابتسم ابتسامة باردة.
الدكتور إستيبان وصل.
قالت إلينا
هو ما يعرفش إن حضرتك رجعت، صح؟
لا.
خليه يفتكر إنك لسه مسافر.
ثم اقتربت منه وهمست
لأن لو هو جزء من اللي إحنا بنكتشفه لازم نعرف هو جاي يعمل إيه هنا.
أطفأ روبرتو أنوار المكتب، وأخفى الدفتر داخل سترته.
ثم اتجه إلى غرفة صغيرة بجوار الممر، وأغلق الباب من الداخل.
بعد لحظات دخل الطبيب.
سمع روبرتو صوته من الخارج
إلينا، بيدريتو فين؟
أجابته
في أوضته.
تقدم الطبيب نحو الغرفة.
ثم توقف.
قال بصوت منخفض
هو صاحي؟
أيوه.
سكت الطبيب لحظة.
ثم قال شيئًا جعل روبرتو يضع يده على فمه من الصدمة
كويس يبقى لازم نتأكد إن اللي حصل خلال الأيام التلاتة دي ما يتكرر تاني.
ثم سمع روبرتو صوت فتح حقيبة.
وصوت زجاجة صغيرة توضع على الطاولة.
وفي اللحظة نفسها، أدرك أن الطبيب
بل جاء ليتأكد من شيء آخر.
شيء كان روبرتو قد ظن أنه انتهى منذ سنوات ظل روبرتو خلف الباب، لا يتحرك ولا يتنفس تقريبًا.
كان الطبيب يتحدث مع إلينا بصوت منخفض.
أنتِ نفذتي اللي قلت لك عليه؟
ردت إلينا
أيوه.
تجمد روبرتو.
هل كانت إلينا تعمل معه؟
هل كانت كل تلك الأيام مجرد تمثيلية؟
قبض روبرتو يده، لكنه أجبر نفسه على البقاء ساكنًا.
قال الطبيب
والنتيجة؟
أفضل مما توقعت.
صمت الطبيب.
ثم قال
يبقى لازم نوقف فورًا.
شهق روبرتو بصمت.
اقترب الطبيب من غرفة بيدريتو، لكنه لم يدخل.
قال
لو والده رجع قبل الموعد، كل اللي عملناه هيروح.
ردت إلينا
هو مش هيرجع.
ثم أضافت بسرعة
على الأقل المفروض إنه مش هيرجع.
ابتسم الطبيب ابتسامة لم يرها روبرتو من قبل.
ممتاز.
في تلك اللحظة فهم روبرتو شيئًا مهمًا.
إلينا لم تكن خائنة.
كانت تتظاهر بأنها تعمل مع الطبيب.
لكن لماذا؟
فتح روبرتو الباب فجأة.
مفاجأة.
التفت الاثنان.
اختفى اللون من وجه الطبيب.
أما إلينا، فوضعت يدها على صدرها، ثم قالت
كنت عارفة إنك هتظهر.
اقترب روبرتو منها.
من إمتى؟
قالت
من أول يوم.
يعني إنتِ كنتِ عارفة إن الطبيب هييجي؟
أيوه.
وكنتِ بتلعبي الدور ده عشاني؟
أومأت.
ثم أشارت إلى الحقيبة.
افتحها.
تردد روبرتو.
لكن الطبيب قال فجأة
ما تفتحهاش.
التفت إليه روبرتو.
ليه؟
لم يجب.
فتح روبرتو الحقيبة.
وجد داخلها زجاجة دواء، وحقنًا، وملفًا طبيًا.
أمسك الملف.
قرأ الاسم.
لم يكن اسم بيدريتو.
كان اسم طفل آخر.
تصفح الأوراق بسرعة.
نفس الأعراض.
نفس التشخيص.
نفس الطبيب.
ونفس التوصية الطبية.
رفع روبرتو رأسه ببطء.
كام طفل؟
صمت الطبيب.
بسألك كام طفل؟
قال الطبيب
أنت مش فاهم.
يبقى فهمني.
تدخلت إلينا
اسأله عن السجل.
نظر إليها روبرتو.
أي سجل؟
قالت
السجل اللي مخبيه في العيادة.
ابتلع الطبيب ريقه.
وفي تلك اللحظة، سمعوا صوت سيارة أخرى أمام القصر.
نظر روبرتو من النافذة.
لم تكن سيارة شرطة.
كانت سيارة سوداء فاخرة.
ونزل منها
ما إن رأته إلينا حتى تغير وجهها.
قالت بصوت مرتجف
ده مستحيل.
سألها روبرتو
مين؟
قالت
ماريا.
اتسعت عيناه.
الست اللي قلتي إنها اختفت؟
أومأت.
لكن المفاجأة لم تكن في ظهور ماريا.
بل في أنها لم تكن وحدها.
كان معها طفل صغير، يحمل في يده صورة قديمة.
وما إن دخلت ماريا
متابعة القراءة