تظاهر المليونير

لمحة نيوز

تظاهرَ مليونيرٌ بالسفر لكنه اكتشف ما كانت خادمته تفعله مع ابنه المُقعَد
أطفأ محرّك السيارة قبل شارعين من القصر. لم يُرِد روبرتو أن يُعلن وصوله. كان قد خطّط لهذه اللحظة بدقّة جرّاحٍ يستعدّ لاستئصال ورمٍ خبيث.
شدّ عقدة ربطة العنق الحمراء، وشعر بأنها تضيق حول عنقه تقريبًا بقدر ما كانت تضيق عليه تلك الغصّة التي ظلّت حبيسة صدره طوال أسبوع. تمتم لنفسه وهو يتأمّل انعكاس وجهه في المرآة الخلفية
ثلاثة أيام.
قال لهم إنه مسافر ثلاثة أيام إلى مؤتمرٍ في الخارج. ترك لهم البيت وحدهم، وترك لهم المجال مفتوحًا.
الآن سيعرف حقيقة تلك المرأة.
ترجّل من السيارة ومشى تحت شمس الصباح، ومع ذلك كان يشعر ببرودةٍ تتسلّل من معدته. برودةٌ لا علاقة لها بالطقس. لم يمضِ سوى شهرٍ واحد على توظيفه إلينا، فتاةٍ شابّة رشّحتها وكالة رخيصة، بعدما رفضت الممرّضات المتخصّصات العمل في ذلك البيت، بيتٍ كان يسكنه الحزن وتخيم عليه كآبةٌ ثقيلة.
كانت إلينا مختلفة.
مفرطة الابتسام.
زاهية الألوان.
مفعمة بالحياة أكثر مما ينبغي في مكانٍ مات فيه الأمل منذ زمن.
زرعت الشكّ في قلبه جارته العجوز، السيدة غيرتروديس، تلك التي اعتادت التلصّص من خلف الستائر. قالت له بنبرةٍ مريبة
روبرتو، هذه الفتاة تفعل أشياء غريبة. سمعتُ أمس صراخًا، ثم موسيقى عالية.
موسيقى بصوتٍ مرتفع مع طفلٍ مريض؟ انتبه من يبتسمون كثيرًا غالبًا ما يُخفون أسوأ النوايا.
كانت تلك الكلمات كالمثقاب، تنخر عقله دون رحمة.
كان ابنه بيدريتو سبب حياته الوحيد، وأكبر أوجاعه في آنٍ واحد. طفلٌ لم يتجاوز العام، حَكم عليه أفضل أطبّاء البلاد بأن يعيش دون قوّةٍ في ساقيه.
شللٌ جزئيّ لا رجعة فيه، هكذا ورد في التقرير الطبّي الذي كان روبرتو يحتفظ به في خزنةٍ حديدية، كأنه حكمٌ بالإعدام.
كان بيدريتو هشًّا كالزجاج.
وإن كانت تلك المرأة تُهمله، أو تستغلّ غيابه لإقامة اللهو، فقد أقسم روبرتو

أنه لن يكتفي بطردها، بل سيُدمّرها قانونيًا دون رحمة.
أخرج مفتاحه الرئيسي، وفتح الباب ببطء شديد، مُديرًا المفتاح بحذرٍ كي لا يُصدر ذلك الطنين المعدني المألوف.
استقبلته رائحة المعقّم الفاخر ورائحة الوحدة.
خطا الخطوة الأولى على الأرضية المصقولة.
صمت.
الخطوة الثانية.
لا شيء.
ثم سمعه.
لم يكن صراخ ألمٍ كما كان يخشى.
ولم يكن صوت تلفازٍ تركته خادمة كسولة يعمل بلا اكتراث.
كان صوتًا لا يعرفه.
صوتًا غريبًا، حادًّا، انفجاريًا ضحك.
لكن ليس أي ضحك.
كانت قهقهة صافية، عميقة، تهزّ الجسد بأكمله.
وكان مصدرها المطبخ.
شعر روبرتو بأن الدم يغلي في عروقه.
هل تضحك على ابني؟ قالها في داخله وهو يضغط على حقيبته الجلدية بقوّة حتى ابيضّت مفاصله.
هل تسخر من عجزه بينما أنا بعيد؟
أعماه الغضب لحظةً. تخيّلها تمسك الهاتف، تضحك مع عشيقٍ ما، وتتجاهل الطفل الجالس على كرسيّه المتحرّك، مستمتعة بحياةٍ سهلة على حساب أمواله ومعاناته.
تحرّك بسرعة، ناسيًا الحذر.
ارتطم نعل حذائه الصلب بأرضية الممرّ، مُصدِرًا صدىً بدا كطرقات مطرقة قاضٍ وهو ينطق بالحُكم الأخير
صلي على حبيب اللهاللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد 
وصل روبرتو إلى باب المطبخ، ثم توقّف فجأة.
كان الصوت يزداد وضوحًا.
ضحك بيدريتو.
ضحك ابنه.
تجمّد مكانه للحظة، وكأن عقله رفض تصديق ما تسمعه أذناه.
بيدريتو لم يكن يضحك عادةً.
منذ وفاة والدته، ومنذ أن بدأت حالته الصحية تتدهور، أصبح الطفل هادئًا بصورة مخيفة. حتى الأطباء كانوا يقولون إن حالته النفسية تؤثر في استجابته للعلاج.
لكن الآن
كان يضحك من قلبه.
اقترب روبرتو أكثر، واختبأ خلف الجدار قبل أن يظهر أمامهما.
ثم رأى المشهد.
كانت إلينا جالسة على الأرض، وقد وضعت أمام بيدريتو مجموعة من الملاعق الخشبية والأكواب البلاستيكية. كانت تحرك أحد الأكواب فوق رأسها بطريقة مضحكة، ثم تسقطه عمدًا على الأرض.
أوه! مرة تانية
يا بيدريتو؟!
ضحك الطفل بشدة.
لكن روبرتو لم ينظر إلى الألعاب.
عيناه اتسعتا عندما لاحظ شيئًا آخر.
إلينا لم تكن تجلس بعيدًا عنه كما تفعل معظم الممرضات.
كانت تمسك قدميه الصغيرتين بيديها، وتحرّكهما ببطء شديد، ثم تتوقف كل عدة ثوانٍ لتسأله
حسّيت بحاجة؟
كان بيدريتو يهز رأسه.
طيب جرّب تحرك صباعك.
حاول الطفل.
تحرك إصبع قدمه حركة صغيرة جدًا.
إلينا شهقت بفرحة.
شاطر! شاطر يا بيدريتو!
صفقت له وكأن الطفل حقق إنجازًا عالميًا.
روبرتو ظل واقفًا خلف الباب، عاجزًا عن الكلام.
لأن التقرير الطبي الذي قرأه عشرات المرات كان يقول بوضوح إن ساقي ابنه لا تستجيبان للحركة.
لكن ما رآه بعينيه الآن كان شيئًا آخر تمامًا.
اقترب خطوة.
فصدر صوت من الأرضية.
رفعت إلينا رأسها.
تلاقت عيناها بعينيه.
اختفى الضحك فورًا.
ساد صمت ثقيل.
حدقت فيه إلينا لثوانٍ، ثم وقفت بسرعة.
سيد روبرتو؟!
لم يجب.
نظر إليها، ثم إلى ابنه، ثم عاد لينظر إلى قدمي بيدريتو.
وقال بصوت منخفض
منذ متى وأنتِ تفعلين هذا؟
ارتبكت إلينا.
أنا أقدر أشرح.
اقترب روبرتو منها.
لا. أنا اللي هسأل.
ثم انحنى أمام ابنه.
بيدريتو بابا عايز يعرف حاجة.
نظر الطفل إليه.
إلينا بتعمل معاك إيه كل يوم وأنا بعيد؟
فتح الطفل فمه، لكنه لم يجب.
نظر أولًا إلى إلينا.
وهنا لاحظ روبرتو شيئًا جعل قلبه ينقبض.
كان في عيني إلينا خوف حقيقي.
ليس خوف امرأة ارتكبت خطأ.
بل خوف شخص يخشى أن يُكشف شيء أكبر بكثير.
قال روبرتو بحدة
إلينا إيه اللي مخبياه عني؟
ابتلعت ريقها.
ثم قالت جملة واحدة جعلت وجه روبرتو يتغير تمامًا
أنا مش اللي بدأت الموضوع يا سيدي.
سكت.
أمال مين؟
خفضت عينيها.
ثم نظرت نحو الممر المؤدي إلى مكتب روبرتو.
الجواب موجود في مكتبك.
شعر روبرتو بقشعريرة تسري في جسده.
مكتبي؟
أومأت.
وفي حاجة لازم تعرفها قبل ما تفتح الدرج.
اقترب منها أكثر.
إيه هي؟
رفعت عينيها إليه وقالت
الورقة اللي
حضرتك فاكر إنك وقّعت عليها بنفسك ما كانتش هي الورقة الأصلية.
تراجع روبرتو خطوة.
لأول مرة منذ دخوله القصر، لم يعد غاضبًا.
كان خائفًا.
لأن مكتبَه لم يكن يدخله سوى ثلاثة أشخاص.
هو
ومدير أعماله
وشخص واحد آخر لم يخطر بباله أبدًا أن يشك فيه لم يتحرك روبرتو لثوانٍ.
كانت جملة إلينا تدور داخل رأسه بلا توقف
الورقة اللي حضرتك فاكر إنك وقّعت عليها بنفسك ما كانتش الورقة الأصلية.
اقترب منها وقال بصرامة
إلينا، متلعبيش معايا. إيه الورقة؟
أجابت بصوت منخفض
أنا ما بلعبش يا سيدي.
ثم أشارت إلى بيدريتو.
أنا بدأت أشتغل هنا من شهر، وأول يوم دخلت فيه البيت، لاحظت حاجة غريبة.
إيه؟
ابنك كان بيخاف من حد.
تغير وجه روبرتو.
مين؟
هزت رأسها.
ما كنتش عارفة.
اقتربت من بيدريتو، وأمسكت بيده الصغيرة.
كان كل ما يسمع صوت مفتاح الباب يبدأ يرتعش.
نظر روبرتو إلى ابنه.
ده حصل إمتى؟
قالت إلينا
من أول أسبوع ليا هنا.
ثم أضافت
بس بعد كام يوم، اكتشفت إن خوفه مش من حضرتك.
توقف قلب روبرتو لحظة.
أمال من مين؟
وقبل أن تجيب، صدر صوت خافت من جهة الممر.
تك.
التفت الثلاثة في نفس اللحظة.
لم يكن هناك أحد.
لكن باب مكتب روبرتو كان مفتوحًا.
رغم أنه كان متأكدًا أنه أغلقه قبل سفره.
تقدم نحوه ببطء.
قالت إلينا خلفه
متدخلش لوحدك.
التفت إليها.
ليه؟
لأني لما لقيت الورقة كان في حد بيدور عليها قبلي.
مين؟
لم تجب.
دخل روبرتو المكتب.
كل شيء كان في مكانه.
الكتب.
الخزنة.
الساعة.
حتى القلم الذي تركه فوق المكتب.
لكن عندما فتح الدرج السفلي، وجد ظرفًا أبيض لم يره من قبل.
كان مكتوبًا عليه بخط يده
إلى روبرتو لا تثق في التقرير الطبي.
تجمدت أصابعه.
فتح الظرف.
وجد داخله ثلاث صور.
الصورة الأولى لبيدريتو وهو رضيع.
الصورة الثانية له في المستشفى.
أما الثالثة
فكانت صورة لملف طبي مفتوح.
وفي أسفل الصورة ظهر توقيع طبيب يعرفه روبرتو جيدًا.
طبيب كان هو من
أخبره قبل عام أن حالة ابنه لا أمل في تحسنها.
رفع روبرتو رأسه ببطء.
إلينا
قالت
عارفة.
إنتِ اللي حطيتي الظرف هنا؟
هزت رأسها.
لا.
أمال مين؟
اقتربت منه، وقالت
الشخص اللي كان عايز
تم نسخ الرابط