كل مرة

لمحة نيوز

كل مرة كنت برجع فيها من عند أمي مع بنتي ليان اللي عندها سبع شهور، كنت ألاقي حماتي قافلة علينا باب الشقة بالترباس، وسايباني أنا والبيبي برّه.
في البداية كنت بحاول أبرر لها.
يمكن نامت.
يمكن ما سمعتش الجرس.
يمكن حصل منها سهو.
لكن الموضوع اتكرر كتير لدرجة إني بقيت بخاف أرجع البيت.
أنا دينا، عندي 28 سنة، متجوزة كريم، وعندنا بنت اسمها ليان.
حماتي، الحاجة سعاد، كانت عايشة معانا من بعد ولادتي، وكانت في الأول بتساعدني جدًا. لكن مع الوقت بدأت تتدخل في كل حاجة.
طريقة لبسي.
طريقة رعايتي لليان.
حتى مواعيد خروجي ورجوعي.
وكانت دايمًا تقول
أنا ست كبيرة وفاهمة مصلحة البيت أكتر منك.
كنت بسكت، علشان ما يحصلش خلاف بيني وبين كريم.
لكن مشكلة الباب كانت أكتر حاجة بتوجعني.
مرة رجعت من عند أمي، وخبطت على الباب حوالي نص ساعة، وليان كانت بتعيط من الجوع.
اتصلت بكريم وقلت له
كريم، الباب مقفول بالترباس، وليان جعانة جدًا.
رد بتوتر
استني يا دينا، أمي أكيد نايمة.
قلت
بس أنا واقفة بره ومعايا بنتك!
قال
طيب استني شوية، هتفتح.
قعدت على السلم وأنا بحاول أهدي ليان، وقلبي كان بيتقطع عليها.
بعد حوالي نص ساعة، الباب اتفتح.
حماتي قالت بكل هدوء
معلش يا بنتي، كنت نايمة ومسمعتش.
ما رديتش.
دخلت، شلت ليان، ورضعتها، وبعد ما نامت فضلت أبص للباب وأنا بفكر.
ليه كل مرة؟
وليه دايمًا لما أكون خارجة مع البنت؟
حكيت لصاحبتي نهى.
بصت لي وقالت
دينا، متتهميش حد من غير دليل، بس لو الموضوع بيتكرر، اعرفي الأول إيه اللي بيحصل.
سألتها
أعرف إزاي؟
قالت
حطي كاميرا صغيرة في الصالة، وخليها تصور وقت خروجك ورجوعك.
ترددت جدًا.
مش علشان كنت خايفة أعرف الحقيقة، لكن علشان كنت خايفة تكون الحقيقة أسوأ مما أتوقع.
وفي النهاية، ركبت كاميرا صغيرة في مكان واضح لكن بعيد عن نظر أي حد، وكنت حريصة إنها تصور الصالة والباب فقط.
وفي اليوم التالي، خرجت أنا وليان عند أمي.
وبعد ما قعدنا شوية، فتحت التطبيق على موبايلي.
في البداية كل شيء كان طبيعي.
حماتي كانت قاعدة في الصالة.
وبعد حوالي عشرين دقيقة، قامت واتجهت ناحية الباب.
بصت من العين السحرية.
وبعدين قفلت الباب بالترباس.
وقفت ثواني، وكأنها بتتأكد إن الباب اتقفل كويس.
ثم رجعت للصالة.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها.
سمعت صوت خبط على الباب من التسجيل.
كنت أنا.
وكنت شايلة ليان.
حماتي وقفت مكانها.
بصت ناحية الباب.
وبدل ما تفتح، قعدت على الكرسي بهدوء.
وبعد دقائق، رن موبايلها.
كان كريم.
سمعتها بتقول له
أيوه يا ابني، دينا لسه ما رجعتش.
اتجمدت مكاني.
لأنها كانت عارفة إني رجعت.
وكانت عارفة إني

واقفة برّه.
لكن كريم قال لها
طيب افتحي لها لما تيجي.
ردت
حاضر.
قفلت المكالمة.
وبعدها حصل شيء خلاني أحس إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف بيني وبين حماتي.
سمعتها تقول لنفسها
لازم كريم يفهم إن البيت مش هيمشي طول ما دينا بتعمل اللي هي عايزاه.
ساعتها فهمت.
هي ما كانتش بتنسى تفتح الباب.
هي كانت بتقفل الباب عمدًا.
لكن ليه؟
وليه كانت عايزة تتحكم في خروجي ودخولي؟
رجعت البيت في اليوم ده من غير ما أقول إني شفت التسجيل.
دخلت بهدوء، وسلمت عليها كأن مفيش حاجة حصلت.
وبالليل، لما كريم رجع، ما فتحتش معاه الموضوع فورًا.
استنيت لما قعدنا لوحدنا.
طلعت موبايلي، وقلت له
كريم، أنا مش عايزة أخسر أمك، ومش عايزة أخسر جوازي. بس لازم تشوف حاجة بنفسك.
شغلت له التسجيل.
فضل ساكت.
كل ما المشهد يتقدم، ملامحه كانت بتتغير.
ولما انتهى الفيديو، رفع عينه وبص لي.
وقال بصوت منخفض
إنتِ متأكدة إن التسجيل ده النهارده؟
قلت
أيوه.
فضل ساكت شوية، وبعدها قال
أنا لازم أتكلم مع أمي.
لكن قبل ما يقوم، سمعنا صوت الحاجة سعاد من عند باب الأوضة
وأنا كمان عندي كلام لازم يتقال.
اتخضينا.
دخلت وهي ماسكة ورقة قديمة في إيدها.
وقالت
أنا عارفة إن اللي عملته غلط، ومش هبرره بس كنت بحاول أحمي ابني من قرار كنت شايفة إنه هيدمر حياته.
كريم سألها
قرار إيه يا أمي؟
حطت الورقة قدامه وقالت
القرار اللي أبوك أخده قبل ما يموت واللي أنا وعدته إني ما أقولوش غير لما أبقى متأكدة إنكم مستعدين تعرفوا الحقيقة.
بص كريم للورقة.
وأول ما قرأ أول سطر
وشه اتغير تمامًا.
لأن الورقة كانت متعلقة ببيتهم نفسه.
وكان فيها سر قديم يخص عيلة كريم كلهاكريم مسك الورقة بإيد بتترعش.
قرأ أول سطر، وبعدها رفع عينه لأمه
يعني إيه الكلام ده؟
الحاجة سعاد قعدت على الكرسي، وقالت
أبوك قبل ما يموت كان عليه دين كبير بسبب شراكة قديمة. والبيت ده كان مهدد يتباع علشان نسدد الدين.
بص كريم للورقة تاني.
بس إحنا دفعنا كل الديون!
هزت رأسها
أيوه، بس بمساعدة شخص واحد.
سألها
مين؟
قالت
جد دينا.
أنا اتصدمت.
جدي؟!
هزت رأسها
أيوه يا بنتي. جدك هو اللي وقف جنب أبو كريم وقتها، وساعده يحتفظ بالبيت. لكن كان فيه شرط.
كريم قرب منها
شرط إيه؟
قالت
إن البيت يفضل باسم العيلة، لكن لو حصل خلاف كبير بين الزوجين، يبقى لازم كل واحد يعرف حقوقه كاملة، ومحدش يقدر يطرد التاني أو يمنعه من البيت.
كريم سكت.
وبعدين بص لي.
يعني ماما كانت قافلة الباب علشان تمنعك من الدخول؟
الحاجة سعاد نزلت عينيها.
كنت خايفة يا ابني.
خايفة من إيه؟
كنت خايفة إن دينا في يوم تزعل منك وتاخد بنتك وتمشي، وساعتها البيت يضيع من
إيدك.
رديت بهدوء
بس أنا عمري ما كنت عايزة آخد منك بيتك يا حاجة سعاد. أنا كنت عايزة أعيش مع جوزي وبنتي بأمان.
سكتت.
كريم قام، وقال
أمي، أنا بحبك، ومش هسيبك لوحدك. بس اللي حصل مع دينا غلط.
دموعها نزلت.
أنا عارفة.
وأضاف
ومن النهارده محدش هيقفل باب البيت عليها، ولا يمنعها تدخل، ولا يتدخل في علاقتي بمراتي.
بصت لي وقالت
حقك عليا يا بنتي.
أنا ما رديتش فورًا.
كنت محتاجة أستوعب كل اللي حصل.
لكن ليان بدأت تعيط من أوضة النوم.
جريت عليها، وشلتها.
الحاجة سعاد قامت ورايا، وبصت لحفيدتها بحزن.
وقالت
سامحيني يا ليان جدتك كانت خايفة تخسرك.
بصيت لها، وقلت
اللي حصل مينفعش يتكرر.
قالت
مش هيتكرر.
وبالفعل، من اليوم ده، كل حاجة بدأت تتغير.
كريم بقى هو اللي يحط حدود واضحة بيننا وبين أي خلاف.
وحاجة سعاد بطلت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة.
وبعد أسابيع، حصلت مفاجأة تانية.
كريم رجع البيت ومعاه محامي العيلة.
وقال
أنا عملت حاجة لازم تعرفيها يا دينا.
قلبي اتقبض.
إيه؟
طلع ملف وحطه قدامي.
البيت اتسجل رسميًا بحقوق واضحة لكل أفراد الأسرة، ومحدش يقدر يستخدمه وسيلة ضغط على التاني.
بصيت له، وابتسمت لأول مرة من شهور.
لكن كريم قال
ولسه فيه حاجة أهم.
إيه؟
ابتسم وقال
أنا حجزت شقة صغيرة قريبة من هنا.
استغربت
ليه؟
قال
علشان أمي ترتاح في بيتها، وإحنا كمان يكون لينا بيتنا وخصوصيتنا.
بصيت للحاجة سعاد.
ولأول مرة، هي اللي قالت
وأنا موافقة.
ثم اقتربت مني ومسكت إيدي.
يمكن أنا كنت فاكرة إن وجودي جنبكم هو اللي هيحميكم لكن طلعت بحميكم من بعض.
ابتسمت رغم دموعي.
وفي يوم انتقالنا، وأنا شايلة ليان على السلم، سمعت صوت حماتي من ورايا
استني يا دينا.
لفيت.
قالت
خلي بالك من نفسك ومن بنتك ولو احتجتيني، هتلاقيني جنبك، مش واقفة في طريقك.
ابتسمت وقلت
وأنا عمري ما همنع ليان عنك.
نزلت وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على صدري من شهور بدأ يخف.
ماكانش اللي حصل سبب نهاية جوازنا.
بالعكس
كان السبب إننا أخيرًا اتعلمنا إن البيت مش بس باب ومفتاح البيت أمان، واحترام، وحدود واضحة بين كل اللي عايشين فيه.
أما الترباس اللي كان كل يوم يقفل الباب في وشي
فآخر مرة شفته كانت يوم نقلنا.
ومن يومها، ما اتقفلش في وشي تاني عدّت سنتين، وليان كبرت وبقت بتتكلم وتجري في البيت، وعلاقتي بالحاجة سعاد بقت أحسن بكتير.
وفي يوم، وإحنا قاعدين على الغدا، كريم قال فجأة
عندي خبر عايز أقوله لكم.
بصيت له باستغراب.
ابتسم وقال
الشركة عرضت عليا ترقية، بس الشغل هيكون في فرع تاني.
الحاجة سعاد فرحت وقالت
ألف مبروك يا ابني.
لكن أنا لاحظت إن وشه مش مرتاح.
سألته
في إيه؟

قال
المشكلة إن الترقية معناها إني هسافر يومين كل أسبوع.
سكتنا.
الحاجة سعاد بصت لي، وبعدها قالت
وإنت خايف على دينا وليان؟
قال كريم
أيوه.
ابتسمت الحاجة سعاد وقالت
يبقى خليك فاكر اللي اتعلمناه.
كريم استغرب
إيه؟
قالت
البيت اللي فيه ثقة، مفيش سفر يهدده.
بصيت لها وابتسمت.
لكن في اليوم التالي، حصل شيء غير متوقع.
وأنا بلم هدوم ليان، سمعت صوت خبط على الباب.
فتحت، لقيت راجل كبير في السن واقف.
قال
أنا الأستاذ فؤاد، كنت شريك والد كريم زمان.
اتوترت.
حضرتك تعرف كريم؟
قال
أعرفه من وهو صغير.
دخل كريم من الصالة، وأول ما شاف الرجل، وشه اتغير.
حضرتك بتعمل إيه هنا؟
فؤاد قال
جاي أسلمك حاجة كان أبوك موصي إني أديها لك لما تبقى جاهز.
طلع ظرف قديم من جيبه.
كريم فتحه.
جواه صورة قديمة لوالده، ومعاها ورقة.
قرأها بصوت منخفض
لو وصلت لك الورقة دي، يبقى ابني كبر وبقى مسؤول عن بيت وأسرة. أهم حاجة أوصيك بيها ما تخليش خوفك على بيتك يخليك تحوّله لسجن.
كريم رفع عينه.
بص للحاجة سعاد.
هي بدأت تبكي.
قال فؤاد
أبوك كان عارف إن أمك بتحبك جدًا، لكنه كان خايف إن خوفها عليك يخليها تتدخل في حياتك.
الحاجة سعاد مسحت دموعها وقالت
أبوك كان دايمًا بيقول لي الكلام ده وأنا ما فهمتش معناه غير متأخر.
قربت منها ومسكت إيدها.
قلت
المهم إنك فهمتي دلوقتي.
بصت لي وقالت
وإنتِ سامحتيني بجد؟
ابتسمت.
أيوه.
قالت
حتى موضوع الترباس؟
ضحكت وقلت
ده هيفضل ذكرى مش هتنسيها العيلة.
ضحك كريم.
وفجأة ليان دخلت علينا وهي ماسكة مفتاح صغير.
قالت بطريقتها
باب!
كلنا ضحكنا.
كريم شالها وقال
أيوه يا حبيبتي باب.
الحاجة سعاد قربت منها وقالت
والباب ده عمره ما هيتقفل في وشك.
وبعدها بصت لي وقالت
ولا في وش أمك.
ضحكت.
لكن في اللحظة دي، أدركت إن الحكاية كلها ما كانتش عن ترباس.
كانت عن الخوف.
الخوف لما يخلي الإنسان يحاول يتحكم في اللي بيحبهم، ممكن يبعدهم عنه بدل ما يحميهم.
ومن يومها، بقى عندنا مفتاح واحد للبيت.
مش لأننا ما بقيناش نثق في بعض
لكن لأننا أخيرًا فهمنا إن الأمان مش في إنك تقفل الباب على اللي بتحبه الأمان إنك تخليه يعرف إن الباب مفتوح، وإنه يقدر يرجع لك مهما حصل بعد كام شهر، حصل موقف ماكنتش متوقعاه خالص.
كنت قاعدة في البيت مع ليان، والحاجة سعاد كانت جاية تزورنا. كريم كان في الشغل.
فجأة سمعنا خبط على الباب.
فتحت، لقيت راجل من إدارة العقار واقف ومعاه ملف.
قال
مدام دينا، محتاجين نتكلم مع حضرتك في موضوع مهم.
قلبي اتقبض.
خير؟
قال
فيه مشكلة في ملكية الشقة القديمة، ولازم كريم يراجعنا بكرة.
دخلت الحاجة سعاد، وأول ما سمعت الكلام، وشها
اتغير.
قالت
الشقة القديمة؟
رد الرجل
أيوه، فيه ورق ظهر من سنين، وبيطلب مراجعة بعض المستندات.
اتصلت بكريم فورًا.
لما سمع، قال
متقلقيش. أنا هخلص شغلي وأجيلكم.
بالليل، وصل كريم، وقعدنا كلنا نفكر.
الحاجة سعاد كانت ساكتة بشكل غريب.
سألتها
إنتِ عارفة حاجة؟
قالت
فيه حاجة لازم أقولها.
كريم بص لها
إيه؟
قالت
أبوك
تم نسخ الرابط