سمعت خادمتي

لمحة نيوز

ظهر بيت مارينا من بعيد.
لكن أحمد لاحظ حاجة خلت رجله تدوس على الفرامل فجأة.
باب الشقة كان مفتوحًا.
والنور جوه مطفي.
نزل من العربية وجرى للداخل.
مارينا!
مفيش رد.
دخل غرفة الطفل.
السرير كان فاضي.
الألعاب على الأرض.
والبطانية مرمية.
أحمد حس إن نفسه اتقطع.
مارينا!
جاء صوت من المطبخ
أنا هنا.
أحمد اتلفت بسرعة.
مارينا كانت واقفة هناك، وابنها 
وشها كان متوتر.
أحمد قال
إنتِ كويسة؟
هزت رأسها.
أيوه.
فؤاد دخل وراءه.
إيه اللي حصل؟
مارينا أشارت للباب.
من حوالي عشر دقايق سمعت صوت المفتاح.
أحمد قال
حد دخل؟
مش عارفة.
ثم أشارت إلى الطاولة.
كان الظرف الأزرق موجودًا.
لكن أحمد كان متأكدًا إنه تركه مع فؤاد في الشركة.
اقترب منه.
مين حطه هنا؟
مارينا هزت رأسها.
لقيته فوق الترابيزة لما خرجت من أوضة ابني.
أحمد بص لفؤاد.
فؤاد لم يقترب من الظرف.
ماتلمسوش.
لكن أحمد فتحه.
الورق اللي كان جواه اختفى.
ماعدا ورقة واحدة.
وعليها جملة
أبوك ماكانش بيحمي نفسه... كان بيحميك.
تحت الجملة كان فيه عنوان.
أحمد قرأه.
كان عنوان مخزن قديم تابع للشركة.
فؤاد أول ما شافه قال
مستحيل.
أحمد سأله
إيه؟
قال فؤاد
المكان ده اتقفل من أربع سنين.
وليه؟
لأن آخر اجتماع حصل فيه كان قبل اختفاء سامح.
أحمد سكت.
ثم قال
يبقى نروح هناك.
مارينا اعترضت فورًا.
لا.
أحمد بص لها.
ليه؟
قالت
يوسف كان بيرفض يروح المكان ده.
كان يعرفه؟
أيوه.
ثم سكتت لحظة وأضافت
وفي آخر أسبوع في حياته، قال لي جملة واحدة عنه.
أحمد قرب منها.
قال إيه؟
قالت
قال إن اللي موجود هناك مش ورق.
فؤاد سأل
أمال إيه؟
مارينا بصت له.
حاجة تقدر تغيّر ملكية الشركة كلها.
بعد ساعة، كانوا واقفين أمام المخزن القديم.
الباب الخارجي كان عليه طبقة تراب سميكة.
أحمد أخرج المفتاح الموجود في الظرف.
الغريب إن المفتاح فتح الباب.
دخلوا.
المكان كان مظلمًا وباردًا.
فؤاد شغل كشاف الهاتف.
صفوف طويلة من الصناديق كانت متكومة على الجانبين.
أحمد بدأ يدور على أي علامة.
لحد ما لاحظ صندوقًا صغيرًا عليه نفس الرقم
317.
فتح الصندوق.
كان جواه دفتر قديم.
أحمد قلب صفحاته.
معظمها أرقام وحسابات.
لكن في الصفحة الأخيرة كان فيه اسم واحد محاط بدائرة.
حسن الشناوي.
وتحته
لم يكن هو صاحب القرار.
أحمد رفع رأسه.
يعني إيه؟
فجأة سمعوا صوت باب المخزن بيتقفل.
التلاتة اتلفتوا.
ثم سمعوا صوت خطوات.
خطوة.
ثم خطوة تانية.
فؤاد قال بصوت منخفض
محدش يتحرك.
الخطوات قربت.

ثم ظهر شخص من بين الظلام.
أحمد رفع الكشاف.
وتجمد.
الرجل كان في منتصف الأربعينات، شعره رمادي، وملامحه مرهقة.
مارينا شهقت.
أما فؤاد فتمتم
سامح...
سامح وقف أمامهم.
وقال
كنت مستنيك يا أحمد.
أحمد اقترب منه.
إنت عايش.
سامح ابتسم بحزن.
أيوه.
ليه اختفيت؟
سامح بص لفؤاد، ثم لمارينا.
وبعدها قال
لأني لو فضلت وقتها، كان الدور هييجي على أحمد.
أحمد اتجمد.
مين كان هيأذيني؟
سامح سكت.
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.
ومدها لأحمد.
أحمد أخذ الصورة.
كانت صورة عائلية.
لكن هذه المرة، لاحظ شيئًا لم يره من قبل.
شخصًا يقف في الخلف.
شخصًا يعرفه جيدًا.
الشخص الذي كان يدخل بيتهم كل أسبوع.
والشخص الذي ظل أحمد يثق فيه طوال السنوات الأربع الماضية.
رفع أحمد عينيه ببطء.
وقال
مستحيل...
سامح رد
للأسف... هو الشخص الوحيد اللي كان عنده مفتاح كل الأبواب أحمد فضل باصص للصورة، وكأن عقله بيرفض يصدق اللي عينه شايفاه.
الشخص اللي واقف في الخلف...
كان فؤاد منصور.
محامي العيلة.
الرجل اللي كان موجود في كل اجتماعاتهم.
واللي كان يعرف أسرار والده أكتر من أي شخص آخر.
أحمد رفع الصورة قدام فؤاد.
إنت.
فؤاد ما حاولش ينكر.
بس قال بهدوء
أيوه.
مارينا تراجعت خطوة.
سامح قال
بس قبل ما تحكم عليه، اسمعه.
أحمد انفجر
أسمعه بعد ما عرفت إنه كان موجود من البداية؟!
فؤاد رد
أنا كنت موجود علشان أحمي والدك.
من مين؟
سكت فؤاد.
سامح قال
من الشخص اللي كان بيستخدم الشركة من غير ما حد يعرف.
أحمد عقد حواجبه.
مين؟
سامح فتح الدفتر القديم، وقلب لصفحة معينة.
كان فيها مجموعة تحويلات مالية، وكلها مرتبطة بحساب واحد.
أحمد قرأ الاسم.
ثم قال
ده اسم خالي.
فؤاد هز رأسه.
بالضبط.
أحمد رجع خطوة.
خالي كان شريك في الشركة.
وكان بيحوّل أموال من حسابات الشركة لحسابات تانية.
سامح أضاف
يوسف اكتشف الموضوع.
أحمد قال
وعشان كده مات؟
سامح سكت.
فؤاد تدخل
يوسف اختفى قبل ما يقدر يسلّم المستندات للجهة المختصة.
أحمد بص له.
اختفى؟
فؤاد قال
إحنا كنا فاكرين إنه هرب.
مارينا قالت فجأة
لا.
الكل بص لها.
قالت
يوسف عمره ما كان هيسيبني أنا وابنه.
ثم أخرجت من جيبها ورقة مطوية.
لقيت دي بعد وفاته.
أحمد أخذها.
كان مكتوبًا عليها بخط يوسف
لو حصل لي حاجة، اسألوا عن الدفتر الأصلي.
أحمد قال
فين الدفتر الأصلي؟
سامح ابتسم ابتسامة حزينة.
ده السؤال اللي خلاني أختفي أربع سنين.
ثم أشار إلى الحائط.
وراءه.
أحمد وفؤاد قربوا.
سامح ضغط على حجر صغير
في الحائط.
صدر صوت خافت.
وانفتح جزء مخفي.
ظهر صندوق معدني صغير.
أحمد فتحه.
جواه كان فيه دفتر أسود.
وملف عقود.
وفوقهم ظرف أبيض.
أحمد فتح الظرف.
كانت فيه ورقة واحدة من والده.
قرأ
يا أحمد، لو وصلت للدفتر ده، يبقى كل محاولاتي أخفي الحقيقة فشلت.
وتابع
لكن لازم تعرف حاجة واحدة أنا لم أحمِ الشخص الخطأ.
أحمد توقف.
يعني إيه؟
فؤاد قال
اقرأ السطر اللي بعده.
أحمد أكمل
الشخص اللي كنت بحاول أحميه لم يكن أنا... كان مارينا.
مارينا شهقت.
أنا؟
أحمد بص لها.
والده كان كاتب
مارينا لم تكن مجرد زوجة يوسف. كانت تحمل شيئًا لا يعرفه أحد.
أحمد رفع عينيه.
إيه؟
في اللحظة نفسها، سمعوا صوت سيارة تتوقف أمام المخزن.
سامح اتوتر.
حد وصل.
ثم سمعوا باب السيارة بيتفتح.
وصوت رجل بيقول من الخارج
أحمد! أنا جاي آخد حقي!
أحمد عرف الصوت فورًا.
كان صوت خاله.
لكن قبل ما يقدر يتحرك، مارينا بصت للدفتر الأسود وقالت
دلوقتي فهمت ليه يوسف خبّى الحقيقة عني أنا كمان.
أحمد سألها
إنتِ كنتِ تعرفي إيه؟
مارينا فتحت فمها...
لكنها لم تقل شيئًا.
لأن باب المخزن بدأ يهتز بعنف.
والصوت من الخارج صاح
افتحوا الباب!
سامح أمسك الدفتر.
وقال
لو الدفتر خرج من هنا، كل حاجة هتتغير.
ثم نظر لأحمد
لكن لازم تقرر دلوقتي...
هتواجه خالك بالحقيقة؟
ولا هتحمي عيلتك زي ما أبوك حاول يعمل؟أحمد وقف للحظات من غير ما يرد.
صوت خبطات الباب كان بيزداد.
دوم... دوم... دوم...
خاله كان بيصرخ من الخارج
أحمد! افتح الباب!
فؤاد بص لأحمد وقال
لازم نخرج من الباب الخلفي.
سامح هز رأسه.
الباب الخلفي مقفول من جوه.
أحمد سأل
يبقى نعمل إيه؟
سامح رفع الدفتر الأسود.
ناخد ده ونطلع من الممر القديم.
فتح صندوقًا خشبيًا صغيرًا تحت الأرض، وظهر سلم ضيق نازل لتحت.
أحمد قال لها
خليكي ورايا.
نزلوا واحدًا وراء التاني.
الممر كان ضيقًا ومظلمًا، لحد ما وصلوا لباب حديدي في نهايته.
سامح فتحه.
خرجوا إلى شارع جانبي خلف المخزن.
وبمجرد ما خرجوا، سمعوا صوت تكسير الباب الرئيسي.
خاله دخل المخزن.
لكنهم كانوا اختفوا.
بعد حوالي نصف ساعة، كانوا في مكتب أحمد.
الدفتر الأسود فوق الطاولة.
أحمد فتح أول صفحة.
كانت مليانة أرقام وتواريخ.
وفي منتصف الصفحة كان فيه اسم متكرر
شركة النور للاستثمارات.
أحمد قال
دي مش شركة تابعة لنا.
سامح رد
علشان كده كانت مثالية لتحويل الأموال.
فؤاد أشار إلى صفحة تانية.
بص هنا.
كان فيه مبلغ ضخم اتنقل من حساب الشركة إلى
شركة النور.
وبعد يومين، نفس المبلغ رجع لحساب مختلف.
أحمد قال
غسيل أموال.
سامح هز رأسه.
يوسف اكتشف ده، وبدأ يجمع الأدلة.
أحمد قلب الصفحات.
ثم توقف فجأة.
كان فيه اسم مارينا.
وبجانبه تاريخ قبل زواجها من يوسف بسنوات.
أحمد بص لها.
إنتِ كنتِ بتشتغلي في شركة النور؟
مارينا هزت رأسها.
لفترة قصيرة.
إنتِ ماقولتيليش.
يوسف كان عارف.
وأبويا كان عارف؟
مارينا سكتت.
فؤاد قال
والدك كان عارف إن مارينا عندها نسخة من مستند مهم.
أحمد قرب منها.
إيه المستند؟
مارينا قالت
عقد قديم.
عقد إيه؟
عقد يثبت إن ملكية الأرض اللي حصل عليها والدك ما انتقلتلوش بالطريقة اللي الناس كانت فاكرة.
أحمد بص للدفتر.
ثم قال
يعني الأرض كانت بتاعت مين؟
مارينا أخذت نفسًا عميقًا.
كانت باسم والدي.
الصمت ملأ الغرفة.
أحمد لم يستوعب.
والدك؟
أيوه.
يعني يوسف كان بيحاول يرجع ملكية أرض والد زوجته؟
مارينا هزت رأسها.
مش بالضبط.
أحمد سأل
أمال إيه؟
مارينا قالت
يوسف كان اكتشف إن والدي اتنازل عن الأرض تحت ضغط وتوقيع مزور.
سامح تدخل
والشخص اللي زور التوقيع كان عنده وصول لكل ملفات الشركة.
أحمد بص لفؤاد.
وأنت كنت المحامي المسؤول.
فؤاد لم يتهرب.
أيوه.
أحمد قال بغضب
يبقى أنت متورط.
فؤاد رد
كنت متورط في إخفاء الحقيقة، مش في تزويرها.
الفرق إيه؟
فؤاد سكت لحظة.
ثم قال
الفرق إن والدك أجبرني أوقع على اتفاقية سرية.
أحمد تجمد.
أبويا أجبرك؟
كان عايز يحمي شخصًا.
مارينا؟
فؤاد نظر إليها.
أيوه.
مارينا بدأت تبكي.
ليه؟
فؤاد قال
لأن والدك اكتشف إن الشخص اللي زور الأوراق كان بيحاول يوصل لكِ.
أحمد سأل
ليه؟
فؤاد لم يجب.
بدلًا من ذلك، فتح آخر صفحة في الدفتر.
كان فيها اسم واحد فقط.
وتحته جملة
هو لم يكن يريد الأرض... كان يريد الوصول إلى شيء أخطر.
أحمد قال
إيه الحاجة دي؟
سامح نظر إلى مارينا.
ومارينا بدأت تبص لابنها.
ثم قالت بصوت منخفض
يوسف كان محتفظ بالحاجة دي معاه.
أحمد قال
فين؟
مارينا مسحت دموعها.
قبل وفاته بيوم واحد، أخبرني إنه أخفاها في مكان لن يخطر ببال أحد.
فين؟
مارينا نظرت إلى أحمد مباشرة.
وقالت
في بيتك أنت.
في نفس اللحظة، وصل إشعار إلى هاتف أحمد.
صورة جديدة.
هذه المرة كانت لصورة غرفته.
وتحتها رسالة
لو عايز تعرف إيه اللي خبّاه يوسف في بيتك... افتح الدرج اللي تحت سريرك قبل منتصف الليل.
أحمد رفع عينيه ببطء.
لكن فؤاد كان ينظر إلى الساعة.
ثم قال
قدامنا أقل من ساعة رجع أحمد بيته قبل منتصف الليل
بدقائق.
كان البيت هادي بشكل مخيف.
فؤاد وسامح دخلوا وراه، ومارينا فضلت قريبة من ابنها.
أحمد طلع السلم بسرعة، وفتح باب أوضته.
السرير كان في مكانه.
كل حاجة شكلها طبيعي.
لكن الرسالة كانت واضحة
الدرج اللي تحت السرير.
أحمد نزل على الأرض، ومد إيده تحت السرير.
أصابعه لمست قطعة خشب صغيرة.
شدها.
طلع درج مخفي.
فتح الدرج...
وكان جواه صندوق معدني.
أحمد بص لفؤاد.
أنا عمري ما شفت الدرج ده.
فؤاد رد
يبقى والدك
تم نسخ الرابط