ابويا صورني حكايات منــال عـلـي
عاش معها طوال عمرها.
تجمدت وهي تقرأ السطر مرة واثنين.
ورفعت عينيها ببطء نحو الرجل، ثم نحو أبيها...
وقالت بصوت مخنوق
هو... الاسم ده اسم مين؟آية فضلت باصة للصورة، وإيديها بدأت تبرد.
كبرت الصورة أكتر من مرة.
كانت الحقيبة فعلًا هي نفسها.
وفي الخلفية ظهر حائط قديم، عليه بقعة رطوبة كبيرة، ولمبة صفراء معلقة في السقف.
لكن أكثر حاجة لفتت نظرها...
كانت الساعة الحائط.
العقارب كانت واقفة عند 715.
قالت لنفسها
دي رسالة... أكيد الوقت ده مقصود.
نور قربت منها وقالت بخوف
هتروحي؟
قبل ما ترد، أبوها خطف الموبايل من إيدها.
قرأ الرسالة، واتغيرت ملامحه تمامًا.
ولأول مرة من بداية اليوم...
بان عليه الذعر.
صرخ بصوت عالي
محدش هيخرج من البيت!
آية شدت الموبايل من إيده.
ليه؟ إنت عارف المكان؟
ما ردش.
لكن الرجل صاحب الملف بص له مباشرة وقال
واضح إنك عرفته.
ساد صمت.
ثم قال أبوها بصوت منخفض
الرقم سبعتاشر...
مش رقم عشوائي.
آية قربت منه.
يعني إيه؟
اتنهد وقال
ده رقم مخزن قديم... اتقفل من سنين.
الرجل هز رأسه بالنفي.
لا... المخزن اتقفل رسميًا، لكن في حد فتحه من جديد.
آية شعرت أن كل الخيوط بدأت تتجمع.
الرسالة...
الظرف...
الملف...
والمخزن رقم 17.
وفي تلك اللحظة، صدر صوت إشعار جديد.
لكن هذه المرة لم يكن رسالة.
كان فيديو قصير وصل إلى هاتف آية من الرقم المجهول.
ضغطت تشغيل.
ظهر شخص يرتدي جاكيتًا أسود، والكاميرا موجهة نحو الحقيبة الجلدية.
ثم مد يده، وأخرج منها ورقة واحدة.
وقبل أن يُظهر ما فيها، قال بصوت مغير إلكترونيًا
لو وصلتي لحد هنا... يبقى عرفتي إن الحقيقة ما بتتخباش للأبد. لكن لو جيتي المخزن 17...
وانقطع الفيديو فجأة...
قبل أن يظهر ما كان مكتوبًا في الورقة آية جريت ناحية الطاولة.
قلبت المفارش، بصت تحت الكراسي، وحتى فتحت باب الشقة.
مفيش حد.
السلم فاضي.
رجعت وهي بتتنفس بسرعة.
الشنطة كانت هنا... أنا شفتها.
الرجل اللي كان جاي بالملف رجع خطوتين من عند باب العمارة، ولما عرف إن الحقيبة اختفت، اتغير لون وشه.
قال بقلق واضح
مستحيل... أنا ما سيبتهاش غير ثواني.
أبوها اتكلم بسرعة
يمكن نسيتها في العربية.
الرجل هز رأسه بعنف.
لأ... الملف ده ما بيفارقنيش.
آية لاحظت حاجة غريبة.
أبوها، رغم إنه كان بيقول إنه مش عارف حاجة عن الملف، ما كانش مستغرب اختفاءه.
بالعكس...
كان هادئ بشكل غير طبيعي.
بصت له وقالت
إنت عارف مين خدها؟
رد بحدة
بطلي تتهميني في كل حاجة.
لكن قبل ما يكمل، نور قالت فجأة
استنوا...
كلهم بصوا لها.
كانت ماسكة موبايلها، ووشها شاحب.
حد بعتلي رسالة دلوقتي.
آية قربت منها.
من مين؟
نور ورّتها الشاشة.
رقم مجهول.
والرسالة كانت قصيرة جدًا
دوركم خلص... والمرحلة الجاية بدأت.
وقبل ما حد يستوعب معناها...
وصل إشعار تاني.
لكن المرة دي على موبايل آية.
فتحت الرسالة.
كان فيها صورة فقط.
صورة للحقيبة الجلدية المختفية.
موضوعة فوق ترابيزة قديمة في مكان مظلم.
وفي زاوية الصورة...
ظهر جزء من لوحة معدنية عليها رقم واضح
17
تحت الصورة كان فيه سطر واحد
لو عايزة تعرفي الحقيقة... تعالي لوحدك آية فضلت ثابتة مكانها بعد انتهاء الفيديو.
الجملة الأخيرة فضلت ترن في ودنها
هتخليكي تشكي في كل شخص حواليكي.
بصت لأمها...
ثم لنور...
ثم لأبوها.
ولأول
مين فيهم مخبي عنها الحقيقة؟
أبوها لاحظ نظرتها، فقال بسرعة
متصدقيش أي حد بيحاول يلعب بأعصابك.
آية ضحكت ضحكة قصيرة فيها وجع.
غريبة... نفس الجملة اللي سمعتها طول عمري. ما تسأليش... ما تعرفيش... إحنا عارفين مصلحتك.
سكت الجميع.
قالت وهي ماسكة الظرف
أنا هروح المخزن 17.
أبوها قام بعصبية.
مستحيل.
ليه؟
لم يرد.
وكان صمته أقوى من أي إجابة.
الرجل صاحب الملف قال بهدوء
أنا هاجي معاكي.
لكن آية هزت رأسها.
لأ... المرة دي أنا لازم أروح لوحدي.
نظر لها الرجل بقلق.
ده ممكن يكون خطر.
ردت
اللي عشته وأنا فاكرة إنه طبيعي كان أخطر من أي مكان هروحه.
في آخر الليل...
خرجت آية من البيت بهدوء.
لم تأخذ معها سوى موبايلها والظرف البني.
كانت متأكدة أن حد بيراقبها.
وبعد مشوار طويل وصلت لمكان قديم في منطقة صناعية مهجورة.
كانت المباني حوالينها مظلمة، والهواء بارد.
دورت على الرقم...
حتى وصلت لباب حديدي صدئ.
عليه لوحة صغيرة
17
وقفت قدامه.
إيديها كانت على المقبض.
قبل ما تفتحه...
وصلها إشعار جديد.
رسالة من نفس الرقم المجهول.
فتحتها.
وكان فيها
قبل ما تدخلي... افتكري إن أول شخص هتشوفيه جوه هو الشخص اللي كان سبب إنك تعيشي كل السنين دي بالشكل ده.
رفعت آية عينيها للباب.
وقلبها بدأ يدق أسرع.
مدت إيدها وفتحت الباب ببطء...
وفي اللحظة اللي دخلت فيها...
سمعت صوت شخص من الظلام يقول
اتأخرتي يا آية... كنت مستني اليوم ده من زمان دخلت آية المخزن ببطء...
كان المكان مظلمًا، ورائحة التراب والحديد القديم مالية الجو.
رفعت موبايلها وشغلت الكشاف.
الصوت اللي سمعته خرج من آخر المكان
كنت عارف إنك هتيجي.
اتقدمت خطوة.
وفجأة ظهر رجل كبير في السن من خلف عمود قديم.
آية شهقت.
كانت أول مرة تشوفه، لكن ملامحه...
كان فيها شيء مألوف.
قالت بحذر
إنت مين؟
ابتسم بحزن.
أنا الشخص اللي حاول يحميكي طول السنين اللي فاتت.
هزت رأسها.
أنا مش فاهمة حاجة.
أخرج من جيبه صورة قديمة.
ناولها لها.
أمسكتها آية...
وتجمدت.
كانت الصورة لطفلة صغيرة... هي.
وبجانبها نفس الرجل.
لكن المفاجأة الأكبر...
إن في ظهر الصورة كان مكتوب
آية مع والدها الحقيقي.
سقطت الصورة من إيدها.
إنت... أبويا؟
الرجل أغمض عينيه لحظة.
أيوه يا آية.
شعرت كأن الدنيا وقفت.
طب ليه سيبتني؟ وليه عشت طول عمري فاكرة إن أبويا شخص تاني؟
تنهد الرجل.
لأني ما سيبتكيش بإرادتي.
ثم أخرج ملفًا آخر من الحقيبة.
قبل عشرين سنة، حصلت مشكلة كبيرة بيني وبين عيلتك. كان فيه خلاف على فلوس وورث، واتاخدت قرارات خلتني أبعد عنك غصب عني.
آية كانت تسمع وهي مش قادرة تستوعب.
يعني أبويا اللي رباني... كان عارف؟
الرجل سكت.
والسكوت كان كفاية.
رجعت آية خطوة للخلف.
هو كان عارف؟
هز الرجل رأسه ببطء.
كان عارف إني والدك الحقيقي... وكان عارف إن فيه اتفاق يمنعني إني أقرب منك.
بدأت الدموع تنزل من عين آية.
مش بسبب اكتشافها إنها لها أب تاني...
لكن بسبب سؤال واحد
طيب ليه عاملني طول السنين دي كأني غريبة؟
الرجل بص للأرض.
لأنه كان شايف إن وجودك في حياته كان عبء... مش نعمة.
في نفس اللحظة، رن هاتف آية.
رسالة جديدة.
فتحتها.
كانت من أمها.
سطر واحد فقط
آية... لازم تعرفي إن أبوكي مش هو الشخص الوحيد اللي خبّى عنك الحقيقة.
رفعت آية عينيها بصدمة.
بصت للرجل قدامها.
ثم همست
يعني في حاجة
وقبل ما يرد...
سمعوا صوت باب المخزن بيتقفل من الخارج بالمفتاح.
اتجهوا بسرعة ناحية الباب.
وكان صوت أبوها يأتي من الخارج
كفاية أسرار يا آية... جه الوقت تعرفي كل حاجة.
وبدأ صوت المفتاح يلف في القفل...