ابويا صورني حكايات منــال عـلـي 

لمحة نيوز

سمعت صوت مفتاح باب الشقة بيلف في الكالون، وصوت خطوات حد دخل وهو بينادي بصوت مرتفع
آية... إنتِ فين؟!آية شهقت، وبسرعة جمعت الأوراق ورجعتها جوه الظرف.
الخبط على الباب زاد.
افتحي يا آية... حالًا.
وقفت قدام الباب، لكنها ما فتحتهوش.
قالت بصوت ثابت بالعافية
إنت عرفت منين؟
سكت لحظة.
وبعدين رد
لأن الظرف ده بقاله سنين في مكانه... وأول ما دخلت الأوضة عرفت إنه اتحرك.
آية بصت للظرف في إيديها.
ألف سؤال بيلف في دماغها.
لكن كان فيه سؤال واحد أهم من كل حاجة.
فتحت الباب فتحة صغيرة، وقالت
إيه اللي فيه؟ وليه مكتوب عليه اسمي؟
أبوها حاول يفتح الباب أكتر، لكنها مسكته.
قال بنبرة هادئة لأول مرة من يومين
اديني الظرف... وأنا هفهمك كل حاجة.
هزت رأسها بالرفض.
لأ... الأول أفهم.
اتغيرت ملامحه في ثانية.
وبصوت أعلى قال
في حاجات لو عرفتيها... هتندمي.
ردت وهي بتبص في عينه مباشرة
أنا ندمت سنين... مش هينفع أخاف من الحقيقة دلوقتي.
ساد صمت ثقيل.
وفجأة خرجت أمها من المطبخ على صوتهم.
بصت لأبوها، ثم لآية، ولاحظت الظرف في إيدها.
وشها شحب فجأة.
وقالت من غير تفكير
إنتِ فتحتيه؟!
آية استغربت رد فعلها.
أيوه... ليه؟
أمها بصت لأبوها بخوف واضح، وهمست
أنا قلتلك نتخلص منه من زمان...
أبوها رد بعصبية
مش وقت الكلام ده.
لكن آية كانت بدأت تربط الخيوط.
رفعت الورقة اللي مكتوب فيها لا يُفتح إلا بواسطة آية.
وقالت
مين اللي كتب الجملة دي؟
محدش رد.
كررت السؤال بصوت أعلى.
مين كتبها؟
أمها نزلت دموعها لأول مرة، وقعدت على الكرسي وهي بتغطي وشها بإيديها.
أما أبوها فتنهد طويلًا، وقال
الشخص اللي كتبها... طلب مني أوصلها لك لما ييجي الوقت.
آية عقدت حاجبيها.
مين الشخص ده؟
بصلها أبوها نظرة طويلة، وكأنه بيجمع شجاعته.
ثم قال بهدوء
الشخص ده... اختفى من حياتنا
من سنين.
وقبل ما يكمل أي كلمة...
رن جرس الباب.
راح أبوها يفتحه وهو متضايق.
وبعد ثوانٍ، رجع ووشه متغير تمامًا.
وقف في نص الصالة وقال بصوت مرتبك
مستحيل...
آية قربت منه بسرعة.
في إيه؟
لف ناحيتها ببطء، وقال
الراجل اللي كنت فاكره... مستحيل يرجع.
ثم أشار إلى باب الشقة المفتوح...
وفي المدخل كان يقف رجل خمسيني يحمل حقيبة قديمة، وينظر إلى آية مباشرة، قبل أن يقول
أنا جيت أنفذ الوعد... بعد عشرين سنة آية اتجمدت مكانها.
بصت للظرف... وبعدين ناحية الباب.
صوت الخطوات كان بيقرب بسرعة.
قفلت الدرج مكانه على قد ما قدرت، وخبت الظرف تحت الجاكيت اللي كانت لابساه.
خرجت من الأوضة وهي بتحاول تبان طبيعية.
أول ما وصلت للصالة، لقت أبوها واقف عند الباب، ومفاتيحه لسه في إيده.
بصلها ثواني طويلة وقال
كنتِ بتعملي إيه في أوضتي؟
حاولت ترد من غير ما يبان عليها التوتر.
كنت بدور على شاحن... افتكرت إني سيبته هنا.
فضل يبصلها كأنه بيحاول يعرف إذا كانت بتكدب.
وبعدين قال
المرة الجاية اسألي قبل ما تدخلي.
هزت راسها وسابت المكان بسرعة.
دخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح.
قعدت على طرف السرير، وسحبت الظرف من تحت الجاكيت.
إيديها كانت بتترعش وهي بتفتحه.
كان جواه مجموعة أوراق قديمة...
وصور عائلية باهتة.
أول صورة كانت ليها وهي طفلة صغيرة، يمكن عندها خمس سنين.
لكن اللي شد انتباهها إن في الصورة شخص واقف جنبها، ووشه متقطع بالمقص، كأن حد قصه عمدًا.
قلبت الصورة...
ولقت مكتوب بالقلم
آخر صورة قبل ما تتغير كل حاجة.
بلعت ريقها.
فتحت الورقة اللي بعدها.
كانت عبارة عن إيصال تحويلات مالية قديمة، كلها باسمها، لكنها كانت بتاريخ وهي لسه طفلة.
استغربت.
إزاي طفلة عندها ست سنين يبقى فيه تحويلات باسمها؟
قبل ما تكمل...
وقعت من الظرف ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها
ببطء.
وكان مكتوب فيها بخط مختلف عن خط أبوها
لو وصلتي للورقة دي، يبقى فيه أسرار اتخبت عنك سنين طويلة. متصدقيش أول تفسير هتسمعيه... لأن الحقيقة أعقد بكتير.
في اللحظة نفسها...
سمعت خبطًا قويًا على باب أوضتها.
وصوت أبوها من برة، لكن المرة دي كان مختلفًا تمامًا
آية... افتحي الباب حالًا.
ولما سكتت...
قال جملة خلت قلبها يقف للحظة
أنا عارف إنك أخدتي الظرف آية فضلت ماسكة الورقة بإيد مرتعشة.
بصت للاسم مرة تانية، وكأنها مستنية الحروف تتغير.
لكنها كانت زي ما هي.
رفعت عينيها ناحية أبوها.
رد عليا... الاسم ده لمين؟
أبوها أخد نفسًا طويلًا، وقبل ما ينطق، سبقه الرجل وقال
سيبه يجاوب بنفسه.
ساد صمت ثقيل.
وأخيرًا، قال أبوها بصوت منخفض
الاسم ده... لشخص كان قريب جدًا من العيلة.
آية هزت رأسها بعصبية.
أنا مش بسأل كان قريب ولا بعيد... أنا بسأل ليه اسمه مكتوب في خانة الأب؟
أمها بدأت تبكي بصوت مكتوم.
أما نور، اللي كانت راجعة في اللحظة دي، دخلت الصالة وهي مستغربة الجو.
هو فيه إيه؟
محدش رد عليها.
بصت للورقة في إيد آية، ثم لأبوها.
بابا... إيه اللي حصل؟
الرجل التفت لنور وقال بهدوء
اقعدي... لأن اللي هتسمعيه هيغيّر نظرتكم لحاجات كتير.
نور قعدت وهي مش فاهمة.
آية ما كانتش قادرة تستنى أكتر.
لو سمحت... قول الحقيقة.
الرجل فتح الملف ببطء، وأخرج منه خطابًا قديمًا داخل ظرف أصفر باهت.
وقال
الخطاب ده اتكتب من سنين، وكان المفروض يتفتح لما آية تتم أربعة وثلاثين سنة.
آية شهقت.
أربعة وثلاثين؟
أيوه... وده سنك دلوقتي.
مد لها الخطاب.
قبل ما تفتحه، أبوها قال بسرعة
متقريهوش.
آية بصت له.
ولأول مرة في حياتها، شافت الخوف الحقيقي في عينيه.
مش العصبية...
ولا السيطرة...
الخوف.
فتحت الظرف ببطء.
وكان أول سطر فيه
إلى آية... إذا وصل إليك هذا
الخطاب، فاعلمي أنني أوفيت بالوعد الذي قطعته، وأرجو ألا تحكمي على أحد قبل أن تعرفي كل التفاصيل.
توقفت عن القراءة.
رفعت رأسها.
وقالت بصوت مبحوح
مين اللي كتب الخطاب؟
الرجل رد في هدوء
الشخص اللي طلب مني أحتفظ بالأوراق دي كلها.
وقبل أن ينطق بالاسم...
دوّى صوت طرقات قوية جدًا على باب الشقة.
تبادل الجميع النظرات في صمت.
فتح أبوها الباب بحذر.
وقف رجل ببدلة رسمية، وأخرج بطاقة تعريف، ثم قال
مساء الخير... أنا جاي بخصوص ملف قديم اتفتح من جديد، ولازم أقابل الآنسة آية شخصيًا.
التفتت كل الأنظار نحو آية...
وشعرت أن الأمر أصبح أكبر بكثير مما كانت تتخيل الرجل دخل خطوة واحدة فقط، ثم وقف مكانه.
كان شكله مرهق، وشعره اختلط فيه الأبيض بالأسود، لكن نظرته كانت ثابتة.
أبوها وقف قدامه بسرعة وقال بحدة
إنت مالكش حق تدخل هنا.
الرجل رد بهدوء
وأنا ما دخلتش... لسه واقف على الباب.
آية كانت بتتنقل بنظرها بينهم.
واضح إنهم يعرفوا بعض.
لكن مين؟
قالت بتوتر
حد يفهمني... إيه اللي بيحصل؟
الرجل بص لها، ثم قال
قبل ما أتكلم، عايز أسألك سؤال واحد.
هزت رأسها.
اتفضّل.
قال
عمرك سألتِ نفسك ليه كل ورقك القديم اختفى؟ وليه مفيش غير كام صورة من طفولتك؟
اتسعت عيناها.
بالفعل...
كانت دايمًا تستغرب إنها لما كانت تشوف ألبومات الصور، تلاقي صور نور بالعشرات، أما صورها هي فتكاد تكون معدومة.
حتى شهادات المدرسة الأولى وصورها في الحضانة... عمرها ما شافتها.
بصت ناحية أمها.
أمها نزلت عينيها للأرض.
الرجل أخرج ملفًا صغيرًا من حقيبته، لكنه ما فتحوش.
وقال
الملف ده فيه إجابات كتير... لكن قبل ما أديهولك، لازم أبوكي يقول الحقيقة بنفسه.
أبوها انفجر بعصبية
مفيش حقيقة هتتقال!
مد إيده يحاول ياخد الملف، لكن الرجل رجعه لورا.
وفي لحظة توتر...
وقع من الملف مستند
قديم على الأرض.
آية انحنت بسرعة والتقطته قبل أي حد.
كان أول سطر فيه واضح جدًا.
إقرار باستلام أمانة...
وتحته مباشرة...
اسمها الكامل.
لكن في خانة اسم الأب...
كان مكتوب اسم غير اسم والدها الذي
تم نسخ الرابط