كل يوم
المحتويات
بطاقتي، ومنديل مطوي، وسلسلة فضية... وتليفوني القديم.
اتسعت عيناي.
التليفون ده اختفى من شهور.
كنت فاكرة إنه اتكسر واترمى.
مسكته بإيدي المرتعشة، ولما ضغطت على زر التشغيل...
الشاشة نورت.
حسام شهق من غير ما يحس.
بصيت له باستغراب.
ليه اتوتر لمجرد إن التليفون اشتغل؟
فتحت سجل الصور...
ماكانش فيه غير صور عادية.
لكن لما دخلت على تطبيق التسجيلات الصوتية...
لقيت عشرات الملفات.
كلها بنفس التاريخ...
اليوم اللي قبل دخولي المستشفى.
بصتلي الدكتورة وقالت
لو حابة، اسمعيها.
ضغطت على أول تسجيل...
خرج صوتي وأنا بتكلم مع واحدة من قريباتي، أقول لها إني حاسة إن في حاجات غريبة بتحصل في البيت، وإني ناوية أزور الطبيبة وأعمل الفحوصات اللي اتأجلت.
ثم انقطع التسجيل فجأة...
وبدأ صوت باب الشقة وهو بيتفتح.
بعدها ساد صمت لثوانٍ...
ثم سُمع صوت حسام يقول جملة واحدة، بنبرة حادة، جعلت الجميع يلتفت نحوه في نفس اللحظة...
اقفلي التسجيل حالًا...أخذ الرجل المسن الظرف من تحت ذراعه، ووضعه على الطاولة أمام الجميع.
قال بهدوء
قبل سنة تقريبًا، الأستاذة ندى نزلت عندي وهي خارجة من العمارة، وكانت باينة عليها الحيرة. قالتلي لو حصل لي أي حاجة، أو لقيتني اختفيت فجأة، سلّم الظرف ده لحد يقدر يوصل للحقيقة.
بصيت للظرف وأنا بحاول أفتكر.
بدأت بعض الذكريات ترجعلي... يومها كنت حاسة إن حياتي بقت مليانة أسرار، وكنت خايفة محدش يصدقني لو اتكلمت.
فتح المسؤول الظرف بحذر.
كان فيه دفتر صغير، وعدة أوراق مطوية.
أول ورقة كانت عبارة عن تواريخ مكتوبة بخط إيدي.
تحت كل تاريخ، كنت كاتبة جملة قصيرة
اليوم اتكسرت السفرة.
رجعت من الشغل وكان غاضب.
منعني أكلم أختي.
قطع الإنترنت عن البيت.
كل الملاحظات كانت بتوصف أيامًا صعبة، من غير مبالغة، ومن غير اتهامات، مجرد أحداث كنت بسجلها لنفسي حتى ما أنساش.
ثم وصلوا لآخر ورقة.
كانت رسالة قصيرة.
قرأها المسؤول بصوت مسموع
لو الرسالة دي بتتقرأ، يبقى أنا غالبًا مقدرتش أوصل بنفسي للحقيقة. كل اللي بطلبه إن محدش يحكم قبل ما يسمع الطرفين، وإن كل حاجة تتراجع بهدوء.
ساد الصمت.
حتى حسام، اللي كان بيتكلم طول الوقت، ما قالش كلمة.
لكن فجأة...
رن هاتف الرجل المسن.
نظر إلى الشاشة، ثم قال باستغراب
ده صاحب محل الإلكترونيات اللي جنب العمارة.
رد على المكالمة.
وبعد أقل من دقيقة، اتغيرت ملامحه تمامًا.
قفل الخط، وبص للمسؤول وقال
في شخص كان عنده نسخة احتياطية من تسجيلات كاميرا مدخل العمارة... ولسه افتكرها النهارده وهو بينضف المخزن.
التفتت كل الأنظار إليه.
وأضاف
وهو دلوقتي في طريقه للمستشفى... ومعاه التسجيلات ساد صمت ثقيل في الغرفة.
التسجيل توقف عند تلك الجملة، وكأن صاحبه انقطع فجأة قبل أن يكمل.
حسام حاول يبتسم وقال أي حد يقدر يفسر الكلام ده بألف طريقة.
لكن الدكتورة لم ترد.
أغلقت الهاتف، وسلمته لموظف الإدارة ليُحفظ مع باقي المتعلقات، ثم قالت كل حاجة هتتراجع بالطريقة الرسمية.
حسام بدأ يفقد أعصابه.
قال بصوت مرتفع أنا تعبت من الاتهامات دي! كنت بحاول أساعدها، وكل اللي بعمله بيتفهم غلط.
في تلك اللحظة، طرق أحدهم الباب.
دخل رجل في بدلة رسمية، يحمل حقيبة صغيرة وبطاقة تعريف.
تبادل كلمات سريعة مع إدارة المستشفى، ثم طلب الاطلاع على بعض الأوراق.
بعد دقائق، عاد إلى الغرفة وقال بهدوء
وصلنا بلاغ من أكثر من جهة، ومحتاجين نستمع لأقوال كل الأطراف.
نظر إلى حسام وسأله
تحب تضيف أي حاجة قبل ما نبدأ؟
ابتسم حسام ابتسامة متوترة وقال بثقة
معنديش غير الحقيقة.
رد الرجل بهدوء
ممتاز... لأن في شاهد طلب يقابلنا بنفسه.
عقد حسام حاجبيه.
شاهد؟
هز الرجل رأسه.
أيوه... وقال إنه احتفظ بحاجة من شهور، وكان فاكر إنها مش هتبقى مهمة... لحد ما عرف إن ندى دخلت المستشفى.
في اللحظة
ظهر رجل مسن عند باب الغرفة.
كان حارس العقار الذي سكنت فيه ندى وحسام لسنوات.
وقف ممسكًا بظرف بني قديم، وقال وهو ينظر إلى الجميع
أنا ساكت بقالى كتير... لكن الظرف ده أمانة، وصاحبة الأمانة طلبت مني أسلمه لو حصل لها أي مكروه.
تعلقت أنظار الجميع بالظرف...
أما حسام، فتراجع خطوة إلى الخلف، وقد أدرك أن هناك أسرارًا لم يكن يعلم أن أحدًا احتفظ بها كل هذه السنوات تجمد حسام مكانه.
حاول يبتسم، لكن ابتسامته اختفت بسرعة.
قال وهو يشبك إيديه مش فاكر... يمكن إعلان أو ورق خاص بالبنك.
لكن المسؤول سأله بهدوء لو كان إعلان، ليه أخدته بنفسك وما قلتش عنه لأي حد؟
لم يرد.
وفي اللحظة نفسها، قال صاحب محل الإلكترونيات
استنوا... التسجيل لسه مخلصش.
أعاد تشغيل المقطع.
بعد أقل من دقيقة، ظهر حسام مرة تانية وهو خارج من الشقة.
لكن هذه المرة كان ماسك الظرف مفتوحًا، وبيقرأ الورقة اللي جواه وهو واقف عند باب المصعد.
رغم إن الكاميرا كانت بعيدة، إلا إنها سجلت حركة غريبة.
بعد ما خلص قراءة الورقة، مزقها إلى أجزاء صغيرة، ووضعها في سلة المهملات الموجودة أسفل السلم.
ساد الصمت.
قال خالي يبقى الورقة كانت مهمة.
رد حسام بسرعة كانت مجرد دعاية... وأنا رميتها.
لكن صاحب المحل هز رأسه وقال
سلة المهملات دي كانت بتتفضى مرة واحدة كل أسبوع... ولو الورقة اترمت يومها، فهي غالبًا اتحفظت مع باقي المخلفات في المخزن قبل ما تتنقل.
نظر المسؤول إليه باستغراب.
تقصد إنها ممكن تكون لسه موجودة؟
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال
أنا من عادتي أحتفظ بالأكياس الكبيرة اللي فيها أوراق لإعادة التدوير... ولسه في كيس منهم بتاريخ الأسبوع ده.
اتسعت عينا حسام.
ولأول مرة منذ بداية اليوم، جلس على الكرسي من غير ما ينطق بكلمة.
أما المسؤول، فأغلق الملف وقال
واضح إن لسه في حلقات ناقصة... ومش هنستعجل أي استنتاج قبل مراجعة
وفي تلك اللحظة...
رن هاتف المسؤول.
استمع لثوانٍ، ثم قال
وصلت؟... تمام، دخلوه.
رفع رأسه نحو الباب.
وبعد لحظات، دخل رجل يحمل صندوقًا كرتونيًا صغيرًا، وقال
أنا جبت كيس الأوراق القديم... والغريب إن فيه ظرف ممزق، لكن أجزاءه كلها تقريبًا ما زالت موجودة.
تبادلت العيون النظرات...
فإذا نجحوا في تجميع الورقة، فقد يعرف الجميع أخيرًا ما الذي كان مكتوبًا فيها، ولماذا حاول حسام إخفاءها بكل هذه السرعة مرّت عشر دقائق بدت وكأنها ساعة كاملة.
لم يكن أحد يتكلم.
حتى حسام، الذي لم يتوقف عن تبرير كل شيء منذ وصوله، أصبح يجلس صامتًا، ينظر إلى الأرض ثم إلى باب الغرفة كل بضع ثوانٍ.
وفجأة...
توقفت سيارة أمام مدخل المستشفى.
بعد لحظات، دخل رجل يحمل حقيبة سوداء صغيرة.
عرّف نفسه بأنه صاحب محل الإلكترونيات المجاور للعقار، ثم وضع الحقيبة على الطاولة وقال
أنا لقيت وحدة تخزين قديمة وأنا برتب المخزن. افتكرت إنها تخص كاميرات العمارة، ولما سمعت اللي حصل، جبتها على طول.
فتح الحقيبة.
أخرج وحدة التخزين، وسلّمها للمسؤول.
قال بهدوء
مش عارف فيها إيه... لكن دي آخر نسخة احتياطية احتفظت بيها.
تم توصيلها بجهاز مخصص داخل المستشفى بحضور المسؤول والإدارة.
ظهرت شاشة سوداء...
ثم بدأ أول مقطع.
الكاميرا كانت موجهة إلى مدخل العمارة.
ظهر التاريخ والوقت بوضوح.
الجميع كان يتابع في صمت.
ظهرت ندى وهي تدخل العمارة في هدوء، تحمل أكياسًا صغيرة.
بعد دقائق...
دخل حسام.
توقفت الصورة لثانية بسبب انقطاع بسيط في التسجيل.
ثم عادت من جديد.
لكن هذه المرة...
لم يخرج أحد من الشقة لساعات.
قال حسام بسرعة
شايفين؟ مفيش أي حاجة.
لكن المسؤول لم يرفع عينه عن الشاشة.
قدّم التسجيل عدة دقائق للأمام.
وفجأة...
ظهر شخص ثالث عند باب الشقة.
لم يكن من سكان العمارة.
وقف للحظات، ثم ضغط على الجرس أكثر من مرة.
ولما
أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا، ووضعه أسفل الباب، ثم غادر.
نظر الجميع إلى بعضهم في دهشة.
قال خالي
إحنا عمرنا ما سمعنا عن الشخص ده.
لكن
متابعة القراءة