كنتي دعتني
المحتويات
بعصبية
أنا... أنا كنت بهزر.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
الغريب إن فاتورتك كانت مطبوعة، ومتنسقة، ومكتوب فيها موعد السداد. شكلك حضرتيها قبل ما الأسبوع يخلص.
الكلمة دي خلت جيسون يلتفت ناحيتها بسرعة.
قبل ما الأسبوع يخلص؟
سكتت.
يعني كنتِ ناوية تعملي كده من الأول؟
بدأت تتلعثم.
أنا... أنا بس كنت...
لكن جيسون قاطعها
جاوبي.
اتنهدت وهي عارفة إنها اتحشرت.
وقالت بصوت واطي
كنت... عايزة أعلمها تعتمد على نفسها شوية.
بص لها جيسون بعدم تصديق.
ثم نزل بعينه على الورق مرة تانية...
وفجأة لفت انتباهه بند صغير في آخر كشف الحساب.
قرأه بصوت مسموع
يُخصم من إجمالي المبلغ قيمة الهدايا، والمربى المنزلية، ومستلزمات البقالة التي دفعتها الجدة من مالها الخاص.
رفع رأسه وبص عليّ.
إنتِ حتى خصمتي الحاجات اللي جبتيها؟
ابتسمت.
طبعًا... الحساب لازم يكون عادل.
سكت جيسون ثواني طويلة...
ثم مد إيده ناحية الفاتورة اللي كانت ميليسا كاتباهالي...
ومزقها نصفين ببطء أمام عينيها.
أما ميليسا...
فوقفت مكانها، وعرفت أن الأمور بدأت تخرج من سيطرتها... لكنها لم تكن تعرف أن ما سيقوله جيسون بعدها سيقلب البيت كله رأسًا على عقب جيسون رمى قصاصات الفاتورة على الترابيزة، وبص لميليسا بنظرة هادية... لكنها كانت أخطر من أي صريخ.
قال
أنا عايز أفهم حاجة واحدة.
ما ردتش.
إنتِ اللي اتصلتي بأمي وعزمتيها، صح؟
هزت راسها.
وأمي دفعت من جيبها طلبات البيت؟
...آه.
وطبخت كل يوم؟
...آه.
واهتمت بالولاد؟
...آه.
ونضفت البيت كله؟
سكتت.
رفع صوته لأول مرة.
جاوبي!
قالت وهي بصوت مكسور
آه.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم لف ناحيتي.
ماما... ليه ما كلمتنيش؟
ابتسمت بحزن.
لأنك كنت في شغل، ومكنتش عايزة أكبر المشكلة.
هز رأسه وهو حاسس بالذنب.
وأنا كنت فاكر إنكم بتقضوا وقت حلو مع بعض.
مديت إيدي وربت على كتفه.
عشان كده سكت.
في اللحظة دي، إيما وتوماس دخلوا المطبخ بعد ما خلصوا لعب في الجنينة.
إيما بصت علينا وقالت ببراءة
هو إنتوا بتتخانقوا؟
ولا حد
لكن توماس قال جملة خلت المكان كله يسكت.
بابا... تيتة كانت بتعيط كل ليلة بعد ما ماما تطلع أوضتها.
اتجمدت ميليسا.
جيسون لف ناحية ابنه ببطء.
إيه اللي بتقوله يا توماس؟
الولد قال بمنتهى البراءة
كنت بصحى أشرب مية... وألاقي تيتة قاعدة لوحدها في المطبخ، وما كانتش عايزة تشوفنا وهي بتعيط.
إيما كملت الكلام من غير ما تحس بخطورته.
وماما كانت تقولها كل يوم فيه شغل جديد... وتقولها لو خلصتي ده هقول لجيسون إنك ساعدتينا.
جيسون ما نطقش.
كل كلمة من الأطفال كانت بتكشف حاجات ما كانش يعرفها.
أما ميليسا...
فبدأت تدور على أي كلام تدافع بيه عن نفسها.
الأطفال بيفهموا غلط...
لكن جيسون رفع إيده وسكتها.
ثم قال بصوت منخفض
خلاص... كفاية.
وساد صمت ثقيل في البيت كله.
أنا مسكت شنطتي بهدوء، وقلت
أنا همشي.
لكن جيسون وقف قدامي مباشرة وقال
لأ... محدش هيمشي دلوقتي.
وبص لمراته وقال
لأن فيه كلام لازم يتقال... والنهارده، هيتقال كله ميليسا حاولت تتكلم، لكن جيسون أشار لها بإيده تستنى.
لف ناحيتي وقال
ماما... اقعدي، لو سمحتي.
رجعت قعدت وأنا حاسة إن اللي جاي مش هيكون سهل.
جيسون بص لمراته وقال بهدوء
أنا عايز أسألك سؤال واحد... وإياكي تكذبي.
بلعت ريقها.
لما كلمتي أمي، كنتِ فعلًا عايزاها تيجي عشان الولاد يشوفوها... ولا كنتِ محتاجة حد يشيل عنك البيت؟
اترددت.
ثانية...
اتنين...
وبعدين قالت
الاتنين.
هز رأسه.
لأ... جاوبي بصدق.
نزلت عينيها في الأرض.
كنت... محتاجة حد يساعدني.
يساعدك؟
قالها وهو بيضحك ضحكة قصيرة كلها مرارة.
دي مش مساعدة يا ميليسا... دي خدمة كاملة.
سكتت.
فتح موبايله، وبدأ يقلب في تطبيق البنك.
بعدين رفع الشاشة قدامها.
عارفة دي إيه؟
بصت.
إيصالات التحويل اللي كنت بسيبهالك كل أسبوع.
سكتت.
أنا كنت ببعتلك فلوس مخصوص عشان تجيبي شركة تنظيف مرتين في الأسبوع، ولو احتجتي جليسة أطفال.
اتسعت عينيها.
أما أنا... فدي كانت أول مرة أعرف المعلومة دي.
قال وهو بيقلب بين التحويلات
800 دولار
600 دولار للجليسة.
ومصاريف البيت غيرهم.
رفع عينه وبصلها.
الفلوس دي راحت فين؟
وشها شحب.
قالت بسرعة
كنت... بوفرها.
ولما أمي كانت بتنضف وتطبخ وتغسل... كنتِ بتوفري أكتر.
ما ردتش.
سألها مرة تانية
الفلوس راحت فين يا ميليسا؟
بدأت صوابعها ترتعش.
وقالت بصوت واطي
أنا... كنت بشتري شوية حاجات.
حاجات بإجمالي آلاف الدولارات؟
الصمت كان هو الإجابة.
أنا حسيت إن في سر أكبر من مجرد الفاتورة.
وجيسون واضح إنه بدأ يحس بنفس الإحساس.
فتح درج في المطبخ، طلع منه ملف صغير، وقعد يقلب فيه.
واضح إنه كان بيدور على حاجة معينة.
وفجأة... وقف عند ورقة.
قرأها بسرعة.
وبعدين بص لميليسا بصدمة حقيقية.
يعني... ده صحيح؟
ميليسا جريت ناحيته تحاول تاخد الورقة من إيده.
لكنه رجع خطوة لورا، وما سمحش لها تلمسها.
أما أنا...
فكنت لسه مش عارفة إيه المكتوب في الورقة.
لكن من تعبير وش جيسون...
عرفت إن الحقيقة اللي اكتشفها أكبر بكتير من فاتورة ال دولار... وأن المواجهة الحقيقية لسه ما بدأتش ميليسا مدت إيدها وهي بتقول بتوتر
هات الورقة دي... دي قديمة وملهاش أي أهمية.
لكن جيسون شدها بعيد عنها.
طالما ملهاش أهمية... إيه اللي مخليكي خايفة منها بالشكل ده؟
سكتت.
فتح الورقة تاني، وقراها من أولها للآخر.
وبعدين قال بهدوء
الحساب ده... باسمك لوحدك.
أنا ما فهمتش.
بصيت بينهم باستغراب.
جيسون رفع الورقة ناحيتي وقال
دي كشوفات حساب توفير فتحته من سنة تقريبًا.
قلت
وده فيه إيه؟
رد وهو لسه عينه على الأرقام
كل شهر كنت بحول مبلغ لشركة التنظيف، ومبلغ لجليسة الأطفال... لكن بدل ما تدفعهم، كانت بتحط جزء كبير من الفلوس في الحساب ده.
ميليسا انفجرت
أنا كنت بوفر لمستقبلنا!
جيسون رد بسرعة
يبقى كنتِ تقوليلي. مش تخلي أمي تشتغل من الصبح لليل علشان توفري فلوس أكتر.
أنا ما اتدخلتش.
كنت حاسة إن الكلام بينهم لازم يطلع كله.
ميليسا قعدت على الكرسي وهي بتعيط.
وقالت
أنا تعبت... كنت حاسة إن كل المسؤولية عليا.
جيسون
لو كنتِ قلتي إنك تعبانة، كنتِ ساعدتك. لكن اللي عملتيه حاجة تانية.
سكت شوية، ثم أشار ناحيتي.
دي أمي... مش عاملة عندنا.
الكلمة دي خلت ميليسا تنزل راسها.
لكن قبل ما حد يتكلم...
رن جرس الباب.
كلنا بصينا ناحية الباب في نفس اللحظة.
جيسون فتح.
كان ساعي توصيل واقف، شايل كذا صندوق كبير.
قال
طرد للسيدة ميليسا.
بص جيسون على الصناديق.
كلها من ماركات فاخرة.
فتح واحد منهم بعد ما وقّع على الاستلام.
كان جواه شنطة جلد غالية، ولسه عليها بطاقة السعر.
فتح صندوق تاني...
وحذاء فاخر.
والتالت...
إكسسوارات وساعة.
جيسون بص للصناديق، ثم بص على كشف الحساب اللي في إيده.
وبعدين قال بهدوء شديد
دلوقتي عرفت الفلوس كانت بتروح فين.
أما ميليسا...
فما لقتش أي كلمة تدافع بيها عن نفسها، واكتفت إنها تبص للأرض، بينما الجو في البيت بقى أثقل من أي وقت فات الصمت فضل مسيطر على المكان.
حتى الأطفال حسّوا إن في حاجة كبيرة بتحصل، فدخلوا أوضتهم من غير ما حد يطلب منهم.
جيسون قفل الصندوق بهدوء، وحطه جنب باقي الصناديق.
وبعدين قال لميليسا
أنا مش زعلان عشان الفلوس.
رفعت رأسها بسرعة، كأنها تعلقت بالأمل.
لكنه كمل
أنا زعلان لأنك استغلّيتي أكتر إنسانة عمرها ما اتأخرت عن مساعدتنا.
نزلت دموعها.
وقالت
أنا كنت فاكرة إن والدتك بتحب تعمل كل ده.
ابتسمت بحزن.
بحب أساعد... آه. لكن المساعدة حاجة، والاستغلال حاجة تانية.
جيسون أخد نفسًا عميقًا، وبعدين لف ناحيتي.
ماما... معايا سؤال.
اتفضل.
الطلبات اللي اشتريتيها من فلوسك... بكام؟
قلت
مش فاكرة بالظبط.
فتحت شنطتي، وطلعت الإيصالات اللي كنت محتفظة بيها.
بص فيها.
184 دولار.
وبعدين قال
والهدايا؟
ابتسمت.
دي للأولاد... ملهاش تمن.
قال وهو بيهز رأسه
لأ... ليها تمن عندي.
دخل أوضته، وبعد دقيقة رجع شايل ظرف.
حطه قدامي.
دي قيمة كل اللي صرفتيه... وزيادة.
دفعت الظرف ناحيته.
أنا مجتش علشان فلوس يا ابني.
قال
وأنا مش بدفعلك مقابل حبك.
وسكت لحظة.
أنا بردلك حقك.
رفضت آخده.
لكن إيما خرجت من أوضتها، ومسكت إيدي.
وقالت ببراءة
خديه يا تيتة... بابا بيكون زعلان لما حد يرفض هديته.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وبصيت لجيسون.
كان واضح إنه مصر.
مديت إيدي، وخدت الظرف.
لكن حطيته فورًا في شنطة إيما الصغيرة.
قلت
يبقى
متابعة القراءة