كنتي دعتني
كنتي دعتني أقعد عندها أسبوع... وفي آخر يوم حطّت قدامي فاتورة ب 2000 دولار مقابل الإقامة! كانت مبسوطة بنفسها جدًا... لكن تاني يوم الصبح، الابتسامة دي اختفت من وشها خالص.
لما ميليسا كلمتني، كان صوتها مليان حماس بطريقة غريبة.
قالتلي جيسون مضطر يسافر شغل كام يوم، والعيال بيسألوا عليكي طول الوقت... إيه رأيك تيجي تقعدي معانا الأسبوع ده؟
وافقت من غير ما أفكر.
أحفادي، إيما وتوماس، كانوا واحشيني جدًا، وبقالي شهور ما شفتهمش.
حضّرت شنطة فيها هدوم تكفيني أسبوع، وخدت معايا كام برطمان مربى فراولة كنت عاملاهم بإيدي، وكمان شوية هدايا كنت مخبياهم مخصوص للولاد.
أول ما وصلت، إيما وتوماس جريوا عليا وحضنوني بكل حب.
وقتها حسيت إن ميليسا فعلًا عزمتني عشان كلهم كانوا مفتقديني.
لكن تاني يوم الصبح... اكتشفت الحقيقة.
البيت كان في حالة يرثى لها.
المواعين مكومة في المطبخ، والغسيل مالي الطرقة، والأرضيات كلها تراب، والحمامات شكلها ما اتنضفتش من أسابيع.
أما ميليسا... فما نزلتش من أوضتها غير قبل الضهر بشوية.
دخلت المطبخ وهي ماسكة موبايلها، بصت حواليها، وبدأت توزع أوامر كأنها مديرة شركة.
الحمام اللي تحت محتاج يتنضف.
رتبي التلاجة.
اعملي سندوتشات للولاد.
وبالمرة اعملي مكرونة سباجيتي للعشا.
اتفاجئت... لكن ما اتكلمتش.
أنا جيت عشان أقضي وقت مع أحفادي، وقلت لنفسي إن شوية مساعدة مش هتضر.
لكن شوية المساعدة اتحولت لقائمة أوامر ملهاش آخر.
خلتني أغسل هدوم، وأنضف الأوض، وأرتب المخزن، وأظبط الدولاب بتاعها، وأكنس تحت العفش، وأطبخ كل الوجبات.
وهي؟
كانت أغلب الوقت قاعدة فوق أو ماسكة الموبايل.
وفي يوم وهي بتديني ورقة فيها شغل جديد... ضحكت وقالت بسخرية
حاولي ما تبقيش جدة كسولة أوي.
بصتلها... وسكت.
أنا ربيت ابن، واشتغلت 30 سنة، واهتميت ببيتي لوحدي بعد وفاة جوزي.
مش محتاجة واحدة بتصحى الضهر تقولي أنا كسولة.
لكن ما كنتش عايزة أعمل مشكلة قدام أحفادي.
فكملت.
كل يوم أعملهم الفطار.
أجهز لهم أكل المدرسة.
أخرجهم الجنينة.
ألعب معاهم.
أقرأ لهم قصص قبل النوم.
وأسمع
وفوق ده كله...
نضفت البيت كله تقريبًا.
غسلت كذا غسلة هدوم.
اشتريت طلبات البيت من فلوسي.
عملت العشا كل يوم.
واهتميت بالولاد كل ما ميليسا تحب تاخد وقت لنفسها.
وفي آخر الأسبوع...
كنت مرهقة تمامًا.
قبل جيسون ما يرجع بيوم، دخلت ميليسا المطبخ وهي مبتسمة بثقة.
وحطت قدام فنجان القهوة ورقة مطبوعة ومنسقة.
بصيت فيها...
لقيتها فاتورة!
الإقامة في أوضة الضيوف 900 دولار.
الأكل والكهربا والمية 650 دولار.
استخدام مرافق البيت 450 دولار.
الإجمالي 2000 دولار.
قريت الورقة مرتين، وبعدين رفعت عيني وبصتلها.
قلت يا ميليسا... إنتِ اللي عزمتيني.
ردت بمنتهى البرود
بس إنتِ قعدتي في بيتنا، واستخدمتي الكهربا والمية والواي فاي والتكييف... وكل ده بيتحسب.
قلت أنا اللي اشتريت طلبات البيت، وطبخت كل الأكل، ونضفت البيت، واهتميت بولادك.
وشها اتغير وقالت
أنا ما أجبرتكيش تعملي أي حاجة... ده كان اختيارك. أما رسوم الإقامة... فلازم تتدفعي.
قلت يعني عايزاني أدفع قبل ما أمشي؟
قالت بثقة
أيوه... المبلغ كامل.
حسيت الغضب بيغلي جوايا...
لكن رفضت أديها رد الفعل اللي كانت مستنياه.
طيّت الفاتورة بهدوء، وحطيتها في شنطتي.
وقلت بابتسامة هادية
معنديش المبلغ الليلة... هستأذنك تستنيه لبكرة الصبح.
ابتسمت وهي متطمنة وقالت
مافيش مشكلة... المهم آخده.
ابتسمت أنا كمان...
لأنها كانت فاكرة إنها كسبت.
وماكانتش تعرف... إن من اللحظة دي، بدأت أخطط لدرس عمرها ما هتنساه ووووو
حكايات_زيزي
تاني يوم، صحيت بدري جدًا... قبل أي حد في البيت.
حضّرت الفطار للأطفال كعادتي، وجهزتلهم الشنط، وساعدت إيما تسرّح شعرها، وربطت جزمة توماس وهو بيضحك ويقولي
يا تيتة... يا ريت تعيشي معانا على طول.
ابتسمت وربتّ على راسه، لكن قلبي كان واجعني.
بعد ما الولاد خرجوا، لقيت ميليسا نازلة السلم وهي شايلة مج كبير قهوة، وبصتلي أول حاجة على الشنطة اللي كانت جنب الباب.
ابتسمت ابتسامة رضا وقالت
واضح إنك جاهزة للسفر... الفلوس معاكي؟
ابتسمت بنفس الهدوء.
أكيد.
ارتاحت ملامحها، وقعدت على الكرسي وهي بتفتح
لكن أنا ما طلعتش المحفظة.
طلعت ظرف أبيض مقفول.
حطيته قدامها على الترابيزة.
مدت إيدها بسرعة، وهي متأكدة إن فيه الفلوس.
فتحت الظرف...
وبدأت تقلب اللي جواه ورقة ورا التانية.
أول ورقة خلت ابتسامتها تختفي شوية.
تاني ورقة... عقدت حواجبها.
تالت ورقة... بقت تبصلي باستغراب.
رفعت رأسها وقالت
إيه ده؟
قلت بهدوء
كمّلي القراءة.
سكتت، ورجعت تبص في الأوراق.
كل ما تقرأ سطر... وشها كان لونه بيتغير أكتر.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
ميليسا بصت من الشباك بسرعة.
جيسون!
همستها خرجت متوترة لأول مرة من أول الأسبوع.
كان المفروض يرجع بالليل...
لكنه رجع بدري.
قفلت الظرف بسرعة، وكأنها خايفة حد يشوف اللي فيه.
بعد ثواني، باب البيت اتفتح...
وصوت جيسون وصل من المدخل
أنا رجعت... في حد صاحي؟
بصيت لميليسا...
ولأول مرة من ساعة وصلت البيت...
شوفت الخوف الحقيقي في عينيها.
أما أنا...
فاكتفيت بابتسامة صغيرة، وأنا لسه ماسكة فنجان القهوة، مستنية اللحظة المناسبة... دون ما أنطق بكلمة واحدة جيسون دخل المطبخ وهو بيبتسم أول ما شافني.
ماما! يا خبر... كنت فاكر هتمشي بعد الضهر.
قمت حضنته، وربتّ على ضهره.
وحشتني يا ابني.
لاحظ إن الجو متوتر.
بص على ميليسا، وبعدين عليّا.
فيه حاجة حصلت؟
قبل ما أرد...
ميليسا قامت بسرعة وخطفت الظرف من على الترابيزة.
وقالت وهي بتحاول تضحك
لا أبدًا... مجرد شوية حسابات بيني وبين والدتك.
لكن جيسون مد إيده.
وريني.
ترددت ثانية...
ثم ناولته الظرف وهي بتحاول تبان هادية.
فتح أول ورقة.
قرأها بسرعة.
وبعدين فتح التانية...
وبدأ يقرأ ببطء.
ملامحه اتغيرت.
إيه ده؟
ميليسا حاولت تسبقني بالكلام.
دي مجرد مزحة بينا.
لكنه رفع عينه ناحيتها وقال
مزحة؟
سكتت.
بص للورقة التالتة.
وبعدين قال بصوت منخفض
ماما... إنتِ اللي كتبتي الورق ده؟
ابتسمت بهدوء.
لأ.
أمال مين؟
قلت
دي مجرد نسخة من كل حاجة حصلت طول الأسبوع.
قلب الورق تاني.
كان فيه جدول بالتواريخ.
الإثنين...
حضّرت الفطار.
غسلت غسيلتين.
نضفت الحمامين.
اشتريت
الثلاثاء...
اهتميت بالأطفال من الساعة سبعة الصبح لحد تسعة بالليل.
طبخت الغدا والعشا.
رتبت المخزن.
الأربعاء...
وديتهُم المدرسة.
رجعت نضفت البيت بالكامل.
غسلت الشبابيك.
وهكذا...
كل يوم.
كل مهمة.
كل فاتورة دفعتها.
وحتى المواعيد اللي كانت ميليسا بتخرج فيها وتسيبني لوحدي مع الولاد.
رفع جيسون رأسه ببطء.
إنتِ سجلتي كل ده؟
ابتسمت.
لما لقيت مراتك بتحب الفواتير... قلت أبقى منظمة زيها.
ميليسا ضحكت بسخرية وهي بتحاول تستعيد ثقتها.
يعني إيه؟ هتحاسبيني على غسيل طبقين؟
قلت بهدوء شديد
لأ... على شغل أسبوع كامل.
وسحبت من شنطتي ورقة أخيرة.
كانت مختلفة عن باقي الأوراق.
حطيتها قدام جيسون.
بص فيها...
واتسعت عينه فجأة.
دي...!
مدت ميليسا رقبتها تشوف المكتوب...
وأول ما وقعت عينيها على الورقة...
اتغير لون وشها تمامًا.
لكنها حاولت بسرعة تخبي ارتباكها وقالت
مستحيل...
أما جيسون...
ففضل باصص للورقة عدة ثوانٍ من غير ما ينطق ولا كلمة، قبل ما يرفع رأسه ببطء ويبص لمراته بنظرة عمرها ما شافتها منه قبل كده ميليسا حاولت تضحك، لكن ضحكتها كانت متوترة.
قالت وهي بتبص لجيسون
متاخدش الموضوع بجد... دي مجرد ورقة.
جيسون ما ردش.
فضل مركز في الورقة، وبعدين سألني بهدوء
ماما... إيه دي؟
قلت
فاتورة... طالما بقينا بنحاسب بعض.
رفع عينه وبصلي.
فاتورة؟
هزيت راسي.
آه.
مدها لميليسا.
اقري.
مسكتها بإيد مرتعشة.
كان عنوانها مكتوب بخط كبير
كشف حساب الخدمات المقدمة خلال سبعة أيام.
وتحته بنود بالتفصيل.
رعاية طفلين لمدة أسبوع كامل.
إعداد 21 وجبة.
تنظيف المنزل بالكامل.
غسيل وكي وترتيب الملابس.
شراء مستلزمات المنزل من مالي الخاص.
توصيل الأطفال ومرافقتهم.
رواية قصص قبل النوم.
تنظيف المخزن والحمامات.
وفي آخر الصفحة...
الإجمالي المستحق 4860 دولار.
بصتلي ميليسا وهي مصدومة.
إنتِ بتهزري؟
قلت بمنتهى الهدوء
لا... أنا استخدمت متوسط أسعار شركات التنظيف وجليسات الأطفال والطهاة في منطقتكم. كل رقم مكتوب قدامه مصدره.
جيسون بدأ يقلب الورق.
وفعلًا...
كان جنب كل خدمة
كل حاجة متوثقة.
مافيش رقم متكتب من دماغي.
سادت لحظة صمت.
وبعدين قلت وأنا ببص لميليسا
إنتِ حسبتي عليّا الكهربا والمية والواي فاي... وأنا حسبت شغلي. ولو هنشتغل بمبدأ الفواتير، يبقى دي فاتورتي.
بلعت ريقها وقالت