الساعه سته

لمحة نيوز

أنفاس كريم سرعة.
ثم قال بعصبية
أي حد ممكن يتوقع.
هز أبي رأسه بالنفي.
لأ... محدش يتوقع.
اقترب من الصندوق المعدني، ثم رفعه ووضعه على المكتب.
كان ثقيلًا.
نظر إلى المحامي وقال
افتحه.
أخرج المحامي مفتاحًا صغيرًا من الملف الأزرق، وكأنه كان يعلم بوجوده.
فتح القفل.
تك.
رفع الغطاء ببطء.
تقدم الجميع خطوة إلى الأمام.
لكن ما بداخل الصندوق لم يكن ذهبًا...
ولا أموالًا...
ولا حتى أوراقًا.
كان مجرد ظرف أبيض سميك، وعلى وجهه عبارة واحدة بخط أبي
إذا حاول أحد فتح هذا الصندوق في غيابي... فالحقيقة كلها موجودة بالداخل.
ارتجفت يد منى.
أما كريم...
فتراجع خطوة كاملة إلى الخلف دون أن يشعر.
نظر إليه أبي بهدوء، ثم قال
واضح إنك عارف الظرف ده... أكتر من أي حد هنا.
وفي اللحظة التي مد فيها المحامي يده لفتح الظرف...
سمعنا صوت كريم يصرخ لأول مرة
استنى!تجمدت الأيدي في مكانها.
ظل الظرف الأبيض بين أصابع المحامي، بينما دوّى صوت كريم في أرجاء المكتب
استنى!
التفت الجميع إليه.
كان يتنفس بسرعة، وقطرات العرق تنساب على جبينه رغم برودة الجو.
رفع أبي عينيه إليه وقال بهدوء
ليه؟
تلعثم كريم
يعني... يمكن الورق ده... خاص.
ابتسم أبي ابتسامة قصيرة.
طول الصبح وإنت بتفتش البيت كله، ودلوقتي بقيت خايف على خصوصيتي؟
لم يجد كريم ردًا.
أما منى، فبدأت تنظر إليه باستغراب.
همست
إنت مخبي عني إيه؟
أجاب بسرعة
ولا حاجة.
لكن نبرة صوته لم تكن مقنعة.
فتح المحامي الظرف ببطء، وأخرج منه مجموعة أوراق، ثم توقف عند أول صفحة.
قرأها في صمت، ثم رفع رأسه ونظر مباشرة إلى أبي.
قال
زي ما اتفقنا... كل حاجة موثقة.
شعرت بالحيرة.
أما كريم، فقد ازداد اضطرابه.
سأل أبي المحامي
اقرأ أول سطر.
أخذ المحامي نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت واضح
هذا الملف أعددته لأنني
بدأت ألاحظ خلال الأشهر الأخيرة محاولات متكررة لدخول مكتبي وفتح خزانتي دون إذني...
ساد صمت ثقيل.
أكمل
...ولذلك قمت بتوثيق كل ما حدث، مع التواريخ والأوقات، واحتفظت بالأدلة في مكان آمن.
ارتبكت منى.
التفتت إلى كريم بسرعة.
إيه الكلام ده؟
هز رأسه بعصبية.
معرفش.
لكن المحامي واصل القراءة
كما قمت بتغيير أماكن جميع المستندات المهمة، ووضعت داخل الخزنة أوراقًا لا قيمة لها، بينما احتفظت بالأصول في مكان آخر.
رفع أبي نظره إلى كريم.
ثم قال
يعني حتى لو كنت لقيت الخزنة... مكنتش هتلاقي اللي كنت بتدور عليه.
تراجع كريم خطوة أخرى.
وبدأ يفقد هدوءه.
أما منى، فقد كانت تنظر بين أبي وزوجها، وكأنها بدأت تدرك أن هناك أشياء لم يكن يخبرها بها.
ثم طوى المحامي الأوراق، وقال
وهناك جزء أخير لا يُقرأ إلا إذا حدثت محاولة للاستيلاء على الممتلكات دون علم الأستاذ.
ابتسم أبي ابتسامة هادئة.
وقال
واضح إن الوقت المناسب جه.
ثم أشار إلى المحامي أن يُكمل، بينما كانت أنظار الجميع معلقة بالكلمات التالية، والتي كانت كفيلة بقلب الموقف رأسًا على عقب فتح المحامي الصفحة الأخيرة ببطء، ثم نظر إلى أبي كأنه يستأذنه.
هز أبي رأسه موافقًا.
فبدأ المحامي يقرأ بصوت واضح
إذا وصل هذا الخطاب إلى هذه المرحلة، فهذا يعني أن شخصًا ما حاول التصرف في ممتلكاتي دون علمي أو موافقتي.
ساد صمت كامل.
حتى العمال اقتربوا ليستمعوا.
وأكمل المحامي
لذلك أطلب من كل من يقرأ هذه الكلمات أن يعلم أنني كنت أتوقع حدوث ذلك، ولهذا اتخذت جميع الإجراءات القانونية اللازمة مسبقًا.
تغيرت ملامح كريم.
أما منى، فأصبحت شاحبة تمامًا.
ثم قال المحامي
كما أنني تركت تعليمات واضحة بعدم بيع المنزل أو السيارة أو أي ممتلكات إلا بحضوري الشخصي.
نظر أبي إلى كريم وسأله بهدوء
ومين
كان بيقيّم العربية الصبح؟
لم يرد كريم.
خفض رأسه إلى الأرض.
وأضاف المحامي
وأخيرًا... هناك ظرف آخر محفوظ لدى مكتبي، لا يُسلَّم إلا إذا ثبتت محاولة الاستيلاء على الممتلكات.
عقدت حاجبي.
حتى أبي بدا أنه لم يفهم المقصود.
رفع المحامي حقيبته الجلدية، وأخرج منها ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
قال
هذا الظرف استلمته منذ أسبوعين، وطلب مني الأستاذ ألا أفتحه إلا إذا حدث ما حدث اليوم.
نظر الجميع إلى الظرف.
حتى كريم نسي أن يتكلم.
ناول المحامي الظرف إلى أبي.
تأمله لثوانٍ، ثم كسر ختم الشمع بنفسه.
فتح الورقة ببطء...
وبينما كانت عيناه تتحركان بين السطور، تبدلت ملامحه.
في البداية ابتسم.
ثم اختفت الابتسامة.
ثم نظر مباشرة إلى منى.
لكن الغريب...
أنه لم ينظر إليها بغضب.
بل بحزن شديد.
طوى الورقة بهدوء، وأعادها إلى الظرف.
ثم قال بصوت منخفض
كنت أتمنى ألا أحتاج أفتح الرسالة دي أبدًا.
اقتربت منه وسألته
فيها إيه يا بابا؟
هز رأسه وقال
مش دلوقتي.
ثم التفت إلى المحامي وقال
أعتقد إن الخطوة الجاية لازم تتم النهارده.
أغلق المحامي حقيبته، وأجاب
أنا جاهز.
أما كريم، فقد بدا عليه الذعر الحقيقي لأول مرة.
وسأل بصوت مرتجف
خطوة إيه؟
ابتسم أبي ابتسامة هادئة، وقال
الخطوة اللي هتحدد مين له حق يدخل البيت ده... ومين هيخرج منه للأبد.
وفي تلك اللحظة، سُمع صوت سيارة أخرى تتوقف أمام المنزل، ونزل منها شخص لم يكن أحد يتوقع حضوره، وما إن وقع نظره على أبي حتى قال
الحمد لله... كنت خايف أوصل متأخر نظر أبي إلى الرجل الذي نزل من السيارة، ثم ابتسم لأول مرة منذ الصباح.
قال
أهلًا يا أستاذ سامح... وصلت في الوقت المناسب.
اقترب الرجل وصافحه، ثم التفت إلى الجميع.
أنا شاهد على آخر تعديل قانوني عمله والدكم قبل أسبوعين.
شهقت منى.
تعديل؟
أومأ
الرجل.
نعم... لكنه لم يكن تعديلًا للوصية، بل توثيقًا لرغبته في حماية ممتلكاته إذا حاول أحد الاستيلاء عليها وهو ما زال على قيد الحياة.
ساد صمت ثقيل.
نظر أبي إلى منى وقال بهدوء
أنا ما كنتش ناوي أختبر حد... لكن اللي حصل النهارده كشف كل حاجة.
انهمرت دموع منى، وقالت بصوت مكسور
أنا غلطت يا بابا... صدقت كلام كريم.
لكن كريم صاح
متسمعيش كلامه! إحنا معملناش حاجة!
ابتسم المحامي، وأخرج من حقيبته عدة صور مطبوعة.
كانت صورًا لكريم وهو يدخل مكتب أبي في أكثر من مناسبة دون إذنه، وصورًا له وهو يحاول فتح الخزنة قبل أيام.
تراجع كريم مذهولًا.
قال المحامي
الأستاذ كان شاكك من فترة، فركّب كاميرات مراقبة داخل المكتب فقط.
انخفض رأس كريم.
ولم يعد يستطيع إنكار شيء.
نظر إليه أبي وقال
أنا زعلان منك لأنك حاولت تفرّق بيني وبين بنتي... وأقنعت منى إن الطمع هيخلّيها أسعد.
ثم التفت إلى منى.
أما إنتِ... فالفلوس ممكن ترجع، لكن الثقة لما بتتكسر صعب ترجع زي الأول.
انفجرت منى في البكاء، وخلعت خاتمها ووضعته أمام كريم.
قالت بصوت حاسم
أنا مش هكمل مع واحد علمني أطمع في أبويا.
حاول كريم أن يتكلم، لكن لم يدافع عنه أحد.
العمال غادروا، والمحامي أغلق الملف، وعم حسن اكتفى بهز رأسه في أسف.
اقتربت من أبي، فابتسم ووضع يده على كتفي.
وقال
أكبر ميراث ممكن أسيبه لأولادي... مش البيت ولا العربية.
سألته
أمال إيه؟
نظر إلينا جميعًا وقال
إنهم يعرفوا إن الطمع بيهدم العيلة... لكن الصدق بيجمعها من جديد.
خرج كريم من المنزل وحده، بعدما فقد ثقة الجميع.
أما منى، فلم تستعد مكانتها في يوم واحد، لكنها بدأت تحاول إصلاح ما أفسدته، خطوة بعد خطوة.
وأما أبي...
ففي صباح اليوم التالي، جلس في نفس مكانه على طاولة المطبخ، احتسى قهوته، ثم مد يده وسرق
شريحة اللحم المقدد من طبقي وهو يبتسم.
ضحكت لأول مرة منذ يومين.
وقلت له
واضح إنك رجعت لحياتك الطبيعية.
ابتسم وقال
طول ما الأسرة لسه متماسكة... يبقى دي أغلى ثروة أملكها.
تمت.

تم نسخ الرابط