الساعه سته
الساعة 630 صباحًا في يوم خميس شديد البرودة، اتصلت بي أختي لتخبرني أن أبي مات.
لكن كانت هناك مشكلة واحدة.
أبي كان جالسًا على بعد ثلاثة أقدام مني على طاولة المطبخ، مرتديًا روبًا كحليًا من الفلانيل، يحتسي قهوته الساخنة، ويسرق شرائح اللحم المقدد من طبقي، كعادته كل صباح خلال اليومين الماضيين.
حدقت في اسم المتصل المضيء على شاشة هاتفي.
منى عبدالعزيز.
أختي الكبرى لا تتصل بي قبل الظهر تقريبًا أبدًا. كانت تعتبر الاستيقاظ المبكر نوعًا من العقاب الشخصي، لذلك عندما رأيت اسمها على الشاشة بينما السماء لا تزال رمادية، شعرت بانقباض في معدتي.
ظننت أن هناك كارثة حقيقية.
لكن لم يخطر ببالي أنها كانت على وشك اختراع واحدة.
مدّ أبي يده، وسرق شريحة أخرى من اللحم، ثم طواها بعناية وغمس طرفها في صفار البيض السائل.
كان شعره الفضي لا يزال مبللًا بعد الاستحمام.
كان يبدو حيًا تمامًا.
بل حيًا بشكل مستفز... خصوصًا أن تلك الشريحة كانت تخصني.
ثم لاحظ ملامح وجهي.
همس
في إيه؟
رفعت إصبعًا أطلب منه الصمت.
ثم رددت على المكالمة.
ألو يا منى.
مرّت ثانيتان طويلتان دون أن ينطق أحد بكلمة.
كنت أسمع صوت محرك سيارة، وصوت إشارة الانعطاف المنتظمة.
تك...
تك...
تك...
ثم قالت منى
يا ندى... بابا مات امبارح بالليل.
تجمدت يدي حول كوب القهوة.
وخلفي أطلقت ماكينة القهوة آخر زفرة بخار.
أما أبي...
فتوقف عن المضغ.
ببطء شديد التفتُّ إليه.
نظر إليّ وهو يرفع حاجبيه باستغراب.
نظرت إليه.
ثم إلى الهاتف.
ثم عدت أنظر إليه مرة أخرى.
لولا غرابة الموقف، لانفجرت ضاحكة.
كان يبدو مندهشًا...
لكنه بالتأكيد لم يكن يبدو ميتًا.
وبعد كل ما حدث خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية، لم يعد الاندهاش أغرب شعور يمكن أن نعيشه.
ضغطت زر مكبر الصوت، ووضعت الهاتف بجوار طبق السكر.
اقترب أبي قليلًا ليستمع.
سألت
إمتى حصل ده؟
قالت منى
في وقت من الليل... عم حسن هو اللي لقاه.
تغيرت ملامح أبي فورًا.
عم حسن كان أقرب أصدقائه منذ
كانا يصطادان السمك معًا، ويحضران مباريات الكرة، وساند كلٌ منهما الآخر في الأوقات الصعبة.
والأهم...
أن عم حسن كان يمتلك مكتب دفن وتجهيز جنازات قبل أن يتقاعد.
لهذا بدت كذبة منى مقنعة...
إلى حدٍ ما.
سألت بهدوء
مات إزاي؟
تنهدت منى.
لم تبكِ.
لم تنتحب.
حتى إنها لم تتوقف لحظة.
تنهدت فقط، وكأنني سألتها سؤالًا يضيع وقتها.
قالت ببرود
يفرق يعني؟ خلاص... مات.
على الطرف الآخر من الطاولة، أنزل أبي الشوكة ببطء.
وقست نظراته.
كنت أعرف تلك النظرة جيدًا.
لكن منى لم تكن تعرفها.
واصلت كلامها
أنا وجوزي كريم بنتصرف في كل حاجة... ومفيش داعي تيجي البيت.
نظر إليّ أبي.
وأكملت
وبالمناسبة... النهارده هيغيروا الكالون.
ساد الصمت للحظة.
ثم سمعت ضحكة عالية في الخلفية.
كانت ضحكة كريم.
زوج أختي.
تلك الضحكة التي كانت دائمًا تشبه ضحكة شخص نجح في خداع أحدهم.
اشتد فك أبي.
ضممت ذراعي.
سألت
ليه هيغيروا الكالون؟
تنهدت مرة أخرى.
وقالت بملل
عشان لقينا وصية بابا.
توقف أبي عن الحركة تمامًا.
وأضافت
ساب البيت ليا أنا وكريم... والعربية... والحسابات... وكل حاجة.
نظرت مباشرة إلى أبي.
ونظر هو إليّ.
لم ينطق أي منا.
ثم قالت الجملة التي كانت تنتظرها منذ بداية المكالمة
إنتِ بالاسم... مش ليكي أي حاجة.
انفجر كريم بالضحك.
هذه المرة أعلى من قبل.
ثم اقترب من الهاتف وقال
مبروك... أخيرًا بقيتي برة العيلة.
كانت الجملة مؤلمة أكثر مما توقعت.
لسنوات، كانت منى تخبر الجميع أنني البنت اللي سابت أهلها.
فقط لأنني سافرت إلى محافظة أخرى للعمل.
مع أنني كنت أتصل بأبي كل أسبوع، وأدفع تذاكر سفره كلما احتاج، وقضيت آخر يومين معه...
بينما هي لا تعرف شيئًا عما حدث.
كان بإمكاني الدفاع عن نفسي.
لكنني لم أفعل.
لأن شيئًا أكثر إثارة كان يحدث أمامي.
وضع أبي كوب القهوة على الطاولة.
تك...
كان صوتًا خافتًا جدًا.
لكنه أقلقني أكثر من أي صراخ.
أبي لم يكن من الرجال الذين يثورون بسهولة.
حين يغضب...
يصمت.
صمتًا مخيفًا.
واصلت منى كلامها دون أن تدري.
إحنا كمان هنبيع العربية... وكريم هيشوف حد يقيّمها... وكلمنا البنك... وهنفتش مكتب بابا النهارده.
رفع أبي حاجبيه.
مكتبه؟
كدت أبتسم.
ثم سألتها
والبيت؟
قالت بثقة
طبعًا هيبقى لينا.
وصاح كريم من الخلف
وممكن نجدد المطبخ كمان!
ثم انفجرا بالضحك.
أما أبي...
فلم يبتسم.
أصبح هادئًا بصورة مخيفة.
تابعت منى
ولو لسه ليكي أي هدوم في أوضتك القديمة، هحطهم في كراتين، وكريم هيسيبهم جنب الجراج.
قلت بسخرية
ذوق جدًا.
لكنها لم تفهم.
قالت
كنت عارفة إنك هتتفهمي.
نظر إليّ أبي وهمس دون صوت
أتفهم؟
عضضت على شفتي حتى لا أضحك.
ثم أمسك كريم الهاتف مرة أخرى.
وقال
وبالمناسبة يا ندى...
نعم؟
بلاش تعملي مشاكل.
نظرت من النافذة إلى طبقة الصقيع التي غطت الحديقة.
قلت
مشاكل؟
قال بثقة
بلاش تطعني في الوصية... أو تطلبي حاجة مش من حقك... منى هي البنت الكبيرة... وهي اللي فضلت جنب أبوها... تستحق كل حاجة.
مال أبي إلى الخلف في كرسيه.
وأكمل كريم
إنتِ اللي اخترتي تبعدي.
همهمت منى موافقة.
ثم قال الجملة التي غيرت ملامح أبي تمامًا
واضح إن أبوكي كان عارف مين اللي بيحبه بجد.
ساد الصمت في المطبخ.
تجمد وجه أبي.
لم يكن غاضبًا...
ولا حزينًا.
بل أصبح باردًا بصورة مخيفة.
رأيت تلك النظرة مرتين فقط طوال حياتي.
وفي المرتين...
ندم الشخص الذي تسبب فيها أشد الندم.
مددت يدي نحو الهاتف لأنهي المكالمة.
لكن أبي أوقفني.
رفع يده.
ثم أشار إلى نفسه.
ترددت.
فأشار مرة أخرى.
هل تريد أن تتكلم؟
هز رأسه بالإيجاب.
وعلى الهاتف قالت منى بنفاد صبر
ندى؟ إنتِ لسه معايا؟
قلت
أيوه... سامعاكي.
قالت
كويس... يبقى افهمي إن كل حاجة بقت بتاعتنا.
ضحك كريم مرة أخرى.
وقال
أخيرًا.
وقف أبي.
أحكم ربط حزام الروب، وسار حتى اقترب من الهاتف.
بينما كانت منى تتحدث عن الجنازة، والأوراق، والميراث، والممتلكات التي ظنت أنها أصبحت ملكًا لها...
انحنى أبي نحو الهاتف.
ورأيت في عينيه بريقًا خطيرًا.
كان
حين اقترب أبي من مكبر الصوت، وقال بهدوء...اقترب أبي من الهاتف حتى كاد صوته يلامس السماعة، ثم قال بنبرة هادئة إلى حدٍ مرعب
صباح الخير يا منى.
...
انقطع صوت الضحك فورًا.
حتى صوت إشارة السيارة اختفى.
لم أسمع سوى أنفاس متسارعة على الطرف الآخر.
ثم جاء صوت منى، مرتجفًا هذه المرة
...مين؟
أعاد أبي الجملة نفسها، بنفس الهدوء
قولت... صباح الخير.
مرّت خمس ثوانٍ كاملة دون أن ينطق أحد.
كنت أستطيع تخيل وجهها وهو يشحب.
أما كريم...
فلم ينطق بحرف.
همس أبي وهو ينظر إليّ مبتسمًا ابتسامة صغيرة
واضح إنهم شافوا شبح.
ثم عاد للهاتف.
ولا إيه يا منى؟
جاء صوتها متقطعًا
...بابا؟
أيوه.
إ... إنت...
حي.
ساد صمت طويل.
ثم سمعنا صوت ارتطام قوي، كأن الهاتف سقط على تابلوه السيارة.
بعدها مباشرة بدأ كريم يتكلم بسرعة وعصبية
مين بيلعب اللعبة السخيفة دي؟!
رد أبي بهدوء
أنا.
مستحيل!
ليه؟ لأنكم دفنتوني بدري؟
لم يرد أحد.
ابتسم أبي ابتسامة باردة.
ثم قال
واضح إنكم كنتوا مستعجلين أوي.
سمعت منى تهمس بعيدًا عن الهاتف
إقفل... إقفل... إقفل.
لكن كريم أمسك الهاتف مرة أخرى، وحاول استعادة ثقته.
أكيد دي خدعة.
رد أبي
الحقيقة الوحيدة اللي فيها خدعة... هي اللي كنتوا بتحضروها.
ثم أضاف بصوت منخفض
قوليلي يا منى... هو إنتِ عرفتي منين إن الوصية في المكتب؟
تجمد الطرف الآخر.
لأول مرة...
لم تجد منى إجابة.
أما أبي، فظل يراقب الصمت وكأنه ينتظر اعترافًا.
ثم قال
لأن آخر مرة فتحت المكتب... كنت أنا.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
ابتلع كريم ريقه بصوت مسموع.
ثم قال متلعثمًا
إحنا... إحنا لقينا مفتاح.
ابتسم أبي.
غريبة...
وسكت.
ذلك السكوت كان أسوأ من أي اتهام.
ثم أكمل
لأن المفتاح الوحيد... معايا.
نظرت إلى أبي.
كنت أعرف هذه الابتسامة.
كان قد فهم شيئًا...
شيئًا أكبر بكثير من مجرد محاولة الاستيلاء على الميراث.
وفجأة سأل سؤالًا واحدًا جعل الطرف الآخر يلتزم الصمت التام
هو إنتوا دخلتوا المكتب.
مرت ثوانٍ طويلة.
لا أحد أجاب.
لكنني سمعت همسات متوترة بين منى وكريم، كأنهما اختلفا على ما سيقولانه.
عندها فقط...
نظر أبي إليّ وقال بصوت منخفض لا يسمعه سواي
هما وقعوا في الغلطة اللي كنت مستنيها.
ثم مد يده وأغلق المكالمة بنفسه.
وهو يتجه نحو