اخويا عنده متلازما

لمحة نيوز

حسيت بحافة صغيرة.
ضغطت عليها.
طلع درج رفيع جدًا، كان مستخبي بإتقان.
فتحت الدرج ببطء.
كان جواه كيس قماش أسود مربوط بخيط قديم، ومعاه ظرف مكتوب عليه
الأمانة تُسلَّم لصاحبها فقط.
قلت لعم جابر تعرف مين صاحبها؟
هز راسه بالنفي.
وقال أبوك عمره ما قال اسمه.
فتحت الظرف.
لقيت جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
الأمانة عند الحاج عبدالسلام... وهو الوحيد اللي يعرف ترجع لمين.
أمي رفعت رأسها بسرعة.
وقالت الحاج عبدالسلام لسه عايش... بس بقى راجل كبير أوي.
نصر أول ما سمع الاسم، ابتسم وقال
نروح له.
في اليوم التالي، رحنا كلنا بيت الحاج عبدالسلام.
الراجل كان تجاوز الثمانين، لكن ذاكرته كانت حاضرة.
أول ما شاف الكيس الأسود، دموعه نزلت.
قال سبحان الله... كنت فاكر إنها ضاعت.
قعدنا قدامه، وهو فضل ساكت شوية، كأنه بيرتب كلامه.
وبعدين قال
أبوك كان أوفى راجل شفته في حياتي.
كلنا سكتنا نسمع.
قال
من سنين طويلة، واحد من أهل البلد سافر بره، وساب عند أبوك أمانة لحد ما يرجع. لكن الراجل اتأخر سنين، وبعدها الأخبار انقطعت عنه. أبوك فضل محتفظ بالأمانة، وكل فترة كان يسأل عليه.
سألته ورجع؟
هز راسه وقال
رجع... لكن بعد وفاة أبوك بفترة قصيرة، ولما عرف إنه مات، قال مش هياخد الأمانة إلا لو لقاها زي ما هي.
بصيت للكيس.
قلت يعني الراجل لسه موجود؟
ابتسم الحاج عبدالسلام وقال
أيوه... وعنوانه معايا.
في اللحظة دي، نصر تنفس بعمق لأول مرة من أيام.
وبصلي وهو مبتسم وقال
الريحة... خلاص قربت تروح.
أنا بصيت له باستغراب، لكن جوايا إحساس إن الرحلة دي لسه ما انتهتش... وإن تسليم الأمانة هيكشف لنا سرًا جديدًا ما كناش نتوقعه بصيت أنا وأمي لبعض في لحظة خوف.
الصوت كان واضح...
حد دخل البيت.
قومت بسرعة وقفلت الصندوق الخشبي، وحطيته ورا ضهري.
أما نصر، فبص ناحية باب المخزن وقال بهدوء غريب
مش حرامي...
استغربت.
قلت أمال مين؟
هز كتفه وقال عارف المكان.
خطوات الشخص كانت بتقرب.
تك...
تك...
تك.
..
لحد ما وقف قدام باب المخزن.
اتفتح الباب ببطء.
ولقيت قدامي عم جابر، جارنا القديم، راجل كبير في السن كان ساكن جنب بيت أبويا من أكتر من أربعين سنة.
أول ما شافنا اتفاجئ وقال يا ساتر... أنتم هنا؟
تنفست الصعداء.
قلت خوفتنا يا عم جابر.
ابتسم وقال شفت العربية بره، قلت أكيد حد دخل البيت بعد السنين دي.
لكن أول ما وقعت عينه على الصندوق الخشبي...
اتغيرت ملامحه.
وسكت.
قلت في إيه؟
رد بعد تردد الصندوق ده... أنا فاكره.
أنا اتفاجئت.
قلت إزاي؟
قال وهو يقعد على كرسي قديم أبوك قبل ما يتوفى بأيام ناداني. طلب مني أساعده يخبيه، وقال لي لو أولادي وصلوا له، يبقى ربنا أراد يعرفوا الحقيقة.
أمي بصتله بدهشة.
وقالت إنت عمرك ما قلتلي!
رد بحزن لأنه وصاني محدش يعرف.
كلنا سكتنا.
قلت طيب إيه اللي فيه؟
هز راسه وقال والله ما أعرف... هو قفله قدامي، ومخلانيش أشوف اللي جواه.
رجعت فتحت الصندوق.
كان فيه قطعة القماش.
فكيتها بهدوء...
طلع صندوق معدني صغير جدًا.
فتحته.
لقيت فيه خاتم زواج قديم، وسلسلة فضة، وصورة لأبويا وأمي يوم فرحهم.
وتحتهم رسالة.
بدأت أقرا
يا ولادي... لو وصلتم للرسالة دي، اعرفوا إن أغلى حاجة سيبتها لكم مش الأرض ولا البيت... أغلى حاجة هي إنكم تفضلوا إيد واحدة، ومتسمحوش لأي خلاف يفرق بينكم.
كنت متأثر جدًا.
لكن عم جابر قال فجأة
كمّل... الرسالة لسه مخلصتش.
قلبت الورقة.
كان في آخرها سطر واحد فقط...
قرأته بصوت عالي
وفي الدرج السفلي من الصندوق الحديد... أمانة لازم ترجع لصاحبها.
أنا اتجمدت.
بصيت للصندوق الحديد الكبير اللي فتحناه أول مرة.
كان فعلًا فيه درج صغير في القاع...
ولا واحد فينا خد باله منه قبل كده تاني يوم بدري، أنا ونصر وعم جابر ركبنا العربية، وأمي أصرت تيجي معانا.
العنوان كان في قرية تبعد حوالي ساعة ونص.
طول الطريق، نصر كان هادي بشكل غريب، وباصص من الشباك.
كل شوية يقول قربنا...
مع إنه عمره ما راح المكان ده قبل كده.
وصلنا لبيت
بسيط، قدامه جنينة صغيرة.
خبطنا على الباب.
فتح لنا راجل كبير، شعره كله أبيض، وسنده على عصاية.
بمجرد ما شاف الكيس الأسود، إيده بدأت ترتعش.
وقال بصوت مخنوق هو... لسه موجود؟
قلت أبوك كان محتفظ بيه، وإحنا لقيناه مع وصيته.
دعانا ندخل.
قعدنا، وهو فضل ساكت دقيقة كاملة، وبعدين قال
أبوك كان راجل أمين... وأنا طول السنين دي بدعيله في كل صلاة.
فتح الكيس قدامنا.
كان جواه ساعة جيب قديمة، ومجموعة أوراق، وميدالية فضة عليها اسم صاحبه.
الراجل ابتسم وهو بيبكي.
قال دي مش قيمتها في الفلوس... دي آخر حاجة كانت مع أبويا قبل ما يتوفى، وسابها عند والدك قبل السفر.
بعدها طلع من درج قريب ظرفًا قديمًا.
وقال وأنا كمان عندي أمانة ليكم.
استغربت.
قال أبوك رفض ياخد أي مقابل على حفظ الأمانة، لكن قبل ما يمشي من عندي آخر مرة، سابلي الظرف ده وقال متدهوش لولادي إلا لما يرجعوا لك الأمانة.
فتحت الظرف.
كان فيه خطاب بخط أبويا.
قرأته بصوت مرتعش
يا ولادي... الأمانة مش بس في حفظ المال أو المتاع، الأمانة الحقيقية في الأخلاق، وفي صلة الرحم، وفي إنكم تفضلوا سند لبعض. لو وصل لكم الجواب ده، يبقى أنا مطمن إنكم مشيتوا في الطريق الصح.
أمي ماقدرتش تمسك دموعها.
أما نصر...
فقام فجأة، ولف البيت كله وهو مبتسم.
رجع وقف قدامي، وقال
يلا نروح.
قلت إيه يا نصر؟
ابتسم وقال
الريحة راحت.
لأول مرة من سنين، قالها وهو بيضحك.
رجعنا البيت.
وأول ما دخل نصر شقتي، وقف في نص الصالة، خد نفسًا عميقًا جدًا، وبصلي وقال
البيت بقى حلو يا نعيم.
الجملة دي كانت أغلى عندي من أي كنز لقيناه.
لكن وأنا بلم الأوراق القديمة علشان أحطها في مكتبة البيت...
لفت نظري ظرف صغير جدًا كان لازق بين صفحات الخطاب، ماكنتش شوفته قبل كده.
كان مكتوب عليه بخط أبويا
لا يُفتح إلا بعد مرور أربعين يومًا.
بصيت لأمي، فقالت بدهشة
أنا أول مرة أشوف الظرف ده...بعد ما أمي قالت أنا أول مرة أشوف الظرف ده...
فضلينا كلنا نبص له
في صمت.
كان قديم، لكن الختم بتاعه سليم، وكأن أبويا كان متأكد إنه هيفضل مقفول لحد اليوم اللي هو حدده.
قلت أفتحه؟
أمي حطت إيدها على إيدي وقالت لأ... دي وصية أبوك. طول عمره كان دقيق في كلامه، نستنى.
عدت الأربعين يوم...
وكل يوم كان نصر ييجي البيت، ويقعد مع أولادي، ويضحك ويلعب، وعمره ما قال تاني إن فيه ريحة وحشة.
بل بالعكس، كل ما يدخل يقول ريحة البيت حلوة.
ولأول مرة، حسيت إن البيت فعلًا فيه راحة غريبة.
ولما جه اليوم الأربعون، اجتمعنا كلنا.
أنا، وأمي، ونصر، ومراتي.
حطيت الظرف على الترابيزة، وفتحته بهدوء.
كان جواه ورقة واحدة فقط.
قرأتها بصوت عالي
يا أولادي... لو وصلتم للي في الظرف ده، يبقى أنتم حافظتم على الأمانة، واحترمتوا الوصية، وفضلتم إيد واحدة. اعرفوا إن الإنسان ممكن يسيب فلوس أو أراضي، لكن كلها بتضيع مع الزمن. أما السمعة الطيبة، وصلة الرحم، والأمانة... فهي الميراث الحقيقي.
وعايز أوصيكم بحاجة أخيرة... أوعوا في يوم تكسروا خاطر نصر. يمكن ربنا ما ادالوش عقل زي الناس، لكنه اداله قلب أنضف من قلوب كتير، وحسّ يخليه يميز بين راحة المكان وضيقه. طول عمري كنت باخده معايا لما أزور حد، ولو قال لي المكان مش مريح، كنت أعرف إن فيه هم أو خصام أو حق ضايع، ولما الحق يرجع، كان أول واحد يبتسم. خلوه وسطكم، وحبوه، لأنه نعمة من نعم ربنا.
ماقدرتش أكمل.
الدموع نزلت من عيني.
لفيت وبصيت لنصر.
كان قاعد يبتسم من غير ما يفهم كل
اللي مكتوب، لكنه أول ما شافني بعيط، قام حضني وقال بطريقته البسيطة
ما تعيطش يا نعيم... أنا بحبك.
في اللحظة دي افتكرت اليوم اللي زعقت له فيه.
حضنته بكل قوتي، وأنا بقول سامحني يا أخويا.
ابتسم وربت على ضهري وقال أنا مسامحك من ساعتها.
أمي كانت بتبكي، ومراتي كمان.
ومن يومها، بقى نصر أول ضيف يدخل بيتي في كل مناسبة.
ولما كان يدخل، ياخد نفسًا عميقًا ويقول وهو بيضحك
ريحة البيت... ريحة محبة.
وساعتها بس فهمت إن الريحة اللي
كان بيتكلم عنها عمرها ما كانت ريحة معطر أو بخور...
كانت ريحة زعل، وتأنيب ضمير، وحق لسه ما رجعش لأصحابه.
ولما الأمانة رجعت، والقلوب صفت، اختفت الريحة الوحشة للأبد.
تمت.

تم نسخ الرابط