اخويا عنده متلازما
المحتويات
دخلت من البلكونة.
حاولت أقنع نفسي بنفس الكلام.
مسكت مفتاح الأوضة، وقربت من الباب.
أما نصر، فمسك إيد أمي بكل قوته، وقال بصوت مهزوز متفتحش بسرعة...
استغربت.
قلت له ليه يا حبيبي؟
رد وهو باصص في الأرض استنى... اسمع الأول.
وقفنا كلنا ساكتين.
ثواني...
وبعدين سمعنا صوت خربشة خفيفة جدًا.
المرة دي أنا كمان سمعتها.
فتحت الباب بحذر.
الأوضة كانت ضلمة، ومليانة كراتين قديمة، وشنط سفر، ومروحة مكسورة، وكل حاجة زي ما هي.
شغلت النور.
بدأت أبص في كل ركن.
مفيش أي حاجة.
لكن أول ما دخلت لجوه كام خطوة، حسيت فعلًا إن فيه ريحة غريبة.
مش ريحة قذارة...
ولا ريحة مجاري...
كانت ريحة مكتومة، كأن حاجة مقفولة بقالها زمن طويل.
مراتي دخلت ورايا وقالت أنا أول مرة أخد بالي من الريحة دي.
بدأنا نفتش.
شيلنا الكراتين واحد واحد.
لقينا شنط قديمة، ولعب أطفال، وكتب المدرسة.
لحد ما وصلت لركن في آخر الأوضة.
كان فيه دولاب خشب قديم، ورثته عن أبويا، وعمرنا ما فتحناه من سنين.
بمجرد ما قرب منه نصر، رجع خطوتين لورا، وحط إيده على مناخيره وقال
هي دي...
بصيت للدولاب.
الغريب إن الريحة كانت فعلًا أقوى حواليه.
حاولت أفتحه...
لكنه كان مقفول، وكأنه ماسك نفسه.
جبت مفك، وفضلت أحاول لحد ما الباب اتحرك بصوت صرير عالي.
وأول ما الباب اتفتح شبر واحد...
خرجت منه نفحة هوا تقيلة جدًا، خلتني أنا ومراتي نرجع لورا تلقائي.
لكن اللي شد انتباهي مش الريحة...
كان ظرف أصفر قديم وقع من بين هدوم متكومة جوه الدولاب.
الظرف كان عليه اسمي... بخط إيد أبويا.
بصيت لأمي في ذهول.
وشها اتغير فجأة...
ولأول مرة من يوم ما دخلت بيتي، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
وقبل ما أمد إيدي وآخد الظرف...
صرخت أمي بصوت عالي
إوعى تفتحه يا نعيم!اتجمدت وإيدي واقفة في الهوا.
بصيت لأمي وأنا مش فاهم.
قلت ليه يا أمي؟ ده الظرف
أمي قربت بسرعة، ووشها كان شاحب بشكل خوفني.
قالت سيبه مكانه... وبعدين نتكلم.
لكن الفضول كان أقوى مني.
مديت إيدي وخدت الظرف.
كان عليه طبقة تراب سميكة، وكأنه متلمسش من سنين.
بصيت لأمي، لقيتها بتتنهد وهي قاعدة على أقرب كرسي.
أما نصر...
فأول ما الظرف بقى في إيدي، ساب مناخيره وقال بهدوء غريب
الريحة خفت...
استغربت.
بصيت له وقلت إزاي؟
ابتسم ابتسامة بسيطة وقال كان مستخبي.
الجملة زودت حيرتي.
فتحت الظرف بهدوء.
طلع منه شوية أوراق قديمة، وصورة عائلية وأنا صغير، ومعاها مفتاح صغير مربوط بخيط.
قلبت الورق.
كان كله فواتير قديمة، وعقد شراء الدولاب، وورقة بخط أبويا مكتوب فيها
المفتاح ده يخص الصندوق الحديد اللي في المخزن القديم.
افتكرت على طول.
بيت أبويا القديم كان فيه مخزن صغير مقفول من يوم ما توفى.
ولا حد فينا فكر يفتحه بعد كده.
قلت لأمي هو الصندوق ده لسه موجود؟
هزت راسها وقالت أيوه... بس أبوك كان موصينا محدش يقرب منه إلا لو اضطر.
سألتها وإحنا اضطرينا دلوقتي؟
سكتت.
كان واضح إنها مترددة.
أما نصر، فبصلي وقال
لازم نروح.
استغربت إنه أول مرة يطلب يروح مكان بنفسه.
تاني يوم الصبح، ركبنا العربية أنا، وأمي، ونصر.
وصلنا البيت القديم.
البيت كان مقفول بقاله سنين، والتراب مالي كل مكان.
فتحنا الباب بصعوبة.
أول ما دخل نصر، وقف دقيقة كاملة، وبعدين قال
هنا... مفيش الريحة.
الجملة ريحتني شوية.
دخلنا المخزن.
بعد شوية تدوير وسط العفش القديم، لقينا صندوقًا حديديًا صغيرًا عليه نفس شكل المفتاح اللي كان في الظرف.
بصيت لأمي.
قالت وهي تاخد نفسًا عميقًا
افتحه... يمكن أبوك كان عايزكم تعرفوا حاجة.
دخلت المفتاح في القفل...
ولما لفّ... سمعنا صوت تك.
بصينا كلنا للصندوق...
ورفعت الغطا ببطء، وأنا مش عارف إيه اللي مستنيني في الداخل أول ما فتحت غطا الصندوق.
ما لقيناش دهب، ولا فلوس، ولا أي حاجة من اللي كانت بتيجي في بالي.
كان فيه ملف بني قديم، ومصحف صغير، وساعة يد أبويا اللي كان بيلبسها كل يوم.
أمي أول ما شافت الساعة، دموعها نزلت من غير كلام.
قالت وهي بتمسح وشها الله يرحمك يا أبو نعيم...
طلعت الملف.
كان مليان أوراق مرتبة بعناية، وكل ورقة عليها تاريخ.
وفوقهم جواب مكتوب بخط أبويا
لو فتحتوا الصندوق ده، يبقى الوقت جه تعرفوا الحقيقة.
قلبي دق بسرعة.
فتحت الجواب، وبدأت أقرأ بصوت عالي.
كان أبويا كاتب
يا نعيم... لو أنت اللي بتقرأ، فأنا واثق إنك بقيت راجل وقد المسؤولية. أنا سيبت الورق ده علشان أحافظ على حقكم، ولو الأيام دارت، تعرفوا الحقيقة من غير ما حد يظلم حد.
بصيت لأمي.
قالت كمّل.
رجعت أكمل.
كان الجواب بيتكلم عن قطعة أرض صغيرة ورثها أبويا، وكان عامل لها كل الأوراق القانونية، لكن فضل مخبيها علشان وقتها كان فيه خلافات كبيرة بين بعض الأقارب، وخاف يحصل نزاع على الميراث.
الملف كان فيه العقود، والخرائط، وإيصالات الضرائب، وكل حاجة تثبت الملكية.
أنا كنت مذهول.
عمري ما سمعت عن الأرض دي.
لكن اللي حيرني أكتر...
إن نصر كان واقف ساكت، وعينه على الملف، وكأنه كان مستني اللحظة دي.
ابتسم لأول مرة من ساعة ما دخلنا.
وقال بهدوء
دلوقتي... الريحة راحت.
بصيت له باستغراب.
قلت إيه علاقة الورق بالريحة يا نصر؟
ابتسم ابتسامة بريئة، وهز كتفه، وقال
معرفش... بس كنت كل ما أدخل بيتك أحس إن فيه حاجة ضايعة وعايزة ترجع.
أنا وأمي بصينا لبعض.
مكنّاش فاهمين إزاي قدر يحس بده.
لكن المؤكد إن من يومها...
نصر بقى ييجي بيتي، ويقعد بالساعات، ويضحك ويلعب مع أولادي، وعمره ما قال تاني
بيتك فيه ريحة وحشة.
أما أنا...
فكل ما أبص له، أفتكر إن ربنا بيدي كل إنسان نعمة مختلفة، وإن قلوب بعض الناس بتلتقط حاجات إحنا عمرنا ما نقدر
تم وأول ما رفعت الملف من الصندوق...
لفت نظري إن فيه ظرف صغير وقع تحته، مكتوب عليه بخط أبويا
يفتح بعد قراءة الملف.
بصيت لأمي، لقيتها اتوترت تاني.
قالت أبوك كان بينظم كل حاجة... اقرأ الأول.
قعدنا كلنا على الأرض في المخزن.
بدأت أقلب الملف ورقة ورقة.
في آخره لقيت كشفًا فيه تواريخ، وكل تاريخ مكتوب قدامه ملاحظات قصيرة.
الغريب إن آخر سطر كان قبل وفاة أبويا بأسبوع فقط.
وكان مكتوب فيه
لو نصر رفض يدخل بيت نعيم... يبقى يعرف يدور في الدولاب القديم.
وقعت الورقة من إيدي.
بصيت لنصر.
كان ساكت... لكنه أول ما سمع اسمه، رفع رأسه وبصلي.
قلت وأنا مذهول أمي... بابا كتب اسم نصر!
قالت وهي بتتنهد أبوك كان يقول إن نصر بياخد باله من حاجات إحنا بنعدي عليها من غير ما نحس... كان دايمًا يلاحظ أي تغيير.
فتحت الظرف الصغير بسرعة.
لقيت جواه مفتاح تاني أصغر، ومعاه ورقة مكتوب فيها
لسه فيه حاجة ناقصة.
استغربت.
قلت ناقصة إيه؟
في نفس اللحظة، نصر قام من مكانه ومشى ناحية آخر المخزن.
وقف قدام حيطة قديمة، وخبط عليها بإيده.
مرة...
واتنين...
وتلاتة.
وبعدين قال بثقة
وراها.
بصيت للحيطة.
كانت شكلها عادي جدًا.
لكن لما قربت وخبطت بإيدي عليها...
سمعت فرق في الصوت.
جزء منها كان مجوف.
جبت شاكوش صغير كان موجود في المخزن، وبدأت أفك طبقة خشب رفيعة كانت متثبتة بمسامير قديمة.
بعد دقائق...
ظهر تجويف صغير داخل الحيطة.
مديت إيدي جواه.
طلعت صندوقًا خشبيًا صغيرًا عليه نفس شكل المفتاح اللي كان في الظرف.
أنا وأمي بصينا لبعض في دهشة.
أما نصر...
فابتسم لأول مرة من يومين، وقال
أهو... ده اللي كان مستخبي.
أدخلت المفتاح في القفل...
ولما الصندوق اتفتح ببطء...
لقينا جواه شيء ملفوف في قطعة قماش قديمة، ومعاه رسالة جديدة بخط أبويا.
لكن قبل ما أفك القماش أو أقرأ الرسالة...
سمعنا صوت
مع إننا كنا متأكدين إننا قفلناه، ومفيش حد يعرف إننا موجودين هناك بصيت للصندوق الحديدي تاني.
ركعت على الأرض، ومررت إيدي في قاعه.
وفعلًا...
متابعة القراءة