حماتي
بسرعة
ليه تسمع منها؟ الورق واضح.
ساعتها جوزي رفع عينه وقال جملة خلتها تسكت
لأ... المرة دي هسمع منها.
ولأول مرة من يوم ما دخلت العيلة، حسيت إن فيه حد واقف في صفي.
مسكت الورقة، وبدأت أقرأ...
لكن أول سطر فيها كشف إن حماتي لم تكن تبحث عن الحقيقة فقط...
كانت تبحث عن شيء آخر تمامًا...جوزي مسك الموبايل بإيده، وبص لنا كلنا قبل ما يرد.
كان واضح إن الجملة اللي سمعها قلبت كل حساباته.
قال مين معايا؟
جاءه صوت عمه من الناحية التانية
أنا يا أحمد... ومش عارف إذا كان الوقت مناسب ولا لأ، بس بعد اللي حصل النهارده لازم تعرف.
جوزي خرج خطوتين بعيد عننا، لكن الصوت كان عالي كفاية إننا نسمع بعض الكلمات.
حقيقة إيه يا عمي؟
سكت عمه لحظة، وكأنه بيختار كلامه.
وبعدين قال
موضوع مراتك مش هو الحاجة الوحيدة اللي أمك كانت مخبياها عليك.
حماتي أول ما سمعت الجملة دي، اتغير لون وشها.
قامت بسرعة وقالت اقفل يا أحمد، مفيش داعي تسمع كلام من حد.
جوزي بص لها بحدة لا... دلوقتي لازم أسمع.
عمه كمل
فاكر يوم ما رفضت أول عروسة اتقدمتلك؟ فاكر لما قالتلك إن الموضوع انتهى من غير سبب؟
جوزي سكت.
واضح إنه افتكر حاجة قديمة.
قال آه... قالتلي إن أهلي مش موافقين.
عمه قال الحقيقة إن أمك هي اللي تدخلت.
حماتي صرخت كفاية!
لكن جوزي رفع إيده يمنعها.
ليه؟
جاء الرد من عمه
لأنها كانت خايفة تخسر سيطرتها عليك. وكانت شايفة إن أي واحدة هتدخل حياتك لازم تعدي من خلالها.
أنا بصيت لحماتي.
فجأة فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد فاكهة أو معاملة باردة.
كان فيه نمط كامل.
لكن جوزي سأل عمه وإيه علاقة ده بمراتي؟
قال لأنها عملت نفس الحاجة معاها.
سكت لحظة، ثم أضاف
بس المرة دي... كان فيه سبب تاني.
جوزي عقد حاجبيه.
سبب تاني؟
عمه قال
أمك كانت تعرف حاجة عن عيلتها قبل الجواز... حاجة لو عرفتها وقتها كان ممكن تغير قرارك.
البيت كله أصبح صامتًا.
أنا حسيت إن الكلام بيتحول لاتجاه أخطر.
جوزي قرب من الموبايل وقال
إيه الحاجة دي؟
لكن قبل ما عمه يرد...
حماتي فجأة خطفت موبايلها من على الترابيزة وقالت
أنا
كلنا بصينا لها.
ولأول مرة، لم يكن في صوتها غضب أو تحدي...
كان فيه خوف.
قالت
بس قبل ما أقول... لازم تسمع مني أنا، مش من أي حد.
جوزي رد اتفضلي.
أخدت نفسًا طويلًا وقالت
أنا ماكنتش خايفة من مراتك لأنها وحشة...
سكتت.
ثم نظرت إليّ مباشرة
أنا كنت خايفة لأنها عرفت سر عني قبل الجواز... وسكتت.
تجمدت مكاني.
لأنني لم أكن أتوقع أن يأتي الدور عليّ أنا...
وسألني جوزي بصدمة
إنتِ كنتِ عارفة سر عن أمي؟فضلنا كلنا نبص على شاشة موبايل حماتي.
الاسم كان ظاهر بوضوح.
سارة
قلبي وقف لحظة.
سارة كانت أقرب واحدة ليا قبل الجواز.
كانت بتعرف عني كل حاجة تقريبًا أحلامي، خوفي، تفاصيل علاقتي بجوزي، وحتى المشاكل الصغيرة اللي كنت بحكيلها عنها.
جوزي بصلي وقال سارة مين؟
قبل ما أرد، حماتي حاولت تقفل المكالمة بسرعة.
لكن جوزي مد إيده وقال ردي.
قالتها بتوتر مش وقتها يا أحمد.
رد بالعكس... ده أكتر وقت مناسب.
سكتت ثواني، وبعدين فتحت السماعة.
جاء صوت سارة من الناحية التانية
ألو يا طنط؟ طمنيني... عملتِ اللي اتفقنا عليه؟
البيت كله اتجمد.
حماتي حاولت تقفل السماعة، لكن جوزي كان سمع.
قال بصوت هادي جدًا اتفقتم على إيه؟
سارة سكتت.
واضح إنها عرفت إن فيه حد تاني على الخط.
قالت بسرعة أحمد؟ أنت هناك؟
رد أيوه... وأنا سامع.
ثواني طويلة مرت.
وبعدين سارة قالت أنا كنت بس بحاول أحميك.
ضحكت بمرارة وقلت تحميني مني؟
جوزي بص لسارة من خلال الهاتف وكأنه أمامها.
قولي الحقيقة.
سارة بدأت تتلعثم.
أنا... أنا كنت شايفة إنها مش مناسبة ليكم.
سألتها ومين خلاكي تقرري ده؟
لم ترد.
جوزي قال يعني كنتِ بتتكلمي مع أمي من ورايا؟
هنا انفجرت سارة
لأنها كانت مش سامعاك! أنت كنت متعلق بيها ومش شايف حاجة! أنا الوحيدة اللي كنت فاهمة!
الكلمات نزلت عليّ بصدمة.
مش بس لأن حماتي كانت ضدي...
لكن لأن شخص كنت معتبرة إنه سندي كان بيحفر ضدي.
جوزي قفل المكالمة بهدوء.
وبص لأمه.
من إمتى وإنتِ بتسمعي كلام ناس عن مراتي بدل ما تسأليها؟
حماتي لأول مرة بان عليها الندم.
قالت بصوت ضعيف أنا كنت خايفة
رد الخوف على ابني مش معناه أظلم الإنسانة اللي اختارها.
ثم بصلي.
وأنا كنت مستنية أعرف...
هل بعد كل اللي حصل، هيطلب مني أمشي؟
ولا هيكون له موقف مختلف؟
لكن قبل ما ينطق، دخل اتصال جديد على موبايله...
والاسم اللي ظهر على الشاشة كان اسم شخص من العيلة.
شخص عمره ما تدخل في أي خلاف قبل كده.
ولما رد، سمعنا جملة واحدة فقط
أحمد... لازم تعرف الحقيقة اللي أمك وسارة مخبينها من زمان بصيت لجوزي، وحسيت إن كل العيون بقت عليّ.
أنا؟
سر عن أمه؟
أخدت نفس عميق وقلت أنا عرفت حاجة... بس مش زي ما هي بتصورها.
حماتي بصتلي بتوتر وقالت قولي يا حبيبتي... قولي لهم إنتِ كنتِ عارفة إيه.
نبرة صوتها كانت غريبة.
كأنها بتحاول تسبقني وتتحكم في الحكاية.
جوزي قال مريم... اتكلمي.
بصيت له وقلت قبل الجواز بشهر تقريبًا، وأنا كنت بجهز حاجات البيت، سمعت كلام بالصدفة.
حماتي اتحركت في مكانها.
كملت كنت عند محل قريب من بيتكم، وشوفت والدتك بتتكلم مع واحدة.
جوزي سأل بتتكلم عن إيه؟
قلت عنّي.
الصمت رجع تاني.
كانت بتقول إنها مش مرتاحة للجواز... وإنها بتحاول تعرف عني كل حاجة قبل ما أدخل العيلة.
حماتي قاطعتني وده يثبت إيه؟ إني كنت بحمي ابني.
هزيت رأسي وقلت أنا وقتها كان ممكن أواجهك... كان ممكن أقول لجوزي... لكني ماعملتش.
جوزي سألني ليه؟
بصيت له وقلت لأني كنت بحبك، ومكنتش عايزة أبدأ حياتنا بمشكلة بينك وبين والدتك.
للحظة، ملامح جوزي هديت.
لكن حماتي قالت بسرعة شايف؟ هي كانت بتخبي عنك!
رد عليها هي خبت موقف عشان تحافظ على البيت... مش عشان تأذيني.
الجملة دي ضايقتها.
لكنها لم تستسلم.
قالت أنتوا مش فاهمين حاجة... أنا كان عندي سبب أكبر.
جوزي قال سبب إيه؟
حماتي بصتلي طويلًا.
وبعدين قالت
لأن اليوم اللي قابلتها فيه قبل الجواز... أنا ماكنتش بس بسأل عنها.
توقفت.
أنا كنت عايزة أتأكد إذا كانت تعرفني ولا لأ.
أنا عقدت حاجبي.
يعني إيه؟
حماتي قربت خطوة وقالت
يعني كنت خايفة إنها تكون عرفت الحقيقة اللي حصلت من سنين.
جوزي اتوتر.
حقيقة إيه يا ماما؟
حماتي فتحت فمها علشان تتكلم.
لكن قبل ما تقول كلمة، رن جرس الباب مرة تانية.
الكل بص ناحية الباب.
ولما فتحه جوزي...
كانت واقفة قدامنا امرأة كبيرة في السن.
أول ما شافتني، عينيها دمعت.
وقالت
أخيرًا لقيتك... لازم تعرفي الحقيقة عن اللي حصل لأهلك.
وفي اللحظة دي...
فهمت إن الموضوع لم يكن أبدًا عن الفاكهة وقفت الست الكبيرة قدام الباب، وكلنا ساكتين.
أنا كنت بحاول أفتكر هي مين ملامحها كانت مألوفة، لكن السنين غيرت شكلها.
قالت وهي باصة لي
أنا كنت أعرف والدك ووالدتك من زمان.
جوزي بصلي باستغراب.
أما أنا، فحسيت بقلبي بيشدني ناحية ذكريات قديمة.
دخلت الست وقعدت، وبعد ما أخدت نفس طويل قالت
اللي حصل قبل الجواز كان لازم تعرفيه من زمان... لكن والدتك كانت خايفة الحقيقة تظهر.
بصينا كلنا ناحية حماتي.
لأول مرة ما قدرتش ترد.
قالت الست
قبل ما تتجوزي أحمد، أمك كانت بتعرف إن فيه خلاف قديم بين العيلتين... وكان فيه سوء تفاهم كبير.
أنا سألتها يعني إيه؟
قالت يعني إن حماتك حكمت عليك من حكايات قديمة، من غير ما تعرف الحقيقة كاملة.
جوزي بص لأمه إنتِ كنتِ بتحكمي عليها بسبب حاجة حصلت قبل ما تعرفيني؟
حماتي نزلت عينيها.
قالت بصوت ضعيف أنا كنت خايفة.
رد
الخوف مش مبرر إنك تجرحي حد.
سكتت.
بعدها بصتلي وقالت يمكن أنا غلطت في حقك.
كانت أول مرة أسمع منها كلمة شبه الاعتذار.
لكنها كملت أنا كنت فاكرة إني بحافظ على ابني... وماخدتش بالي إني ممكن أخسره.
أنا ما فرحتش بانتصاري.
لأني اكتشفت إن أصعب حاجة مش إنك تثبت إنك مظلوم...
الأصعب إنك تفضل تحب ناس جرحوك.
بعدها الأيام بدأت تتغير.
حماتي لم تتحول فجأة لشخص آخر، لكن بدأت تحاول.
في أول زيارة لينا بعدها، دخلت البيت وأنا متوقعة أسمع نفس الجملة القديمة.
لكنها فتحت التلاجة، طلعت طبق فاكهة، وغسلته.
وقفت لحظة...
وبعدين قربت مني وقالت
خدي يا بنتي... أنا غسلته لك.
الكلمة كانت بسيطة جدًا.
لكنها كانت أول مرة أحس إنها شايفاني فعلًا.
ابتسمت وأخدت الطبق.
ومن يومها فهمت إن بعض القلوب لا تتغير بكثرة الكلام...
تتغير لما تواجه نفسها بالحقيقة.
أما
أنا زعلت إني ماخدتش بالي من بدري... بس أوعدك إنك عمرك ما هتحسي تاني إنك ضيفة في بيتي.
لأن البيت مش جدران...
البيت هو المكان اللي تحس فيه إنك مقبول من غير ما تثبت إنك تستحق.