بنتى
المحتويات
خلصت.
لكن والد كريم قال
لسه عندي حاجة لازم تعرفوها.
فتح حقيبة جلدية قديمة، وأخرج منها ملفًا أصفر احتفظ به عشرات السنين.
قال
بعد الحادث، حاولت أوصل لوالدك أكثر من مرة، لكن عرفت بعدها إنه توفي. ومن وقتها قررت إن أي خير أقدر أعمله باسم الرجل ده هعمله.
ناولني الملف.
فتحته، فوجدت عشرات الصور ورسائل شكر من أشخاص ساعدهم في التعليم أو العلاج.
قال
كل سنة كنت بختار طالبًا غير قادر وأتكفل بمصاريف دراسته، وكنت أعتبر ده صدقة جارية على روح والدك.
انهمرت دموعي.
لم أكن أتخيل أن موقفًا إنسانيًا بسيطًا من أبي غيّر حياة أشخاص لا أعرفهم.
ابتسم كريم وقال
عشان كده أنا اتربيت على إن المعروف عمره ما يضيع.
ردت سلمى وهي تمسك يده
وأنا فخورة إني هكمل حياتي مع إنسان اتربى على الوفاء.
بعد أسابيع قليلة، عاد أهل كريم إلى أوروبا.
لكن العلاقة بين العائلتين أصبحت أقوى من أي مسافة.
كانوا يتصلون بنا باستمرار، ونتبادل الزيارات في الإجازات.
وفي أول رمضان بعد الجواز، جاء كريم وسلمى إلى بيتي.
قال كريم وهو يضع ظرفًا أمامي
دي أول منحة تعليمية هنعملها أنا وسلمى باسم جدها.
فتحت الظرف، فوجدت أوراق تأسيس صندوق صغير لمساعدة الطلاب غير القادرين.
ابتسمت وقلت
أهو كده يبقى الخير كمل طريقه.
وفي تلك الليلة، نظرت إلى صورة أبي مرة أخرى، وشعرت أن أعظم ميراث تركه لنا لم يكن مالًا ولا أرضًا... بل سيرة طيبة ظلت تعيش في قلوب الناس، حتى بعد رحيله بسنوات طويلة.
تمت بعد مرور عام...
اجتمعت العائلة كلها في بيتي للاحتفال بأول عيد زواج لسلمى وكريم.
البيت كان مليان ضحك، لكن كريم طلب الكلمة.
وقف وقال
من سنة، دخلت البيت ده وأنا جاي عريس. النهارده راجع ابن.
ثم أخرج مفتاحًا صغيرًا ووضعه في يدي.
استغربت وقلت
مفتاح إيه ده؟
ابتسم وقال
ده مفتاح شقة جنبنا. أنا وسلمى اشتريناها، ومش عايزينك
ابتسمت وأنا متأثرة.
قلت
أنا مش محتاجة شقة... أنا محتاجة أحس إن ليا أهل.
اقتربت سلمى واحتضنتني وقالت
وده اللي هيحصل طول العمر.
في تلك اللحظة، رن جرس الباب.
دخل شاب صغير في العشرينات، ومعه باقة ورد.
قال
حضرتك مدام نادية؟
أجبت
أيوه.
ابتسم وقال
أنا أول طالب خد المنحة اللي اتعملت باسم والد حضرتك. النهارده اتخرجت من كلية الطب، وجيت أشكركم.
ساد الصمت، ثم امتلأت العيون بالدموع.
قال الشاب
لولا المنحة دي، كنت سيبت الدراسة من أول سنة.
نظر كريم إلى سلمى وقال
شايفة؟ الخير لما يبدأ من إنسان مخلص، عمره ما بيقف.
ابتسمت وأنا أنظر إلى صورة أبي المعلقة على الحائط.
وقلت بهدوء
الإنسان ممكن يرحل... لكن أثره الطيب يفضل يعيش في حياة ناس كتير.
وفي تلك الليلة، شعرت لأول مرة أن رحلة والدي لم تنتهِ بوفاته... بل بدأت من جديد في قلوب كل من وصل إليهم خيره.
النهاية الحقيقية. بعد خمس سنوات...
تحول صندوق المنح الصغير إلى مؤسسة خيرية معروفة، تساعد مئات الطلاب كل عام.
وفي يوم افتتاح المقر الجديد، امتلأت القاعة بأشخاص من مختلف الأعمار.
كان بينهم أطباء، ومهندسون، ومعلمون، وكل واحد منهم بدأ كطالب حصل على فرصة بسبب تلك المنحة.
طلبوا مني أقف على المسرح.
وقفت وأنا أشعر بالخجل، لكن أحد الشباب قال
النهارده مش بنكرم شخص... إحنا بنكرم قيمة.
ثم أزاح الستار عن لوحة كبيرة كُتب عليها
مؤسسة عبد الرحمن للعلم والعطاء
وتحت الاسم جملة بخط جميل
افعل الخير وارحل... فالأثر الطيب يبقى.
لم أتمالك دموعي.
نظرت إلى سلمى وكريم، فوجدتهما يبتسمان بفخر.
قال كريم
كل ده بدأ بموقف عمله جد سلمى من غير ما ينتظر مقابل.
وبينما كان الجميع يصفق، اقترب مني طفل صغير لا يتجاوز العاشرة.
ناولني ورقة مطوية وقال
دي أول رسالة
فتحتها، فوجدت مكتوبًا بخط طفولي
لما أكبر، هساعد الناس زي ما أنتم ساعدتوني.
احتضنته، وشعرت أن أعظم نجاح ليس المباني ولا الأموال... بل إن الخير أصبح ينتقل من قلب إلى قلب.
خرجت من القاعة، ونظرت إلى السماء.
ابتسمت وقلت في سري
يا أبي... لم يعد الناس يذكرون اسمك بسبب حادث قديم، بل بسبب الخير الذي استمر بعدك.
وهكذا انتهت الحكاية، لكنها كانت بداية لحكايات جديدة، يصنعها كل إنسان يختار أن يزرع خيرًا، حتى لو لم ينتظر أن يرى ثماره.
تمت بحمد الله. بعد مرور عشر سنوات...
كانت المؤسسة قد أصبحت من أكبر المؤسسات الداعمة للطلاب في مصر.
وفي احتفال مرور عشر سنوات على تأسيسها، وقف المذيع وقال
النهارده هنكرم السيدة نادية عبد الرحمن، صاحبة الفكرة التي أعادت إحياء رسالة والدها.
صعدت إلى المسرح وسط تصفيق طويل.
لكن قبل أن أبدأ كلمتي، طلب شاب في الصف الأول الإذن بالكلام.
اقترب من الميكروفون وقال
أنا يتيم، وكانت أمي بتشتغل خياطة. كنت هسيب الجامعة في آخر سنة، لكن المؤسسة دفعت مصاريفي كاملة.
ثم ابتسم وأضاف
النهارده أنا مهندس، وجاي أعلن أول تبرع مني للمؤسسة.
وقف الجميع يصفق.
ثم تبعه طبيب شاب وقال
وأنا كمان كنت من أوائل المستفيدين... والنهارده هتكفل بعلاج غير القادرين باسم المؤسسة.
وبدأت المفاجآت تتوالى.
كل شخص نجح بسبب المؤسسة أعلن أنه سيعيد الجميل لغيره.
تحولت القاعة إلى سلسلة من العطاء.
وقفت أمام الميكروفون وقلت
أنا معملتش حاجة... الفضل كله لله، ثم لرجل بسيط علمني إن الخير الحقيقي هو اللي يفضل بعد صاحبه.
صفق الجميع بحرارة.
وفي نهاية الحفل، خرجت مع سلمى وكريم.
وقبل أن نركب السيارة، سألتني حفيدتي الصغيرة، وكانت تمسك يدي
تيتا... هو جدو الكبير كان غني؟
ابتسمت وربتُّ على رأسها وقلت
لأ يا حبيبتي... كان أغنى من ناس كتير، لأنه كان
ابتسمت الطفلة وقالت
لما أكبر هبقى زيه.
ضحكنا جميعًا.
ومشينا ونحن نشعر أن أعظم ميراث يمكن أن يتركه الإنسان ليس المال ولا الممتلكات... بل ذكرى طيبة، وإنسانية لا تموت، وخير يمتد من جيل إلى جيل.
وهكذا انتهت الحكاية... لكن أثرها لم ينتهِ أبدًا. بعد عشرين عامًا...
كنت قد تجاوزت الثمانين، وأصبحت الحركة أصعب، لكنني كنت أصر على حضور الاحتفال السنوي للمؤسسة.
في ذلك العام، فوجئت بأن الحفل لم يكن في القاعة المعتادة، بل أمام مبنى جديد ضخم.
اقتربت ببطء وأنا أستند إلى عصاي.
أمسكت سلمى بيدي وقالت بابتسامة
المرة دي عندنا مفاجأة.
وفجأة، سقط الستار عن المبنى.
كان مكتوبًا عليه
مركز عبد الرحمن للتعليم والابتكار.
التفتُّ إليها في دهشة.
قال كريم
المركز ده هيكون فيه مكتبة، ومعامل، ومنح تدريب للشباب... وكله باسم جد سلمى.
لم أتمالك دموعي.
قلت
كان هيبقى أسعد واحد في الدنيا لو شاف ده.
ابتسمت حفيدتي، التي أصبحت مهندسة، وقالت
يمكن هو شايف.
دخلنا المبنى.
وفي المدخل كانت معلقة الرسالة القديمة داخل إطار زجاجي
افعل الخير وارحل... فإن عاد إليك يومًا، فاعلم أن الله هو من أعاده.
وقف الجميع يلتقط الصور.
لكن أكثر لحظة أثرت فيّ كانت عندما رأيت طفلًا صغيرًا يدخل مع والدته، وهو ينظر إلى المكتبة بعينين مليئتين بالحلم.
همس لها
هو أنا أقدر أتعلم هنا؟
ابتسمت والدته وقالت
أيوه يا حبيبي... المكان ده معمول علشانك.
شعرت وقتها أن رحلة والدي، التي بدأت بإنقاذ إنسان على طريق قديم، انتهت بإنقاذ مستقبل آلاف الأطفال.
أغمضت عيني، وابتسمت في هدوء.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت براحة كاملة.
لأنني أيقنت أن الإنسان قد يرحل من الدنيا... لكن العمل الصالح يظل حيًا، يصنع الأمل في قلوب أناس لم يلتقِ بهم أبدًا.
ستار النهاية. بعد سنوات قليلة...
في صباح هادئ،
لم يكن هناك حفل، ولا مناسبة.
كانوا ينفذون وصية كتبتها نادية بخط يدها قبل رحيلها بأشهر.
فتح كريم الظرف،
متابعة القراءة