مات اخويا الكبير

لمحة نيوز

المريض.
كان أول واحد يحضر وآخر واحد يمشي.
ابتسم الرجل وقال
دي كانت بتكرم الناس في قلبها قبل ما تكرمهم قدام الناس.
وفي الذكرى المئوية لتأسيس الشركة، قرر مجلس الإدارة إنشاء متحف صغير داخل المقر الرئيسي، يروي رحلة البداية، من محل متواضع إلى مؤسسة كبيرة تخدم المجتمع.
وعند مدخل المتحف، وُضعت لوحة كُتب عليها
كل نجاح يبدأ بحلم... ويستمر بالأمانة.
وكان أول ما يراه الزائر صورة قديمة لنوال وسيد وهما يقفان أمام أول محل، يبتسمان بثقة، دون أن يعلمان أن قصتهما ستُلهم أجيالًا بعدهما.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن بقيت ذكراها تُروى لكل من يؤمن أن الإنسان قد يرحل، بينما يبقى أثره الطيب خالدًا في قلوب الناس. بعد افتتاح المتحف بأيام، وقف طفل صغير أمام الصورة الأولى في المعرض، وشدّ جلباب جده وسأله
يا جدو... هما الناس دول بجد؟
ابتسم الجد وقال
أيوه يا حبيبي... ودي مش مجرد صور، دي حكاية ناس تعبوا، وغلطوا، واتعلموا، وسابوا خير وراهم.
سكت الطفل لحظة، ثم قال
يعني ممكن أنا كمان أبقى زيهم؟
ربّت الجد على كتفه وقال
لو كنت أمين، هتبقى أحسن منهم.
سمع مرشد المتحف الحوار، فابتسم، وأخرج من جيبه بطاقة صغيرة كان يُهديها لكل طفل يزور المكان.
كان مكتوبًا عليها
ابدأ
صغيرًا... واحلم كبيرًا... ولا تفرّط أبدًا في أمانتك.
أخذها الطفل واحتفظ بها في جيبه.
مرت سنوات...
كبر ذلك الطفل، وتخرج في الجامعة، وعاد ليعمل في الشركة نفسها.
وفي أول يوم له، مرّ على المتحف قبل أن يبدأ عمله.
وقف أمام صورة نوال وسيد، وابتسم وهو يخرج البطاقة القديمة من محفظته.
كانت مهترئة من كثرة السنين، لكنه احتفظ بها.
قال في نفسه
الوعد لسه مستمر.
وفي نفس اللحظة، دخل فوج جديد من الأطفال لزيارة المتحف.
ابتسم لهم، وأخذ يحكي لهم القصة كما سمعها وهو صغير.
وهكذا لم تعد الحكاية ملكًا لعائلة واحدة، بل أصبحت مصدر إلهام لكل من دخل المكان، وكل من آمن أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تجمعه من مال، بل بما تزرعه من خير في حياة الآخرين.
وهكذا... استمرت الحكاية، لأن الحكايات الجميلة لا تنتهي، بل تنتقل من قلب إلى قلب. بعد سنوات طويلة، وفي صباح هادئ، اجتمع مجلس الإدارة في القاعة الرئيسية.
وقف رئيس المجلس، ونظر إلى الحاضرين، ثم قال
قبل ما نبدأ الاجتماع، عندي أمانة لازم أوصلها.
أخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا كان محفوظًا داخل خزنة الشركة، وقال
الصندوق ده محدش فتحه من يوم وفاة الأستاذة نوال.
ساد الصمت.
فتح الصندوق ببطء...
لكن الجميع اندهش.
لم يكن بداخله
مال، ولا عقود، ولا مجوهرات.
كان بداخله ظرف واحد فقط.
فتح الظرف، وبدأ يقرأ
إذا كنتم تقرأون رسالتي، فهذا معناه أن الشركة ما زالت واقفة، وأنكم حافظتم على الأمانة. إذًا... لقد نجحنا جميعًا.
ثم أكمل القراءة
لا تجعلوا اسمي أو اسم سيد سببًا للفخر، بل اجعلوا أعمالكم هي التي يتحدث عنها الناس. فإذا أصبحتم تعتمدون على أمجاد الماضي، فاعلموا أن بداية السقوط قد اقتربت.
سادت القاعة لحظة صمت.
ثم وقف أصغر عضو في المجلس وقال
إذن... سنبدأ من جديد.
ومنذ ذلك اليوم، أطلقوا مشروعًا جديدًا لتدريب الشباب على ريادة الأعمال مجانًا، حتى تظل رسالة الشركة مستمرة.
وعند افتتاح المشروع، أزيلت الصورة الضخمة من مدخل الشركة، واستبدلت بلوحة بسيطة كتب عليها
كل جيل يكتب قصته بنفسه.
ابتسم الجميع.
فقد أدركوا أن أعظم تكريم لنوال وسيد لم يكن الاحتفاظ بصورهما، بل الاستمرار في المبادئ التي عاشا من أجلها.
وبقيت الشركة تكبر، وبقي الخير يمتد، وبقيت القصة تُروى، لا لأنها قصة ثراء، بل لأنها قصة إخلاص، وعمل، ووفاء.
وهنا... تنتهي الحكاية حقًا. النهاية
بعد مرور سنوات، جلست نوال في شرفة بيتها تنظر إلى غروب الشمس، وبجوارها حفيد أخيها الصغير.
سألها الطفل
يا عمتي... لو رجع بيكي الزمن،
كنتِ هتشتغلي مع عمو سيد بنفس الطريقة؟
ابتسمت وهي تنظر إلى صورته المعلقة على الحائط، ثم قالت
أيوه... لأن الحب الحقيقي مبيتحسبش بالمكسب والخسارة. لكن كنت هتعلم أكتب حقي، وأحافظ عليه، عشان محدش يتعب بعدي.
في اليوم التالي، أعلنت نوال قرارها الأخير.
حولت جزءًا كبيرًا من أسهمها إلى وقف خيري دائم، ووزعت باقي الأسهم على الموظفين القدامى الذين شاركوها رحلة النجاح، حتى يظل المكان ملكًا لمن صنعوه بإخلاص.
وفي حفل بسيط داخل الشركة، وقف الجميع يصفقون لها.
قالت كلمتها الأخيرة
الفلوس بتروح وتيجي... لكن السمعة الطيبة والعدل هما رأس المال الحقيقي. لو حافظتم عليهم، هتفضل الشركة عايشة حتى بعد ما كلنا نرحل.
وبعد سنوات، رحلت نوال في هدوء، بعد عمر طويل قضته في العمل والخير.
وفي يوم جنازتها، لم يمتلئ المكان برجال الأعمال فقط، بل بالموظفين، والطلاب الذين تعلموا على نفقة المؤسسة، والأسر التي ساعدها الوقف، وكل من لمس خيرها يومًا.
وقف أحد الموظفين القدامى أمام قبرها وقال
بدأتِ حياتك وأنتِ تعملين في الظل، لكنك رحلتِ وقد أنرتِ طريق آلاف الناس.
ظل اسم نوال وسيد محفورًا على باب الشركة، لا كأصحاب ثروة، بل كرمزٍ للأمانة والوفاء.
وانتهت الحكاية كما بدأت...
بأخ وأخته، جمعهما الحب في الحياة، وجمعهما الأثر الطيب بعد الرحيل.
تمت.

تم نسخ الرابط