جوزى وحماتى سافروا

لمحة نيوز

إزاي؟
ابتسم وقال
كانت ماما... وهتفضل أحب كلمة في حياتي.
ابتسمت وأنا أحمد الله على كل لحظة صبر مرت بنا، فقد كانت بدايتها دموعًا، لكن نهايتها كانت حياة مليئة بالخير والمحبة.
وهكذا انتهت الحكاية... لكنها كانت بداية حكايات جميلة في حياة كل طفل وجد الأمل من جديد. بعد افتتاح المركز بعامين، كان آدم قد أصبح اسمًا معروفًا في مجال علاج الأطفال، لكن أكثر ما كان يسعده هو رؤية طفل ينطق أول كلمة بعد صمت طويل.
وفي صباح أحد الأيام، دخل إلى المركز رجل مسن يسير ببطء، يتكئ على عصاه.
ظل ينظر إلى آدم طويلًا، ثم قال
أنت متعرفنيش... لكن أنا أعرفك من وأنت عندك سبع سنين.
استغرب آدم، ودعاه للجلوس.
قال الرجل
أنا كنت حارس المدرسة القديمة اللي كنت بتروحها. كنت كل يوم أشوف والدتك تيجي بدري وتقعد مستنياك بالساعات، عمرها ما اشتكت ولا فقدت الأمل... وكنت أقول في نفسي إن ربنا هيكرمها يومًا.
ابتسم آدم وقال
وهي فعلًا كانت سبب كل اللي أنا فيه.
أخرج الرجل من حقيبته دفترًا قديمًا.
وقال
لقيته وأنا بنضف المخزن بعد ما المدرسة اتجددت... كان باسمك.
فتح آدم الدفتر، فوجد أول رسوماته وهو صغير، وتحتها كلمات بخط طفولي كان قد تعلم كتابتها فيما بعد
لما أكبر... هخلي كل طفل يبتسم.
ساد الصمت للحظات.
ثم ابتسم آدم وهو يغلق الدفتر برفق.
وفي المساء، عاد إلى البيت، ووضع الدفتر أمامي.
ابتسمت بمجرد أن رأيته.
قلت
احتفظت بيه كل السنين دي؟
قال
لا... ربنا رجعهولي في الوقت المناسب، عشان يفكرني بوعد كنت نسيته.
في اليوم التالي، أعلن آدم عن مبادرة جديدة، وهي إرسال فرق من المتخصصين إلى القرى والمناطق البعيدة، حتى يصل العلاج إلى الأطفال الذين لا يستطيعون السفر.
وخلال سنوات قليلة، تغيرت حياة مئات الأطفال، وأصبحت ابتساماتهم هي أعظم مكافأة له.
وفي إحدى الأمسيات، جلسنا جميعًا حول مائدة العشاء، وكانت ضحكات الأحفاد تملأ البيت.
نظرت إليهم، ثم نظرت إلى آدم، وقلت
سبحان الله... البيت
اللي كان ساكت سنين، بقى مليان ضحك وأصوات.
ضحك الجميع، وقال آدم وهو يحمل ابنه الصغير
ويمكن يوم من الأيام، ابني هو كمان يكمل المشوار.
ابتسمت وأنا أنظر إلى أسرتي الكبيرة، وأيقنت أن الخير الذي يُزرع بحب، يظل يثمر جيلًا بعد جيل. مرت الأعوام سريعًا، وأصبح المركز الذي أسسه آدم واحدًا من أهم المراكز التي يقصدها الأطفال من مختلف المحافظات.
وفي يوم الاحتفال بمرور عشرين عامًا على افتتاحه، وقف آدم على المسرح وأمامه عشرات الأسر التي تغيّرت حياتها.
قال بابتسامة
أنا مش هحكيلكم عن نفسي... هخلي حد تاني يتكلم.
ثم نادى
اتفضل يا يوسف.
صعد شاب في العشرين من عمره، وقال
وأنا عندي أربع سنين، مكنتش بعرف أنطق حرف واحد، وكل الناس قالت لأهلي مفيش فايدة. لكن دكتور آدم قال لهم اصبروا، كل طفل ليه طريقه.
ابتسم وهو ينظر إلى الحضور.
النهارده أنا خريج كلية الإعلام، وبشتغل مذيع.
امتلأت القاعة بالتصفيق.
بعد انتهاء الحفل، اقترب يوسف من آدم وقال
أنا جيت أقولك إنك غيرت حياتي.
رد آدم بابتسامة
لا... أنت اللي تعبت واجتهدت، وأنا كنت مجرد سبب.
وفي المساء، عادت الأسرة كلها إلى الفيلا القديمة.
جلسوا في الحديقة نفسها التي شهدت أول كلمة نطق بها آدم منذ سنوات طويلة.
قال كريم وهو ينظر إلى أولاده وأحفاده
البيت ده شهد أجمل رحلة في حياتنا.
ابتسمت ياسمين وقالت
وأجمل حاجة فيها إننا كنا مع بعض في كل خطوة.
في تلك اللحظة، ركض حفيد صغير نحو آدم وقال
بابا... احكيلي حكاية.
ضحك آدم، وحمله بين ذراعيه، وقال
هحكيلك عن ولد صغير كان ساكت سنين... لكن لما اتكلم، غيّر حياة ناس كتير.
التف الجميع حوله، بينما بدأت الحكاية من جديد، ولكن هذه المرة لم تكن حكاية خوف أو حزن، بل حكاية أمل، وصبر، وأسرة عرفت أن الحب الصادق يستطيع أن يصنع مستقبلًا أجمل.
النهاية. بعد مرور سنوات، قرر آدم أن يجمع أفراد العائلة في الفيلا القديمة.
تعجب الجميع من سبب الدعوة، خاصة أنها لم تكن مناسبة أو عيدًا.

وقف آدم في منتصف الحديقة وقال
البيت ده شهد أجمل ذكرياتنا، وعشان كده قررت ميكونش مجرد بيت للعيلة.
نظر الجميع إليه في فضول.
أكمل
هحوّله إلى متحف صغير يحكي رحلة أسرتنا، وكل الأرباح هتروح لدعم الأطفال المحتاجين للعلاج.
ابتسمت ياسمين وقالت
يعني ذكرياتنا هتبقى سبب في إسعاد ناس تانية.
وبالفعل، بدأ تجهيز المكان بصور قديمة، ورسومات آدم وهو صغير، وأول شهادة حصل عليها، وأول لعبة كان بيحبها، ورسائل الشكر التي أرسلتها الأسر للمركز.
كان كل زائر يخرج وهو يشعر بالأمل.
وفي يوم الافتتاح، اقترب طفل صغير من آدم وسأله
هو أنت فعلًا كنت مبتتكلمش؟
ابتسم آدم، وجلس بجواره، وقال
أيوه... لكن ربنا بعتلي ناس صبروا عليا، وأنا دلوقتي دوري أصبر على غيري.
ابتسم الطفل وقال
يبقى أنا كمان هقدر.
ربت آدم على كتفه وقال
أكيد هتقدر.
عادت الأسرة إلى البيت في المساء، وجلست ياسمين على الأرجوحة الخشبية التي كانت تحبها.
اقترب منها كريم، وقال
لو رجع بيّا الزمن، مش هغيّر ولا يوم من حياتنا.
ابتسمت وهي تنظر إلى السماء وقالت
حتى الأيام الصعبة؟
أجاب
أيوه... لأنها هي اللي علمتنا قيمة الأيام الحلوة.
وفي تلك اللحظة، امتلأ البيت بأصوات الأحفاد وهم يركضون في الحديقة، بينما كانت ياسمين تراقبهم بابتسامة هادئة.
وأدركت أن أعظم ميراث يمكن أن يتركه الإنسان ليس المال ولا العقارات، بل المحبة، والرحمة، والأثر الطيب الذي يبقى في قلوب الناس حتى بعد مرور السنين.
وهكذا استمرت الحكاية... لأن الخير لا تنتهي فصوله أبدًا. بعد سنوات طويلة، أصبحت قصة آدم تُدرَّس في دورات تدريبية للأسر، ليس لأنها قصة معجزة، بل لأنها كانت مثالًا على الصبر والاحتواء وعدم فقدان الأمل.
وفي عيد ميلاد ياسمين السبعين، اجتمعت الأسرة كلها في الحديقة التي شهدت أجمل ذكرياتهم.
وقف آدم، وقد شاب شعره قليلًا، وقال
النهارده أنا مش جاي أتكلم عن نفسي... أنا جاي أشكر ست علمتني إن الأم ممكن تغيّر حياة إنسان بكلمة،
وبحضن، وبصبر.
ثم التفت إلى والدته وأخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحته، فوجدت بداخله مفتاحًا ذهبيًا.
سألته باستغراب
مفتاح إيه ده؟
ابتسم وقال
ده مفتاح المبنى الجديد للمؤسسة. سميناه دار ياسمين للأمل... وهيكون أكبر مركز مجاني لدعم الأطفال وأسرهم.
لم تستطع ياسمين أن تمنع دموعها.
قالت وهي تبتسم
أنا عملت كل ده عشانك يا آدم.
رد وهو يقبل يدها
وأنا بعمل ده عشان كل أم متفقدش الأمل في ابنها.
وبعد أشهر من افتتاح الدار، امتلأت قاعاتها بالأطفال، وكانت ضحكاتهم تسمع من خارج المبنى.
وقفت ياسمين أمام الباب تنظر إليهم، ثم همست
الحمد لله... ربنا عوضني بأكتر مما تمنيت.
وفي المساء، اجتمع الأبناء والأحفاد حول مائدة كبيرة.
نظر كريم إلى أسرته وقال
زمان كنت فاكر إن النجاح هو المال والشركة... لكن دلوقتي عرفت إن النجاح الحقيقي هو الأسرة اللي تفضل متماسكة مهما عدت عليها السنين.
هز الجميع رؤوسهم موافقين، بينما كان الأطفال يملؤون المكان بالضحكات.
وقبل أن ينتهي اليوم، اقترب حفيد صغير من ياسمين وسألها
تيتا... هو صحيح عمو آدم اتأخر في الكلام وهو صغير؟
ابتسمت، وربتت على رأسه، وقالت
أيوه يا حبيبي... بس ربنا كان مخبي له أجمل مستقبل.
ثم نظرت إلى السماء، وحمدت الله على رحلة بدأت بالقلق، وانتهت بعائلة كبيرة يسودها الحب والرحمة، وبخير امتد أثره إلى مئات الأسر.
وهكذا بقيت الحكاية تُروى، ليس لأنها غريبة، بل لأنها تذكر كل أم وأب أن الصبر، مع الحب والعمل، قد يصنعان فرقًا عظيمًا في حياة طفل. بعد مرور أعوام أخرى، بدأت ياسمين تشعر أن الوقت قد حان لتسلّم مسؤولية الشركة بالكامل لآدم.
استدعته إلى مكتبها، وهو نفس المكتب الذي كانت تديره فيه أعمال والدها قبل عشرات السنين.
وضعت أمامه ملفًا أزرق، وقالت
يا آدم... أنا تعبت، وعايزة أرتاح. الشركة دي أمانة، وأنا واثقة إنها هتكبر في إيدك.
ابتسم آدم وقال
بس بشرط.
ضحكت
لسه هتشرط عليا؟
قال وهو يمسك يدها
تسيبي الشغل فعلًا،
وتسافري إنتِ وبابا كل سنة، وتعيشي لنفسك شوية.
ضحك كريم وقال
أخيرًا حد عرف يقنعها.
وبالفعل، سلّمت ياسمين الإدارة لابنها، لكنه
تم نسخ الرابط