جوزى وحماتى سافروا
المحتويات
وماذا تعلم.
وفي أحد الأيام، عاد إلى البيت وهو يحمل ورقة مطوية.
ناولها لي وقال بابتسامة
دي ليكي يا ماما.
فتحتها، فوجدت موضوع تعبير كتبه بعنوان أجمل شخص في حياتي.
قرأته بصوت مرتجف
أجمل شخص في حياتي هي أمي. كانت كل يوم تقولي إنها مستنية تسمع صوتي، وما عمرها فقدت الأمل فيا. ولما بدأت أتكلم، كانت أول واحدة فرحت بيا. نفسي أكبر وأخليها فخورة بيا زي ما هي فخورة بيا دلوقتي.
لم أستطع أن أمنع دموعي.
في المساء، عاد كريم من العمل، فأعطيته الورقة.
قرأها أكثر من مرة،
أنا فخور بيك يا بطل.
بعد أيام قليلة، اقترح كريم أن نأخذ إجازة قصيرة بعيدًا عن ضغط العمل.
سافرنا إلى مدينة ساحلية، وهناك جلسنا جميعًا أمام البحر وقت الغروب.
قال آدم وهو ينظر إلى الأمواج
أنا فاكر لما كنت مش بعرف أتكلم... كنت نفسي أقولكم إني بحبكم.
ابتسمت وربتُّ على كتفه.
قلت له
إحنا كنا عارفين يا حبيبي... الحب مش بالكلام بس.
ابتسم كريم وقال
بس دلوقتي بقى عندك صوت، ومفيش حاجة تمنعك تعبر عن اللي جواك.
ضحك آدم وقال
يبقى استحملوا بقى... عشان أنا هفضل أحكي وأرغي طول اليوم.
انفجرنا جميعًا في الضحك، بينما كانت الأمواج تتكسر على الشاطئ، وشعرت أن كل لحظة صعبة مرت علينا كانت مجرد طريق أوصلنا إلى هذا السلام.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح بيتنا مليئًا بالضحكات والكلمات التي انتظرناها سنوات طويلة، وعرفنا أن الصبر، مع الحب والدعم، قادر على صنع معجزات صغيرة تغير الحياة للأفضل بعد الإجازة، رجعنا لحياتنا الطبيعية، لكن كانت في مفاجأة جديدة مستنيانا.
في أحد الأيام، اتصلت بيا مديرة مدرسة آدم وقالت
يا مدام ياسمين، ممكن تشرفينا المدرسة بكرة؟ في حاجة هتفرحك.
طول الليل وأنا بفكر يا ترى آدم عمل إيه؟
تاني يوم، دخلت المدرسة، ولقيت القاعة متزينة، وكل أولياء الأمور قاعدين.
بدأ الحفل، والمديرة طلعت على المسرح وقالت
كل سنة بنختار طالب يكون قدوة لزمايله، مش عشان درجاته
وبعدين نادت
الطالب المثالي لهذا العام... آدم كريم.
وقفت أصفق وأنا دموعي نازلة من الفرحة.
طلع آدم على المسرح وسط تصفيق كبير، واستلم شهادة التقدير وميدالية صغيرة.
بعدها مسك الميكروفون وقال
أنا زمان كنت بخاف أتكلم... لكن ماما وبابا عمرهم ما يأسوا مني، وكل المدرسين شجعوني. عشان كده أنا النهارده واقف قدامكم.
ساد الصمت للحظة، ثم دوى التصفيق في القاعة.
بعد الحفل، اقتربت منا إحدى الأمهات وقالت
ابني عنده نفس المشكلة اللي كانت عند آدم، وكان فاقد الأمل. لكن لما عرف قصته، بقى عنده أمل إنه يتحسن.
ابتسم آدم للولد الصغير، وجلس يتكلم معاه ويطمنه.
ومن يومها، صار يزور مع والديه بعض مراكز التخاطب بين الحين والآخر، يشجع الأطفال ويقول لهم
متستعجلوش... كل واحد ليه وقته، والمهم متفقدوش الأمل.
وفي طريق العودة، نظرت إلى كريم وقلت
فاكر أول مرة سمعنا فيها صوته؟
ابتسم وقال
أيوه... وأحلى حاجة إن صوته النهارده بقى سبب في إنه يدي الأمل لغيره.
نظرت إلى آدم وهو يضحك مع الأطفال، وحمدت الله على كل لحظة صبر مرت بنا، لأنها أوصلتنا إلى نهاية سعيدة، وبداية أجمل بكثير مرت خمس سنوات...
كبر آدم، وبقى في الصف الإعدادي، واتحول من طفل خجول إلى ولد واثق من نفسه، يحب القراءة والخطابة، وكل سنة كان يشارك في الإذاعة المدرسية.
أما أنا وكريم، فكنا بنبص له كل يوم ونحمد ربنا على النعمة اللي إحنا فيها.
وفي يوم، رجع آدم من المدرسة وهو شايل شنطة كبيرة.
قلت له
إيه الشنطة دي يا بطل؟
ابتسم وقال
مشروع صغير أنا وصحابي عاملينه.
فتح الشنطة، ولقيت فيها كتيبات ورسومات وألعاب تعليمية.
قال بحماس
هنروح بيها مستشفى الأطفال كل أسبوع، نلعب مع الأطفال اللي بيتعالجوا هناك ونشجعهم.
بصيت له بفخر.
الفكرة دي جاتلك إزاي؟
ابتسم وقال
زمان الناس كلها كانت بتشجعني، ودلوقتي جه دوري أشجع غيري.
في أول زيارة للمستشفى، كان فيه طفل صغير رافض
قعد آدم جنبه بهدوء، وبدأ يرسم معاه من غير ما يضغط عليه.
بعد شوية، الطفل ابتسم.
ولما آدم قام يمشي، الطفل نادى عليه بصوت خافت
استنى...
لف آدم وبصلي، وكانت عينيه مليانة دموع فرح.
عرف وقتها قد إيه الكلمة الطيبة ممكن تغيّر حياة إنسان.
بعدها بسنين، أنهى آدم الثانوية بتفوق، واختار يدخل كلية متخصصة في علاج اضطرابات النطق والتخاطب.
استغربنا كلنا.
سألته
ليه اخترت المجال ده؟
ابتسم وقال
عشان فيه أطفال كتير مستنيين حد يفهمهم... زي ما ناس فهمتني وأنا صغير.
وفي يوم تخرجه، وقف على المسرح يستلم شهادة التقدير، ونزل أول واحد أنا وأبوه.
وقال قدام الجميع
النجاح ده مش بتاعي لوحدي... ده نجاح أسرة كاملة عمرها ما فقدت الأمل.
صفق الجميع بحرارة، بينما شعرت أن أجمل استثمار في الحياة لم يكن المال ولا الشركة... بل الحب، والصبر، والإيمان بأن الغد قد يحمل معجزة لم نكن نتوقعها.
تمت. بعد سنوات، أصبح آدم من أشهر أخصائيي التخاطب في مدينته، وكان يخصص يومًا كل أسبوع لاستقبال الأطفال غير القادرين على تحمل تكاليف العلاج مجانًا.
وفي إحدى الجلسات، دخلت أم تحمل طفلًا صغيرًا لا يتكلم منذ سنوات، وكانت تبكي وتقول
كل الناس قالتلي مفيش أمل.
ابتسم آدم بهدوء، وجلس أمام الطفل، وأخرج ورقة وألوانًا، وبدأ يرسم معه دون أن يطلب منه كلمة واحدة.
راقبت الأم المشهد باستغراب، فقال لها
الطفل محتاج يحس بالأمان الأول... الكلام بييجي بعد كده.
مرت عدة أشهر، وفي يوم دخل الطفل العيادة وهو يجري نحو آدم، ثم قال بصوت واضح
دكتور آدم!
وقفت الأم تبكي من شدة الفرح، بينما تذكر آدم أول مرة نطق فيها بكلمة ماما، وعرف وقتها أن الله جعل من تجربته الصعبة سببًا في إسعاد مئات الأسر.
أما أنا وكريم، فكنا نجلس كل مساء في حديقة البيت، نتأمل ما وصل إليه ابننا.
قلت له يومًا
فاكر قد إيه كنا خايفين على مستقبله؟
ابتسم وقال
ربنا كان شايل له مستقبل أحسن مما كنا
وفي عيد ميلادي، فاجأني آدم بحفل بسيط جمع فيه العائلة والأصدقاء.
وبعد أن انتهى الجميع من الاحتفال، أمسك الميكروفون وقال
كل واحد فينا بيكون ليه بطل في حياته... وبطلة حياتي هي أمي. لأنها عمرها ما فقدت الأمل فيا، حتى وأنا ساكت.
لم أتمالك دموعي،
وفي تلك اللحظة، أدركت أن أجمل الهدايا ليست الذهب ولا المال، بل أن ترى ثمرة صبرك تكبر أمام عينيك، وتصبح إنسانًا ينشر الخير والأمل في حياة الآخرين.
وهكذا عاشت الأسرة في مودة ومحبة، وأصبح بيتهم مقصدًا لكل من يبحث عن كلمة طيبة أو نصيحة صادقة، لأن الحب والدعم كانا دائمًا أقوى من أي خوف، وأجمل بداية لكل نهاية سعيدة. بعد مرور عشر سنوات أخرى، تغيّر كل شيء... إلا شيء واحد دفء البيت.
في صباح أحد الأيام، كنت أجلس في الحديقة أحتسي قهوتي، عندما دخل آدم، الذي أصبح شابًا ناجحًا، وهو يبتسم بطريقة أعادتني إلى طفولته.
قال
ماما... عندي خبر هيغير حياتنا.
ضحكت وقلت
كل مرة تقول كده تطلع عامل مفاجأة.
مد يده وأعطاني ظرفًا أبيض.
فتحته، فوجدت عقد إنشاء أول مركز خيري متكامل لعلاج الأطفال الذين يعانون من اضطرابات النطق والتواصل، على نفقة شركتنا.
نظرت إليه بدهشة.
يعني إيه؟
قال
الشركة اللي جدي بناها، وإنتِ حافظتي عليها، أنا عايز جزء من أرباحها يرجع للناس. محدش يتحرم من العلاج بسبب الفلوس.
لم أتمالك نفسي، .
بعد أشهر، افتُتح المركز وسط حضور عدد كبير من الأسر.
لم يكن الحفل فاخرًا، لكنه كان مليئًا بالابتسامات.
وفي نهاية الحفل، طلب آدم الكلمة، وقال
زمان كنت طفلًا الكل قلقان عليه، لكن ربنا رزقني بأسرة آمنت بيا. النهارده دوري أكون سبب أمل لكل طفل وأب وأم.
وقف الجميع يصفقون طويلًا.
وفي الصفوف الأولى، أمسك كريم بيدي وهمس
أكبر إنجاز عملناه في حياتنا... مش الشركة، ولا الفلوس... أكبر إنجاز هو آدم.
ابتسمت وأنا أرى عشرات الأطفال يركضون في فناء المركز، يضحكون ويلعبون بلا خوف.
وفي
نظر آدم إلى السماء وقال
ماما... فاكرة أول كلمة قلتها؟
ضحكت وقلت
أنساها
متابعة القراءة