جوزى وحماتى سافروا
جوزي وحماتي سافروا، وقبل ما يركبوا الطيارة ادّوني علبة فيتامينات... ابني اللي ما نطقش بكلمة من سبع سنين، بص عليها وقال يا ماما... أوعي تاخدي منها. وقتها ما ص رختش ولا انه رت... خبيت العلبة واتصلت بمحامي، من غير ما أتخيل إن اللي جواها هيقلب حياتي كلها.
يا ماما... أوعي تاخدي الكبسولات اللي بابا ادهالك... هو عايز يم وتك.
سبع سنين كاملة... وأنا كل يوم بحلم أسمع صوت ابني. كنت مستعدة أسمع منه أي كلمة في الدنيا... لكن أول جملة خرجت من بقه كانت دي.
اسمي ياسمين الشاذلي. أي حد يبص على حياتي من برّه يقول إني عايشة في نعيم. فيلا كبيرة في التجمع الخامس، وشركة مقاولات كبيرة ورثتها عن أبويا، وعربية بسواق، وجنايني، وكل حاجة ممكن أي حد يتمناها.
جوزي كريم، كان دايمًا شيك، لسانه حلو، ويعرف يقول الكلمة اللي تريحني في الوقت المناسب. أما حماتي مدام فايزة، فكانت طول الوقت تعرفني للناس وتقول دي بنتي قبل ما تكون مرات ابني.
بس كان فيه وجع واحد ما بيفارقنيش... ابني آدم.
آدم عنده سبع سنين، وكل الدكاترة أكدوا إن مفيش أي مشكلة في أحباله الصوتية ولا في نموه، ومع ذلك... عمره ما نطق ولا كلمة.
كنت كل يوم ألوم نفسي. أقول يمكن اشتغلت أكتر من اللازم... يمكن ... يمكن أنا السبب.
في صباح اليوم ده، كريم وحماتي كانوا مسافرين الغردقة كام يوم. قال إنه عنده اجتماعات مع رجال أعمال، وهي هتغيّر جو شوية.
قبل ما ينزلوا من البيت، كريم طلع من جيب الجاكيت بتاعه علبة بنية صغيرة، من غير أي استيكر أو اسم، مليانة كبسولات بيضا.
ناولها لي وقال وهو ماسك إيدي
دي فيتامينات مخصوص معمولالك. دكتور صاحبي ركبهالك بنفسه... شكلك مرهقة جدًا.
قلت له باستغراب
طب ما أجيب أي فيتامين من الصيدلية وخلاص.
ابتسامته اختفت للحظة... وبعدين رجعت تاني.
لا... دي مختلفة. خدّي كبسولة كل ليلة... وأوعي تنسي يوم.
إصراره ضايقني
باسني في راسي، وربّت على شعر آدم، وخرج.
حماتي قبل ما تركب العربية وقالت وهي بتضحك
خلي بالك من نفسك يا حبيبتي... مش عايزين نرجع نلاقي مص يبة حصلت.
ضحكت وقتها على إنها هزار تقيل.
العربية خرجت من الفيلا واختفت.
كنت لسه واقفة والعلبة في إيدي... لقيت آدم شد طرف الروب بتاعي بعنف.
وقال...
ماما.
الدنيا كلها وقفت.
ركعت قدامه وأنا جسمي كله بيترعش.
إيه؟... قلت إيه يا حبيبي؟
رفع صباعه ناحية علبة الكبسولات، وكان الرع ب مالي عينيه.
أوعي تاخدي منها... أنا سمعت بابا وتيتة امبارح.
نفسي اتقطع.
سمعتهم بيقولوا إيه؟
بصلي وقال بصوت واطي
قالوا إنك هتنامي ومش هتصحي تاني... وبعدها البيت والشركة هيبقوا بتوعهم.
في اللحظة دي...
صوت خبطة جامدة دوّى ورايا.
لفّيت بسرعة.
لقيت أم حسن، الست اللي شغالة عندنا من أكتر من خمستاشر سنة، واقفة ووشها أصفر، والمقشة وقعت من إيديها، ودموعها نازلة.
قالت وهي بتعيط
سامحيني يا مدام ياسمين... أنا كنت عارفة إن آدم بيعرف يتكلم.
بصيتلها وأنا مش فاهمة أي حاجة.
فجأة نزلت على ركبها.
أنا اللي كنت بعلمه الكلام في الس ر... كل ما حضرتك تنزلي الشغل، كريم كان يهدده. يقوله لو اتكلم هياخده بعيد عنك، ومش هتشوفيه تاني أبدًا... عشان كده فضل عامل نفسه أبكم.
آدم سكت لحظة... وبعدها رفع كم البيجامة.
قلبي وقع.
على دراعه كانت باينة آثار صوابع وحد ماسكه بعنف.
همس وهو بيبص في الأرض
بابا قال... أول ما ماما تم وت، هياخدني مكان محدش يعرف يلاقيني فيه.
مسكت علبة الكبسولات بقوة لدرجة إن صوابعي وجعتني.
في أقل من خمس دقايق...
الراجل اللي كنت فاكرة إنه أحن وأخلص إنسان في الدنيا، اتحول قدامي لوح ش.
ساعتها مدت أم حسن إيديها وطلعت حاجة من جيب المريلة.
وقالت
ولقيت دي كمان تحت كرسي العربية بتاعته قبل ما يمشي.
حطت في كفّي كارت ميموري
وقتها حسيت إن اللي جاي... أخط ر بكتير من أي حاجة كنت متخيلاها...ووووو......... لمتابعه القصه كامله لايك وتعل يقات ب تم هنا وهتنزل القصه في اول تعل يق لا تفوّت الأح داث الحقيقيهفي صباح هادئ، كان زوجي كريم يستعد للسفر مع والدته لحضور مؤتمر عمل خارج المدينة. قبل أن يغادر، أعطاني علبة فيتامينات وقال بابتسامة
دي فيتامينات مخصوص عشان تقويكي، الدكتور رشحهالك.
شكرته ووضعتها على الطاولة، ولم أفكر في الأمر كثيرًا.
ابني آدم كان عنده سبع سنين، ومن يوم ما اتولد وهو قليل الكلام جدًا. كان بيعبر بعينيه أكتر من لسانه، وكلنا كنا مستنيين اليوم اللي نسمع فيه صوته.
أول ما خرج كريم ووالدته من البيت، لقيت آدم بيجري عليّا، وبص للعلبة في إيدي وقال لأول مرة بوضوح
يا ماما... استني قبل ما تاخدي أي كبسولة.
وقفت مكاني من الصدمة، مش عشان كلامه عن العلبة، لكن عشان دي كانت أول مرة أسمع صوته.
وأنا بعيط من الفرحة، وسألته بهدوء
ليه يا حبيبي؟
قال
أنا سمعت بابا بيقول لتيتة إن الدكتور قال لازم ماما تعمل تحاليل الأول، ومينفعش تاخد الفيتامينات قبلها.
استغربت جدًا، لأن كريم ماقاليش أي حاجة عن التحاليل.
في اللحظة دي، دخلت أم حسن، الخادمة اللي معانا من سنين، وقالت
فعلاً يا مدام ياسمين، أنا سمعتهم بيتكلموا عن التحاليل، ويمكن استعجلوا ونسوا يقولولك.
بدل ما أقلق، قررت أتصل بكريم. رد عليّ بسرعة، ولما سألته، سكت لحظة وقال
معاكي حق... أنا كنت مستعجل ونسيت أقولك. بلاش تاخدي أي كبسولة غير بعد ما الدكتور يشوف نتيجة التحاليل.
تاني يوم روحت للطبيب، وبعد ما راجع النتائج، ابتسم وقال
الحمد لله، صحتك كويسة، لكن النوع ده من الفيتامينات مش مناسب ليكي حاليًا، وهكتبلك بديل أفضل.
رجعت البيت وأنا مرتاحة، وحمدت ربنا إني ما أخدتش أي دواء من غير مراجعة الطبيب.
أما المفاجأة الحقيقية، فكانت إن آدم
ومن يومها اتفقنا كلنا في البيت على قاعدة واحدة
أي دواء أو فيتامين، مهما كان مصدره، لازم يكون بتعليمات الطبيب، والتواصل الصادق بين أفراد الأسرة هو اللي بيحمي البيت ويقويه بعد أسابيع قليلة، لاحظت إن آدم بقى بيتكلم بطلاقة أكتر كل يوم، وكأن أول كلمة خرجت منه فتحت بابًا كان مقفولًا سنين.
وفي يوم، وأنا بجهز الفطار، قال لي
ماما... أنا عايز أقولك حاجة.
ابتسمت وقلت
اتفضل يا حبيبي.
قال وهو باصص في الأرض
أنا كنت بخاف أغلط، وكل ما كنت أحاول أتكلم كنت أحس إن صوتي هيطلع غلط، فكنت بسكت.
وقلت
ولا يهمك يا آدم... المهم إنك دلوقتي بقيت بتتكلم، وإحنا كلنا جنبك.
رجع كريم من السفر، وأول ما دخل البيت، جري عليه آدم وقال
بابا!
اتجمد كريم مكانه، وبعدها شاله بين إيديه ودموعه نزلت من الفرحة.
قال
أنا كنت مستني اللحظة دي من يوم ما اتولدت.
من اليوم ده، قرر كريم يخفف شغله شوية ويقضي وقت أطول مع أسرته، وبقت فايزة، والدته، تيجي كل أسبوع تقعد مع حفيدها، تقراله قصص وتلعب معاه.
أما أنا، فبقيت أوازن بين شغلي وبيتي، واكتشفت إن أجمل لحظات النجاح مش في الشركة، لكن في ضحكة ابني وهو بيجري في الجنينة ويناديني
ماما... بصي أنا عملت إيه!
وبعد عدة أشهر، وقف آدم على مسرح المدرسة في الحفل السنوي، ومسك الميكروفون بثقة، وألقى كلمة قصيرة شكر فيها مدرسته وأهله.
لم أتمالك دموعي، بينما كان كريم يمسك يدي ويبتسم بفخر.
في طريق العودة، قال آدم وهو يضحك
أنا عندي كلام كتير أوي عايز أقوله... سبع سنين سكوت مش قليلين!
ضحكنا جميعًا، وشعرت لأول مرة أن بيتنا امتلأ بالصوت الذي انتظرناه طويلًا... صوت الفرح مرت سنة كاملة، وتغيرت حياتنا بشكل كبير.
آدم لم يعد ذلك الطفل الخجول الذي يكتفي بالنظر،