سابوا جدتى

لمحة نيوز

مرور أجيال...
لم يعد أحد يعرف أسماء أفراد العائلة جميعًا، لكن اسم الحاجة نظيرة ظل حاضرًا في كل ركن من الدار.
وفي أحد الأيام الممطرة، دخل رجل مسن تجاوز الثمانين عامًا، يسير بعصاه بخطوات بطيئة.
استقبله الموظفون بحفاوة، وسألوه
حضرتك أول مرة تزورنا؟
ابتسم وقال
لا... أنا جيت أوفي وعد.
تعجبوا، فطلبوا منه أن يجلس.
أخرج من جيبه صورة قديمة لطفل صغير يقف أمام إطار زجاجي بداخله مفتاح نحاسي.
قال
الطفل اللي في الصورة... هو أنا.
نظر الجميع بدهشة.
أكمل وهو يبتسم
أنا كنت أول طفل زار المعرض اللي اتعمل عن الحاجة نظيرة من سنين طويلة. يومها رجعت البيت، وبدأت أهتم بجدي، وبعدها بقيت طبيبًا لكبار السن. وكل الخير اللي عملته في حياتي كان بسبب القصة دي.
ساد الصمت في القاعة.
ثم أخرج الرجل ظرفًا صغيرًا، ووضعه على المكتب.
قال
دي كل مدخراتي... عايزها تفضل وقف للدار. يمكن حد بعدي يلاقي هنا نفس الرحمة اللي غيرت حياتي.
فتح المدير الظرف، فوجد معه رسالة قصيرة
الرحمة
لا تورث بالدم... بل بالمواقف.
في تلك اللحظة، دق جرس الباب.
دخلت أسرة تحمل امرأة مسنة على كرسي متحرك.
اقتربت حفيدتها منها، واحتضنتها قائلة
إحنا مش جايين نسيبك... إحنا جايين نقضي اليوم كله معاكي.
ابتسمت السيدة المسنة، بينما نظر الرجل العجوز إلى المدير وقال
شايف؟
القصة لسه بتتكتب... وكل مرة حد يختار الرحمة بدل القسوة، الحاجة نظيرة بتعيش من جديد في قلب إنسان. وبعد مئة عام...
لم يبقَ من بيت العائلة إلا شجرة الجميز الكبيرة التي كانت الحاجة نظيرة تحب الجلوس تحتها.
أما الدار، فقد أصبحت مؤسسة معروفة تحمل اسمها، يمر بها آلاف المسنين كل عام، ويجدون فيها من يعاملهم كأنهم بين أهلهم.
وفي يوم الاحتفال بمرور مئة عام على تأسيس الدار، وقف المدير الجديد على المسرح، يحمل في يده المفتاح النحاسي القديم.
وقال أمام الحضور
قد يظن البعض أن هذا مجرد مفتاح صدئ... لكنه في الحقيقة رمز لقرار غيّر مصير أناس كثيرين.
ثم أشار إلى شاشة كبيرة خلفه، فظهر أول سطر من القصة
سابوا
جدتي اللي عندها ألزهايمر قدام باب بيتي...
ساد الصمت في القاعة.
بكى كثيرون وهم يسمعون كيف بدأت الحكاية، وكيف تحولت لحظة قسوة إلى حياة كاملة من الرحمة.
وفي نهاية الحفل، تقدمت فتاة صغيرة لا تتجاوز العاشرة، وقالت
أنا لما أكبر... هشتغل هنا.
ابتسم الجميع وصفقوا لها.
وقال المدير
طالما في أطفال بيتعلموا الرحمة، يبقى الحكاية لسه مخلصتش.
وفي الخارج، كانت لوحة الدار تلمع تحت ضوء الشمس، وقد كُتب عليها
كل كبير في السن يستحق بيتًا، وكل قلب قادر على الرحمة يستحق أن يُفتح له باب.
وهكذا، انتهت حياة الحاجة نظيرة...
لكن لم تنتهِ رسالتها.
فبقي اسمها يُذكر مع كل ابتسامة ارتسمت على وجه مسن، ومع كل حفيد احتضن جدته، ومع كل باب فُتح بدلًا من أن يُغلق.
فبعض القصص لا تنتهي بكلمة النهاية... بل تبدأ منها حكايات أخرى لا تُحصى. النهاية
في مساء هادئ، وقفت منى أمام صورة جدتها نظيرة للمرة الأخيرة داخل دار رعاية كبار السن التي حملت اسمها.
لمست إطار الصورة برفق، وابتسمت
وهي تقول
يا تيتة... يوم ما سابوكي قدام باب بيتي، افتكرت إنهم سابولي حمل كبير. لكن الحقيقة إنهم سابولي أعظم نعمة في حياتي.
وفي اللحظة نفسها، دخلت طفلة صغيرة تمسك يد جدتها، وقدمت لها وردة بيضاء وقالت
دي ليكي... علشان بتخلوا كل جد وجدة هنا يحسوا إنهم وسط أهلهم.
أخذت منى الوردة، ونظرت حولها.
رأت كبار السن يضحكون، وأحفادًا يزورون أجدادهم، ومتطوعين يخدمونهم بمحبة.
عرفت أن رسالة جدتها لم تعد تخص عائلتهم وحدها، بل أصبحت رسالة لكل من يسمع قصتها.
وعلى مدخل الدار، وُضعت لوحة أخيرة كُتب عليها
إذا ضاقت بك الدنيا، فلا تترك من كان يومًا سندًا لك. فمن يرحم والديه وكبار السن، يرحمه الله ويبارك في عمره وأهله.
وبعد سنوات، ظل الناس يمرون أمام الدار، يقرأون اسم دار الحاجة نظيرة، ويسألون عن صاحبة الاسم.
فيُقال لهم
لم تكن أغنى امرأة، ولا أشهر امرأة... لكنها كانت جدة أحبّتها حفيدتها، فغيّر هذا الحب حياة عائلة، ثم مدينة، ثم قلوبًا لا تُعد.
وهكذا انتهت الحكاية.
..
لا بانتصار المال، ولا بالخلافات، بل بانتصار الرحمة.
تمت.

تم نسخ الرابط