سابوا جدتى

لمحة نيوز

وضع جدول لزيارة الحاجة نظيرة، ولم تعد منى وحدها تتحمل المسؤولية.
وفي أحد الأيام، بينما كانت منى تساعد جدتها في ترتيب ملابسها، وجدت جيبًا داخليًا صغيرًا في المعطف القديم لم تكن قد انتبهت إليه من قبل.
أخرجت منه مفتاحًا آخر، أصغر من الأول، ومعه ورقة صفراء مكتوب عليها بخط الجد
إذا وجدتم هذه الرسالة، فاعلموا أن هناك صندوقًا خشبيًا في بيت القرية. لا قيمة لما بداخله في السوق، لكن قيمته عند العائلة لا تُقدر بثمن.
نظر الجميع إلى بعضهم بدهشة.
وفي نهاية الأسبوع، سافروا جميعًا إلى بيت القرية الذي ظل مغلقًا سنوات.
بعد ساعات من البحث، وجدوا الصندوق في غرفة قديمة أعلى السطح.
فتحوه بحذر...
فوجدوا عشرات الصور العائلية، وشهادات ميلاد قديمة، ورسائل حب بين الجد والجدة، ودفترًا دوّن فيه الجد ذكرياته مع كل فرد من أفراد الأسرة منذ ولادته.
كان قد كتب صفحة كاملة عن كل حفيد.
وعندما وصلت منى إلى صفحتها، قرأت بصوت مرتجف
منى... صاحبة القلب الطيب. إن قرأتِ هذه الكلمات يومًا، فأرجو أن تبقي العائلة مجتمعة مهما اختلفت الظروف، لأن البيوت لا تحفظها الجدران... بل الرحمة.
لم يتمالك أحد دموعه.
أما الحاجة نظيرة، فأمسكت صورة قديمة لها مع زوجها، وظلت تنظر إليها طويلًا.
وفجأة قالت بصوت واضح، وكأن الذاكرة عادت إليها للحظات
الله يرحمك يا حسن... وصيتك اتنفذت.
ثم ابتسمت لأول مرة منذ زمن، وسط أحفادها وأبنائها، بينما شعر الجميع أن أعظم ميراث تركه الجد لم يكن مالًا، بل أسرة عادت لتجتمع من جديد بعد مرور عام على وفاة الحاجة نظيرة، اقترحت منى أن يجتمع أفراد العائلة في بيت القرية في نفس اليوم من كل سنة، تنفيذًا لوصية الجد.
في البداية ظن الجميع أن اللقاء سيكون مجرد زيارة عائلية، لكن منى دخلت وهي تحمل صندوقًا خشبيًا
صغيرًا لم يره أحد من قبل.
قالت وأنا برتب أوضة تيتة، لقيت الصندوق ده مخبي ورا الدولاب.
فتحته أمامهم.
كان بداخله عشرات الخطابات، وكل خطاب مكتوب عليه اسم أحد أفراد العائلة.
ناولت كل شخص خطابه.
فتحوا الرسائل في صمت.
كانت كلها كلمات تشجيع ودعاء ونصائح كتبتها الحاجة نظيرة بخط يدها قبل أن يشتد عليها المرض، وكانت تختم كل رسالة بعبارة واحدة
لو اختلفتم يومًا... افتكروا إنكم إخوة قبل أي شيء.
أما رسالة منى فكانت مختلفة.
فتحتها، وقرأت بصوت مرتجف
يا منى... لو وصلتك الرسالة دي، يبقى ربنا اختارك تكوني صاحبة اللمة. حافظي على بيت العيلة، وافتحي بابه لكل محتاج، لأن البيت اللي يدخل منه الخير، عمره ما يخرب.
لم تتمالك منى دموعها.
ابتسمت وهي تنظر إلى الجميع وقالت
من النهارده، بيت تيتة هيبقى مفتوح في كل مناسبة، وكل عيد، وكل وقت حد فينا يحتاج مكان يلاقي فيه أهله.
وافق الجميع دون تردد.
ومع مرور السنوات، صار بيت القرية يمتلئ بالأحفاد والأطفال والضحكات.
كان كل طفل جديد في العائلة يسمع حكاية الحاجة نظيرة، وكيف أن حبها جمع الأسرة من جديد بعد أن كادت تتفرق.
ولم يعد أحد يتذكر الخلافات القديمة...
بل كانوا يتذكرون دائمًا المرأة التي علمتهم أن الرحمة هي أغلى ميراث يمكن أن يتركه الإنسان. تمت مرت ستة أشهر، وأصبحت منى تعتبر كل يوم هادئ تقضيه مع جدتها نعمة كبيرة.
رغم أن مرض ألزهايمر كان يتقدم ببطء، فإن نظيرة كانت ما زالت تعيش لحظات صفاء قصيرة، لكنها ثمينة.
وفي صباح أحد الأيام، استيقظت الجدة مبكرًا على غير عادتها، وطلبت منى بالاسم.
قالت بصوت هادئ
هاتيلي الدفتر البني.
تعجبت منى، لكنها أحضرته فورًا.
فتحت نظيرة آخر صفحة، وأشارت إلى مكان فارغ وقالت
اكتبي.
سألتها منى أكتب إيه يا تيتة؟
ابتسمت الجدة وقالت
اكتبي.
.. سامحت كل واحد قصر معايا. العمر أقصر من إن الإنسان يشيل زعل.
توقفت منى لحظة، ثم كتبت الكلمات كما قالتها.
بعدها أغلقت نظيرة الدفتر بنفسها، وربتت على يد حفيدتها وقالت
أوعي تسيبي حد لوحده وهو كبير... الوحدة أصعب من المرض.
كانت تلك أوضح جملة قالتها منذ شهور.
بعد أيام قليلة، دخلت في نوم عميق، ونُقلت إلى المستشفى.
اجتمع كل أفراد العائلة حولها.
لم يكن بينهم خلاف هذه المرة، ولم يكن أحد يفكر في مال أو ميراث.
كان كل ما يريدونه أن تسمعهم وهي ما زالت تشعر بوجودهم.
اقترب كل واحد منها، وأمسك يدها، واعتذر لها عن أي تقصير.
أما منى، فجلست بجوارها تقرأ القرآن بصوت خافت.
فتحت نظيرة عينيها للحظة، ونظرت إلى وجوههم جميعًا، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة، وأغمضت عينيها مرة أخرى.
وفي صباح اليوم التالي، رحلت في سلام.
بعد انتهاء العزاء، اجتمع أفراد العائلة في بيت القرية.
علقوا صورة كبيرة للحاجة نظيرة والجد حسن في صدر المنزل، وقرروا ألا يبيعوا البيت أبدًا، بل يجعلوه مكانًا يجتمعون فيه كل عام، حتى تظل العائلة مترابطة كما كانا يتمنيان.
أما الدفتر البني، فقد احتفظت به منى، وكانت كلما شعرت بضيق، فتحت آخر صفحة وقرأت الجملة التي كتبتها جدتها
سامحت كل واحد قصر معايا... وأتمنى تفضلوا عيلة واحدة.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن أثرها بقي في قلوب الجميع لسنوات طويلة بعد عشرين عامًا...
أصبح بيت العائلة أكبر مما كان، ليس في حجمه، بل في عدد من يجتمعون داخله.
في كل أول جمعة من شهر أغسطس، كان الجميع يتركون أعمالهم ويسافرون إلى بيت القرية، تنفيذًا للعهد الذي قطعوه بعد وفاة الحاجة نظيرة.
هذه المرة، كانت منى قد تجاوزت الستين من عمرها.
شعرها امتلأ بالخصلات البيضاء، لكنها كانت تجلس في نفس المكان الذي كانت تجلس فيه جدتها قديمًا.

وحولها عشرات الأحفاد.
قالت حفيدتها الصغيرة
تيتة... احكيلنا الحكاية.
ابتسمت منى وقالت
كل مرة بحكيها بخاف تفتكروا إنها عن خزنة أو مفتاح... لكنها في الحقيقة عن باب.
تعجب الأطفال.
فسألتها واحدة منهم
باب إيه؟
أشارت إلى باب البيت القديم وقالت
الباب ده... في يوم من الأيام وقفوا عنده وسابوا عليه ست كبيرة، فاكرين إنهم بيتخلصوا من مسؤولية. لكنهم من غير ما يعرفوا كانوا بيسيبوا أغلى نعمة في حياتهم.
سكتت لحظة، ثم أكملت
ولو كنت قفلت الباب يومها... كان زمان العيلة دي كلها اتفرقت.
ساد الصمت.
ثم قامت حفيدتها واحتضنتها وقالت
إحنا عمرنا ما هنسيبك لوحدك يا تيتة.
ضحكت منى، والدموع في عينيها.
رفعت رأسها إلى السماء وقالت في سرها
يا رب... كما جمعتنا حول أمي، اجمع أولادنا وأحفادنا دائمًا على الخير.
وفي المساء، اجتمعت الأسرة كلها حول مائدة واحدة، يتبادلون الضحكات والذكريات.
وكان الكرسي الذي كانت تجلس عليه الحاجة نظيرة ما زال موجودًا في مكانه.
لم يجلس عليه أحد.
تركوه فارغًا كل عام، احترامًا لذكراها، وتذكيرًا بأن إنسانًا واحدًا، بحبه وصبره، قد يغيّر مصير عائلة كاملة.
وهكذا بقيت حكاية الحاجة نظيرة تُروى جيلًا بعد جيل، لا لأنها كانت تملك خزنة أو مالًا... بل لأنها تركت ميراثًا لا ينفد الرحمة. بعد خمس سنوات...
كانت منى تقف في فناء بيت العائلة، تراقب الأطفال وهم يجرون بين الأشجار ويضحكون. امتلأ المكان بالحياة من جديد، بعد أن كان مهددًا بأن يصبح بيتًا مهجورًا.
وفجأة اقترب منها طفل صغير، حفيد خالها سيد، وسألها ببراءة
هو صحيح تيتة نظيرة هي اللي خلتنا نبقى عيلة تاني؟
ابتسمت منى، وربتت على رأسه وقالت
أيوه... بس مش بكلامها، بحبها.
في تلك اللحظة، أخرجت من جيبها المفتاح النحاسي القديم الذي احتفظت به كل
تلك السنوات.
لم يعد يفتح خزنة، لكنه كان يذكرها باليوم الذي بدأت فيه الحكاية... يوم تُركت جدتها
تم نسخ الرابط