عملت حادث مفاجئ
خسرش أخلاقه.
وهكذا ظل اسم آمال حيًا، ليس في الصور أو الذكريات فقط، بل في كل مريض خرج من المركز واقفًا على قدميه... أو واقفًا بقلبه من جديد بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا، أصبح مركز آمال للحياة مؤسسة كبيرة لها فروع في محافظات كثيرة، وأصبحت قصتها تُدرَّس في دورات العمل التطوعي والتأهيل النفسي.
وفي يوم الافتتاح السنوي، كان الأحفاد هم من يديرون الاحتفال.
وقفت حفيدتها الكبرى، وهي طبيبة تأهيل، وقالت للحضور
كتير من الناس فاكرين إن جدتي كانت بطلة لأنها تحملت الألم... لكن الحقيقة إنها كانت بطلة لأنها عمرها ما خلت الألم يحولها لإنسانة قاسية.
ثم رفعت صورة قديمة لآمال وهي تبتسم على كرسيها المتحرك.
وقالت
الابتسامة دي أنقذت ناس أكتر من أي دواء.
وفي آخر القاعة، كان يجلس رجل مسن على كرسي متحرك، يستمع في صمت.
بعد انتهاء الحفل، طلب أن يرى الأحفاد.
قال لهم
أنا أول مريض دخل المركز يوم افتتاحه.
وأشار إلى الصورة المعلقة على الحائط.
جدتكم قالتلي يومها إوعى تعتبر اللي فقدته نهاية حياتك... يمكن يكون بداية رسالتك.
ابتسم وهو يمسح دموعه.
الكلمة دي خلتني أعيش أربعين سنة وأنا بساعد غيري.
نظر الأحفاد إلى بعضهم، وشعروا أن إرث جدتهم لم يكن مبنى ولا مؤسسة...
كان إنسانية انتقلت من قلب إلى قلب.
وقبل أن يغادر الرجل، أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا وقال
ده مفتاح أول باب اتفتح للمركز يوم الافتتاح. كنت محتفظ بيه من يومها... وحان الوقت يرجع لأصحابه.
أخذ الأحفاد المفتاح، ووضعوه داخل صندوق زجاجي في مدخل المركز.
وكتبوا تحته عبارة أصبحت شعارًا لكل الفروع
لا تقاس قيمة الإنسان بما فقد... بل بما منحه
ومنذ ذلك اليوم، صار كل شخص يدخل المركز يلمح المفتاح أولًا، فيبتسم، ثم يكمل طريقه وهو مؤمن أن لكل باب أُغلق في حياته... بابًا آخر يمكن أن يُفتح بالأمل والعمل والصبر.
وهكذا بقيت قصة آمال تُروى جيلًا بعد جيل، لا لأنها عانت... بل لأنها انتصرت دون أن تفقد قلبها. بعد خمسين سنة...
تحول بيت آمال القديم إلى متحف صغير ملحق بالمركز.
لم يكن فيه أثاث فاخر ولا مقتنيات ثمينة.
كان فيه كرسيها المتحرك الأول... والعكاز... وأول دفتر كتبت فيه أحلامها بعد الحادث... وصورة لها مع أولادها الثلاثة وهي تبتسم رغم كل ما مرت به.
وكان أكثر ما يلفت انتباه الزوار لوحة معلقة على الحائط مكتوب فيها
ليس المهم كم مرة انكسرت... المهم كم مرة وقفت من جديد.
وفي أحد الأيام، جاءت طفلة في العاشرة من عمرها تزور المتحف مع مدرستها.
وقفت أمام صورة آمال وسألت المرشدة
هي كانت مشهورة؟
ابتسمت المرشدة وقالت
لا... كانت إنسانة عادية.
تعجبت الطفلة.
أمال ليه الناس كلها بتحبها؟
ردت المرشدة
لأنها أثبتت إن الإنسان العادي يقدر يعمل أشياء عظيمة لما يختار الرحمة بدل القسوة.
خرجت الطفلة وهي ممسكة بكتيب صغير عن قصة آمال.
وفي المساء، جلست تكتبه في كراستها بعنوان
بطلتي المفضلة.
وبعد سنوات طويلة، أصبحت تلك الطفلة طبيبة في أحد فروع المركز.
وكانت كلما استقبلت مريضًا جديدًا، تبدأ كلامها بنفس الجملة التي كانت آمال ترددها
لسه الحياة فيها خير... وإحنا هنمشي فيها خطوة خطوة.
وهكذا لم تعد قصة آمال مجرد حكاية عن امرأة فقدت ساقها...
بل أصبحت قصة عن أم، وربّت أبناءها على الكرامة، وحولت محنتها إلى رحمة امتدت لأجيال.
وكلما انتهت الحكاية على لسان شخص... بدأت من جديد في قلب شخص آخر.
تمت بحمد الله بعد أكثر من سبعين عامًا...
كان المركز يحتفل بمرور نصف قرن على تأسيسه.
حضر الاحتفال أطباء، ومهندسون، ومتطوعون، وآلاف الأشخاص الذين تغيّرت حياتهم بسببه.
وفي نهاية الحفل، أعلن مدير المركز عن مفاجأة.
قال
أثناء تجديد البيت القديم، لقينا صندوقًا حديديًا صغيرًا مدفونًا تحت أرضية أوضة مدام آمال.
ساد الصمت.
فتح الصندوق أمام الجميع.
لم يكن فيه ذهب ولا أموال.
كان فيه ظرف واحد فقط، مكتوب عليه
يُفتح بعد خمسين سنة.
فتحوا الظرف بحذر.
وكانت الرسالة تقول
لو الرسالة دي وصلت لكم، يبقى أنا من زمان بقيت عند ربنا. يمكن ناس كتير تفتكر إن قصتي كانت عن الظلم أو الحادث... لكن الحقيقة إن قصتي كانت عن رحمة ربنا. لأن كل باب اتقفل في وشي، ربنا فتحلي عشرة غيره. ولو في حد بيقرأ كلامي وهو حاسس إن الدنيا انتهت... أحب أقوله اصبر، يمكن بكرة يكون أجمل يوم في عمرك.
سادت القاعة حالة من البكاء.
ثم وقف أحد الأطفال، وكان يزور المركز لأول مرة، وسأل والدته
هي طنط آمال كانت عايشة هنا؟
ابتسمت الأم وقالت
لا يا حبيبي... هي لسه عايشة.
استغرب الطفل وقال
إزاي؟
أشارت إلى الناس الواقفين حوله.
وقالت
شايف كل واحد رجع يبتسم بعد ما كان فاقد الأمل؟ دي آمال عايشة فيهم.
نظر الطفل حوله، ثم ابتسم.
وفي الخارج، كانت شجرة آمال العملاقة تملأ الحديقة ظلًا.
تحتها جلس شاب يساعد رجلًا مسنًا على المشي، وفتاة تعلم طفلًا يستخدم طرفًا صناعيًا، ومتطوع يوزع الطعام على المرضى.
كلهم لم يعرفوا آمال شخصيًا...
لكنهم حملوا رسالتها.
وهكذا انتهت حياة آمال
لكن قصتها لم تنتهِ أبدًا، لأنها تحولت إلى أثر، والأثر الصالح لا يموت برحيل صاحبه.
﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
تمت القصة. النهاية
بعد سنوات طويلة، جلست آمال في شرفة بيتها وقت الغروب، تنظر إلى أولادها وأحفادها وهم يملؤون المكان ضحكًا.
اقتربت منها ابنتها الكبرى، وجلست بجوارها وقالت
ماما... عمرك ندمتي إنك صبرتي كل السنين دي؟
ابتسمت آمال وهي تنظر إلى السماء وقالت
لا... لأني ما صبرتش على الظلم، أنا صبرت لحد ما بقيت قوية أواجهه. وفي فرق كبير.
في تلك اللحظة، دخل حفيدها الصغير يجري وهو يحمل كراسة المدرسة.
قال بحماس
تيتة... المدرس طلب مننا نكتب عن أعظم شخص أثر في حياتنا.
ضحكت وقالت
وهتكتب عن مين؟
احتضنها الطفل وقال
عنك إنتِ.
اغرورقت عيناها بالدموع، لكنها كانت دموع رضا.
وبعد أيام قليلة، رحلت آمال في هدوء، وهي محاطة بأولادها وأحفادها، بعدما أوصتهم وصية واحدة
خافوا ربنا في بعض... محدش يعرف بكرة مخبي له إيه.
في جنازتها، لم يحضرها الأغنياء ولا أصحاب المناصب فقط، بل حضرها مئات الأشخاص الذين ساعدتهم يومًا، وكل واحد منهم كان يحمل في قلبه قصة معها.
وقف إمام المسجد وقال
في ناس بتعيش عمرها كله لنفسها، وناس تانية تعيش لنفع غيرها... وآمال كانت من الصنف الثاني.
وبعد دفنها، عاد أولادها إلى المركز، وعلقوا صورتها عند المدخل، وتحتها عبارة كانت ترددها دائمًا
إذا ضاقت بك الدنيا، فلا تيأس... فربما كان الخير الذي تنتظره في الطريق إليك.
ومرت السنوات...
وظل كل من يدخل المركز يقرأ العبارة، ويبتسم، ويبدأ رحلة جديدة من الأمل.
وهكذا انتهت
تمت بحمد الله.