عملت حادث مفاجئ
المحتويات
وتجلس معهم بنفسها، تحكي لهم كيف بدأت من الصفر، وكيف رفضت تستسلم.
وفي أحد الأيام، دخلت فتاة في أوائل العشرينات على كرسي متحرك، وكانت تبكي بحرقة.
قالت
أنا حياتي انتهت... خطيبي سابني أول ما عرف إني مش هعرف أمشي دلوقتي.
ابتسمت آمال وربتت على كتفها وقالت
بصيلي كويس... أنا سمعت الجملة دي من سنين. ولو الزمن رجع، هقول الحمد لله ألف مرة. لأن اللي يسيبك وقت الشدة عمره ما كان يستحقك.
بدأت الفتاة تزور المركز كل يوم، وتعلمت حرفة يدوية، وبعد سنة كاملة افتتحت مشروعًا صغيرًا، وكانت أول واحدة تقف في احتفال المركز وتحكي قصتها.
وفي نفس الاحتفال، وقف ابن آمال الأصغر وقال
أنا عندي مفاجأة.
أطفئت الأنوار، وظهر على الشاشة فيلم قصير.
بدأ بصور قديمة لآمال وهي على الكرسي المتحرك، ثم صور لأولادها وهم يكبرون، ثم افتتاح المركز، ثم مئات الأشخاص الذين تغيرت حياتهم بسببه.
وفي نهاية الفيلم ظهرت عبارة كبيرة
أمي... أنتِ أنقذتِ حياتنا قبل أن تنقذي حياة الآخرين.
لم تتمالك آمال نفسها.
بكت، واحتضنت أولادها الثلاثة.
ثم قالت وهي تنظر إليهم
أنا يمكن خسرت رجل... لكن ربنا عوضني بثلاثة سند حقيقي.
وقف الحاضرون جميعًا يصفقون.
وفي آخر القاعة، كان يوجد صندوق تبرعات للمركز.
بعد انتهاء الحفل، وجدت الإدارة ظرفًا بداخله مبلغ كبير من المال، دون اسم.
لكن كانت هناك ورقة صغيرة مكتوب فيها
لكل إنسان ساعدتموه... ادعوا لي بالهداية.
لم يعرف أحد من أرسل الظرف.
أما آمال، فلما قرأت الرسالة، ابتسمت فقط وقالت
ربنا يتقبل من صاحبه.
ثم أغلقت الظرف، وعادت تستقبل مريضًا جديدًا، لأنها أدركت أن أجمل نهاية لأي قصة... هي أن تصبح سببًا في بداية أمل لشخص آخر بعد سنوات قليلة، أصبح مركز آمال للحياة من أشهر مراكز التأهيل في مصر، وكانت وفود
وفي صباح يوم هادئ، دخل موظف الاستقبال إلى مكتب آمال وقال
في راجل كبير بره، بيقول إنه لازم يشوف حضرتك.
قالت خليه يدخل.
دخل رجل تبدلت ملامحه كثيرًا.
كان مدحت.
شعره أصبح أبيض بالكامل، ويمشي مستندًا إلى عصا.
وقف أمامها للحظات، ثم قال بصوت مكسور
السلام عليكم.
ردت بهدوء
وعليكم السلام... اتفضل.
جلس وهو ينظر إلى الأرض.
أنا مش جاي أطلب حاجة لنفسي.
سألته أومال جاي ليه؟
قال
من سنة أصبت بجلطة، والحركة بقت صعبة. وقتها عرفت يعني إيه الإنسان يحس إنه محتاج حد يساعده.
سكت قليلًا ثم أكمل
افتكرت كل كلمة قلتها ليكي بعد الحادث... وكل وجع سببتهولك.
لم ترد.
أخرج من جيبه مفتاحًا وبعض الأوراق ووضعهم على المكتب.
دي الشقة اللي كنت ساكن فيها... بعتها، ودي باقي فلوسها. عايزها كلها تتبرع للمركز.
نظرت إليه باستغراب.
قال
يمكن ربنا يغفرلي بيها.
ابتسمت آمال ابتسامة هادئة وقالت
المغفرة من عند ربنا، لكن التوبة الحقيقية إنك تعمل خير من غير ما تستنى مقابل.
هز رأسه وقال
عشان كده جيت.
خرج مدحت من المركز، ولم يلتفت خلفه.
وبعد عدة أشهر، وصل خبر وفاته.
ذهب الأولاد إلى جنازته، ودعوا له بالرحمة، فقد كان والدهم رغم كل شيء.
وعندما عادوا، جلسوا مع أمهم.
قالت ابنتها
يا ماما... إنتِ عمرك ما كرهتي بابا؟
ابتسمت آمال وقالت
الكره بيأكل صاحبه. أنا سامحته عند ربنا من زمان، لكن التسامح عمره ما كان معناه أنسى اللي حصل أو أسمح لحد يكرر الظلم.
سكت الجميع.
ثم نظرت إلى أحفادها الذين كانوا يلعبون في الحديقة، وقالت
أهم حاجة تتعلموها في حياتكم... إن الإنسان يُعرف وقت الشدة، وإن الرحمة والعدل هما اللي بيبنوا البيوت، مش الفلوس.
انتهت الجلسة، وامتلأ البيت بضحكات الأحفاد.
أما صورة
قد تسلب الحياة من الإنسان شيئًا عزيزًا... لكنها لا تستطيع أن تسلبه كرامته، إلا إذا سمح هو بذلك.
تمت بعد وفاة مدحت بعامين، كانت آمال قد تجاوزت الستين، لكن قلبها كان أكثر شبابًا من أي وقت مضى.
في صباح أحد الأيام، كانت تراجع ملفات المركز، عندما دخلت السكرتيرة وقالت
يا مدام آمال، في شاب مُصر يقابلك. بيقول إن حياته متوقفة على خمس دقايق مع حضرتك.
ابتسمت وقالت دخليه.
دخل شاب في الثلاثين من عمره، يحمل طفلة صغيرة بين ذراعيه.
أول ما شاف آمال، انحنى وقبّل يدها.
ارتبكت وسحبت إيدها بسرعة.
إيه يا ابني؟ أنا معملتش حاجة.
ابتسم والدموع في عينيه وقال
حضرتك مش فاكراني... لكن أنا أول طفل ساعده المركز وهو عنده 16 سنة بعد حادث موتوسيكل.
بدأ يحكي.
قال إنه دخل المركز محطمًا، وكان يريد إنهاء حياته، لكن آمال كانت تجلس معه كل يوم، وتكرر له جملة واحدة
يمكن ربنا قفل باب... لكنه أكيد هيفتح أبوابًا تانية.
قال
الجملة دي غيرت حياتي.
ثم نظر إلى الطفلة التي يحملها وقال
دي بنتي... وسميتها آمال.
شهقت آمال، واغرورقت عيناها بالدموع.
ناولها الطفلة، فضمتها إلى صدرها.
وفي تلك اللحظة، دخل العاملون بالمركز، وكل واحد منهم يحمل وردة بيضاء.
قالوا بصوت واحد
كل سنة وإنتِ سبب أمل لناس كتير.
ابتسمت وهي تنظر إلى الوجوه حولها.
لم تكن ترى مرضى أو موظفين...
كانت ترى عائلة كبيرة، صنعها الصبر، وربطتها الرحمة.
رفعت رأسها إلى السماء وقالت بهدوء
الحمد لله... دلوقتي عرفت ليه ربنا اختارلي الطريق ده.
وانتهت حياتها بعد سنوات طويلة، وقد تركت وراءها أثرًا لا يُنسى، ومركزًا يفتح أبوابه كل صباح، ليمنح الأمل لمن ظن أن الحياة انتهت.
وبقي اسم آمال ليس مجرد اسم امرأة.
بل عنوانًا لكل إنسان قرر أن يحول ألمه إلى نور يضيء طريق الآخرين.
النهاية الحقيقية بعد رحيل آمال بخمس سنوات، اجتمع أولادها الثلاثة في ذكرى افتتاح المركز.
كان المكان مزدحمًا بمئات الأشخاص الذين تغيرت حياتهم بسببه.
وقف ابنها الأكبر على المنصة وقال
أمي كانت دايمًا تقول لو ربنا كتبلك تقوم بعد الوقعة، اوعى تقوم لوحدك... قوم ومعاك غيرك.
ثم أعلن مفاجأة لم يكن أحد يعرفها.
قررنا نفتتح فرعًا جديدًا للمركز في محافظة تانية، وهيكون مجاني بالكامل.
دوّى التصفيق في القاعة.
وفي نهاية الاحتفال، تقدمت سيدة مسنة تستند إلى عكاز.
كانت تحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قالت أنا كنت جارة آمال من أكتر من عشرين سنة.
فتحت الصندوق، وأخرجت منه دفترًا قديمًا.
قالت قبل وفاتها بأيام، ادتني الدفتر ده، وقالت لو جه يوم الناس سألت أنا كنت بفكر في إيه... سلّميه لأولادي.
فتح الأولاد الدفتر، وكانت أول صفحة مكتوب فيها بخط يدها
لو بتقروا الكلام ده، يبقى أنا خلاص عند ربنا. متزعلوش عليا... أنا عشت حياة يمكن كانت صعبة، لكنها كانت مليانة نعم.
وقلبوا الصفحة.
أوعوا تكرهوا أبوكم. الإنسان ممكن يغلط، وربنا وحده يعلم اللي في القلوب. ادعوله بالرحمة، واتعلموا من غلطه، لكن متكرروهوش.
ثم الصفحة الأخيرة.
أنا ماكسبتش لأني انتصرت على حد... أنا كسبت لأني انتصرت على نفسي، ومخليتش القسوة تغيّر قلبي.
لم يتمالك الأولاد أنفسهم.
أغلقوا الدفتر وهم يبكون.
ثم خرجوا إلى ساحة المركز، حيث كانت لوحة كبيرة تحمل صورة أمهم.
وقف الجميع دقيقة صمت، ثم بدأ المرضى والمتعافون والعاملون يزرعون شجرة جديدة في الحديقة.
ثبتوا أمامها لافتة صغيرة كُتب عليها
شجرة آمال... جذورها صبر، وأغصانها رحمة، وثمرها كرامة.
ومع مرور السنين، كبرت الشجرة، وكل من كان
دي مش مجرد شجرة... دي حكاية ست علمتنا إن الإنسان ممكن يخسر كتير، لكنه يفضل عظيم طالما ما
متابعة القراءة