كان عندى 10 سنين

لمحة نيوز

سبب نجاة حد، أو سبب نجاتكم أنتم.
وفي صباح اليوم التالي، علّق أحفادي لافتة جديدة على باب الدار كُتب عليها
ازرع خيرًا... فقد يعود إليك حين تظن أن كل الأبواب أُغلقت.
ومن يومها، كل واحد كان يدخل الدار يقرأ الجملة دي، ويخرج وهو مؤمن أن الرحمة لا تضيع، وأن المعروف يظل حيًا مهما مر عليه الزمن.
تمت الحكاية. بعد أيام من العثور على الدفتر، كانت مريم تقلب صفحاته الأخيرة، وفجأة سقط منه مفتاح صغير من الحديد، مربوط بخيط قديم.
تحت المفتاح كانت مكتوبة جملة قصيرة
إذا أردتِ معرفة آخر سر... فاذهبي إلى شجرة الجميز عند الغروب.
في نفس اليوم، خرجت مريم مع إخوتها إلى الشجرة التي كانت ما زالت واقفة منذ عشرات السنين.
وبجوار جذعها وجدوا صندوقًا خشبيًا مدفونًا تحت التراب.
فتحوه بحذر...
وجدوا داخله عملات قديمة، ووثائق، ورسالة مختومة بالشمع.
فتحت مريم الرسالة وقرأت
هذه الأرض وما عليها وقفٌ للفقراء والأيتام، ولا يحق لأحد بيعها أو أخذها لنفسه.
كانت الرسالة موقعة باسم الرجل العجوز الذي آوى زينة وأختها.
وبفضل تلك الوثائق، ثبت حق الدار في الأرض، بعدما حاول بعض التجار الاستيلاء عليها.
فشلوا جميعًا، وبقيت الدار كما أراد صاحبها.
وفي يوم افتتاح المبنى الجديد، وقف شيخ القرية وقال أمام الناس
يمكن الناس تفتكر إن الحكاية بدأت في ليلة برد... لكن الحقيقة إنها بدأت يوم واحد عمل خير من غير ما ينتظر شكر.
صفق الجميع.
أما مريم، فعلقت الرسالة الأصلية داخل إطار خشبي في مدخل الدار، حتى يقرأها كل من يدخل.
ومرت السنوات...
وتغيرت الوجوه، وتعاقبت الأجيال، لكن باب بيت الرحمة ظل مفتوحًا، لا يُغلق في وجه جائع، ولا يتيم، ولا مسافر.
وكان كل طفل يغادر الدار بعد أن يكبر، يزرع شجرة أمامها.
حتى صار الطريق المؤدي إليها مليئًا بالأشجار،
وسماه الناس
طريق الرحمة.
وهكذا بقيت قصة زينة تُروى جيلًا بعد جيل، لا لأنها قصة حزن... بل لأنها أثبتت أن الخير الصادق لا يموت أبدًا، وأن بابًا فُتح لطفلتين في ليلة باردة، فتح الأمل لآلاف البشر بعدهما. النهاية الحقيقية. بعد مئة سنة...
اختفت أسماء معظم الناس من ذاكرة القرية، لكن اسم بيت الرحمة ظل باقيًا.
في أحد أيام الشتاء، توقفت حافلة أمام الدار، ونزل منها مدرس يصطحب مجموعة من الأطفال في رحلة مدرسية.
وقف أمام الباب وقال
عارفين المكان ده؟
هز الأطفال رؤوسهم بالنفي.
ابتسم وقال
من مئة سنة، وقفت هنا طفلة عندها عشر سنين، شايلة أختها الصغيرة، وكانت فاكرة إن الدنيا انتهت.
ثم أشار إلى اللوحة المعلقة على الباب، وقرأ
الخير لا يضيع... ولو بعد حين.
وفي أثناء الجولة، اقترب طفل صغير من صورة زينة المعلقة على الحائط، وسأل
هي كانت بطلة؟
رد المدرس
لأ... كانت طفلة عادية، لكنها رفضت تستسلم.
سكت الطفل لحظة، ثم قال
لما أكبر... أنا كمان هعمل بيت رحمة في بلدي.
ابتسم الجميع.
وفي تلك اللحظة، نظرت مديرة الدار إلى السماء وقالت
يمكن زينة راحت من الدنيا من سنين طويلة... لكن كل طفل بيخرج من هنا وهو مبتسم، هو دعوة مستجابة ليها.
ومع غروب الشمس، امتلأ البيت بأصوات الأطفال، ورائحة الخبز الساخن، وضحكات لم تنقطع.
وكأن تلك الليلة البعيدة، ليلة البرد القارس، لم تكن نهاية حكاية طفلتين...
بل كانت بداية حكاية إنسانية لن تنتهي أبدًا. تمت وبعد سنوات طويلة جدًا...
كان بيت الرحمة قد أصبح مؤسسة كبيرة، يأتي إليها الناس من كل مكان، لكن في إحدى ليالي الشتاء، وقف شيخ عجوز أمام الباب وهو يتكئ على عصاه.
طرق الباب ثلاث طرقات... تمامًا كما فعلت زينة وهي طفلة.
فتح له الحارس وقال اتفضل يا حاج.
ابتسم الشيخ وقال أنا مش جاي آخد حاجة.
.. أنا جاي أرجّع أمانة.
أخرج من جيبه كيسًا قماشيًا صغيرًا، ووضعه على الطاولة.
فتحه المسؤولون، فوجدوا بداخله الحجاب النحاسي القديم.
تعجبوا وقالوا إزاي وصل عندك؟
قال الشيخ أنا حفيد الرجل اللي استضاف زينة وأختها. قبل ما جدي يموت، سلمني الحجاب وقال لي لما تحس إن الرسالة وصلت لكل الناس، رجّعه مكانه.
ساد الصمت.
قرروا وضع الحجاب داخل صندوق زجاجي في مدخل الدار، وتحته عبارة
هذا ليس كنزًا... الكنز الحقيقي هو القلب الذي يفتح بابه للمحتاج.
ومنذ ذلك اليوم، صار كل زائر يقرأ العبارة قبل أن يدخل، ويخرج وهو يحمل فكرة واحدة
أن أعظم ميراث يتركه الإنسان ليس المال، ولا الأرض، بل الرحمة التي يزرعها في قلوب الآخرين.
وهكذا ظلت قصة زينة تُحكى، لا لأنها أغرب قصة في القرية، بل لأنها كانت دليلًا على أن الخير الصغير قد يغيّر مصير أجيال كاملة.
تمت القصة. الجزء الثاني
مرّ ثلاثون عامًا على وفاة زينة، وأصبح بيت الرحمة يديره أحفادها، بينما كانت قصتها تُحكى للأطفال قبل النوم.
لكن في شتاءٍ قارس، اختفى ثلاثة أطفال من أبناء القرية بعدما خرجوا يجمعون الحطب من الغابة.
خرج الرجال يحملون الفوانيس، وظلوا يبحثون حتى الفجر، لكن لم يجدوا لهم أثرًا.
وبعد يومين...
عاد طفل واحد فقط.
كان حافي القدمين، وملابسه نظيفة على غير المتوقع، وفي يده رغيف خبز ساخن، كأنه خرج لتوه من بيت مأهول.
أحاط به أهل القرية وهم يسألونه
فين أصحابك؟
ظل ساكتًا لدقائق، ثم قال بصوت مرتجف
لقينا بيتًا منورًا وسط الشجر... نفس البيت اللي في حكاية زينة.
ساد الصمت.
قال شيخ القرية البيت ده اختفى من أكتر من مئة سنة.
هز الطفل رأسه وهو يبكي
أنا شوفته... وست عجوز كانت جوا. ادتنا أكل وغطتنا بالبطاطين، وقالت ارجعوا بسرعة... الطريق هيقفل.
سأله الناس والولدين التانيين؟

خفض رأسه وقال
لما صحيت... كنت لوحدي.
في اليوم التالي، خرجت حملة كبيرة للبحث عن الطفلين.
وبين الأشجار، وجدوا شيئًا واحدًا فقط...
الحجاب النحاسي القديم... رغم أنه كان محفوظًا داخل صندوق زجاجي في بيت الرحمة منذ سنوات.
نظر الجميع إلى بعضهم في ذهول.
فذهبوا مسرعين إلى بيت الرحمة...
فوجدوا الصندوق الزجاجي مفتوحًا، والحجاب اختفى منه بالفعل.
وهنا أدرك أهل القرية أن السر الذي ظنوا أنه انتهى... ربما لم ينتهِ بعد واصل أهل القرية البحث يومًا بعد يوم، لكن الطفلين لم يُعثَر لهما على أثر.
وفي الليلة السابعة، كان حفيد زينة، واسمه يوسف، يقف أمام صندوق الحجاب الفارغ، يتأمل المكان في صمت.
وفجأة...
سمع طرقات خفيفة على باب بيت الرحمة.
فتح الباب، فلم يجد أحدًا.
لكن على العتبة كانت هناك سلة من الخوص، بداخلها رسالة مطوية.
فتحها بسرعة، وكان مكتوبًا فيها
لا تبحثوا في الطريق الذي يعرفه الناس... ابحثوا في الطريق الذي نسيه الزمن.
في صباح اليوم التالي، تذكر يوسف حكاية قديمة كانت جدته ترويها عن ممر حجري قديم طمره التراب منذ عشرات السنين.
خرج مع رجال القرية، وبعد ساعات من الحفر، ظهرت درجات حجرية تنزل إلى وادٍ صغير خلف الغابة.
وفي نهاية الوادي...
وجدوا كوخًا خشبيًا قديمًا.
دفع يوسف الباب ببطء...
فوجد الطفلين جالسين بجوار موقد نار، يأكلان خبزًا ساخنًا ويضحكان، وكأن شيئًا لم يحدث.
ركض الطفلان نحوه وهوما يبكيان من الفرح.
سألهم يوسف
مين اللي جابكم هنا؟
قال أحدهما
راجل كبير في السن لقانا وإحنا تايهين، وجابنا هنا، وقال إنه وعد قديم لازم يفضل يتنفذ... وإن أي طفل يضيع في الغابة لازم يلاقي حد ينقذه.
خرج يوسف بسرعة يبحث عن الرجل...
لكن الكوخ كان خاليًا.
ولم يجد سوى عصا خشبية قديمة، وعلى الحائط عبارة محفورة
الرحمة
لا تموت... هي فقط تنتقل من قلبٍ إلى قلب.
حمل يوسف الطفلين وعاد بهما إلى القرية.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يتحدث
تم نسخ الرابط