كان عندى 10 سنين

لمحة نيوز

بعد سنين علشان نشكر صاحبه.
لكننا ملقيناش بيت، ولا موقد، ولا أي أثر.
سألنا أهل المنطقة، فقالوا باستغراب
كان فيه بيت زمان... لكن صاحبه توفى من أكتر من عشرين سنة.
بصيت لأبويا، وهو بص للحجاب النحاسي اللي في إيدي، وقال بهدوء
يمكن ربنا بعت لنا الرحمة في صورة إنسان... والمهم إنكم رجعتوا سالمين.
ومن يومها، بقيت مؤمنة إن الأمل ممكن يظهر في أكثر الأماكن اللي الناس فاكرة إنها مستحيل يكون فيها نجاة بعد مرور عشرين سنة...
بقيت أنا ست عندي بيت صغير، ونور كبرت وبقت معلمة في مدرسة القرية. حياتنا استقرت، لكن سر البيت اللي ظهر في ليلة الشتاء عمره ما فارق خيالي.
في يوم، وإحنا بنرتب حاجات أبويا بعد وفاته، لقيت صندوق خشب قديم مقفول بمفتاح صغير.
فتحته...
لقيت رسالة مكتوب عليها بخط أبويا
يا زينة... لو وصلتي للجواب ده، يبقى أنا مشيت من الدنيا. عايزك تعرفي الحقيقة. الراجل اللي أنقذكم زمان كان صاحبي، ولما حسيت إن المرض هيغلبني، بعت له جواب أرجوه يستناكم لو خرجتوا من البلد. كنت واثق إنه مش هيسيبكم.
فضلت أبكي وأنا بقرأ.
إذن البيت لم يكن سحرًا، ولا لغزًا.
كان رحمة من ربنا، وسَبَبها إنسان صالح وفى بوعد قطعه لأبويا.
خرجت أنا ونور للمكان القديم مرة أخيرة.
هذه المرة وجدنا أطلال بيت صغير متهدم، وبجواره شجرة زيتون ضخمة.
وقفنا نقرأ الفاتحة لصاحب البيت، ووضعنا تحت الشجرة لوحة خشبية كتبنا عليها
هنا عاش رجل فتح بابه لغريب، فأنقذ أسرة كاملة.
ومن يومها، كل مسافر أو محتاج يمر من الطريق ده يلاقي عند الشجرة زير مية، وأكل، ومكان يستريح فيه.
وأصبح أهل القرية يحكون لأولادهم قصة طفلتين أنقذهما الخير في ليلة شتاء قاسية، ليعرف الجميع أن الرحمة لا تضيع، وأن المعروف يبقى أثره حتى بعد رحيل صاحبه
بسنوات. تمت بعد سنوات، انتشرت حكاية الشجرة والبيت في القرى المجاورة، لكن قليلين كانوا يعرفوا الحقيقة.
وفي صباح يوم، وأنا بنضف المكان، لقيت ولد صغير واقف على الطريق، هدومه ممزقة، وشايل أخته الرضيعة، ووشه كله خوف.
أول ما شوفته... افتكرت نفسي.
قربت منه بهدوء وسألته مالك يا ابني؟
قال وهو بيحاول يمسك دموعه ملناش حد... وبقالنا يومين ما أكلناش.
ابتسمت وربت على كتفه، وقلت ادخل... البيت ده عمره ما هيقفل بابه في وش محتاج.
دخل هو وأخته، وأكلوا وشربوا وارتاحوا.
نور بصت لي وابتسمت وقالت فاكرة الليلة اللي كنا إحنا مكانهم؟
هزيت رأسي وقلت عشان كده عمرنا ما هنسيب حد يتوجع لو نقدر نساعده.
وبمرور السنين، تحول البيت إلى ملجأ لكل مسافر وتائه وفقير.
كان أي حد يخبط بابه يلاقي نار دافية، ولقمة، وكلمة طيبة.
وأهل القرية بقوا يسموه بيت الرحمة.
ولما كبرت في السن، جمعت أولادي وأحفادي، وحكيت لهم القصة كلها، وقلت لهم
الفلوس ممكن تخلص... لكن الرحمة اللي بتعملها في حياة إنسان بتعيش بعدك بسنين.
ومن يومها، بقى أولادي وأحفادي يكملوا نفس الطريق، وكل واحد فيهم يعتبر إن أي محتاج يخبط الباب هو ضيف من عند ربنا.
وهكذا انتهت الحكاية، لا بسر مرعب، ولا بانتقام، لكن برسالة إن الخير اللي بتزرعه في وقت الشدة، بيرجع يومًا ما ينقذ أرواحًا تانية. تمت بعد مرور أعوام طويلة، كنت كلما أجلس أمام باب بيت الرحمة أتذكر أول ليلة دخلته فيها وأنا طفلة خائفة أحمل أختي بين ذراعي.
وفي أحد أيام الشتاء، جاءت عربة يقودها رجل ثري من المدينة، ونزل منها وقال
سمعت عن البيت ده... وعايز أعرف مين اللي بناه.
ابتسمت وقلت اللي بناه الحقيقي هو الرحمة.
استغرب من كلامي، فقعدت أحكي له القصة من أولها.
ظل يسمعني في صمت، ولما
انتهيت، أخرج ورقة من حقيبته وقال
أنا مهندس، وعايز أبني مكان أكبر هنا... يكون دارًا لإيواء الأطفال اللي ملهمش أهل، على نفقتي.
لم أصدق ما سمعت.
وبالفعل، بعد شهور، تحول البيت الصغير إلى دار كبيرة فيها غرف نظيفة، ومطبخ، وفصل لتعليم الأطفال.
نور كانت تعلمهم القراءة والكتابة، وأنا كنت أطبخ لهم وأعتبرهم أولادي.
كبر الأطفال، وصار منهم الطبيب، والمعلم، والنجار، والمزارع.
وكل واحد منهم كان يعرف قصة البيت، ويقسم أنه إذا رأى يومًا طفلًا محتاجًا فلن يتركه وحده.
أما الحجاب النحاسي الذي تركته لي أمي...
فعلّقته عند مدخل الدار، وكتبت تحته
ليس هذا ما يحمينا... بل رحمة الله، ثم قلوب الناس الطيبة.
وظل البيت مفتوحًا لعشرات السنين، حتى صار علامة يعرفها كل عابر طريق.
وكان الناس يقولون
إذا ضاقت بك الدنيا... اذهب إلى بيت الرحمة، فلن تعود منه إلا وقلبك أخف مما كان.
النهاية بعد خمسين سنة...
كنت قاعدة على كرسي خشبي قدام الدار، وشعري كله بقى أبيض، ونور قاعدة جنبي بتضحك مع الأطفال اللي بيجروا في الساحة.
وفجأة وقف قدام الباب شاب في العشرينات، هدومه بسيطة، لكن ملامحه مألوفة بشكل غريب.
قال حضرتك زينة؟
ابتسمت وقلت أيوه يا ابني.
طلع من جيبه الحجاب النحاسي القديم، لكن كان معاه حجاب تاني شبهه بالضبط.
اتصدمت.
قلت إزاي معاك واحد زيه؟
ابتسم وقال قبل ما جدتي تموت، سلمتهولي وقالت لو قابلت يومًا واحدة اسمها زينة، إديلها ده.
فتحنا الحجاب، ولقينا جواه ورقة صغيرة ملفوفة بعناية.
كانت بخط أمي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحها.
مكتوب فيها
يا زينة... لو وصلتك رسالتي، يبقى ربنا نجاكي. افتكري دايمًا إن الإنسان ممكن يخسر كل حاجة، إلا الرحمة. لو ربنا وسع رزقك يومًا، افتحي بابك لكل محتاج، لأن اللي هيخبط
بابك ممكن يكون أنا لو كنت عايشة.
ماقدرتش أمسك دموعي.
وهي كانت بتبكي هي كمان.
بصيت للأطفال اللي بيلعبوا في الدار، وافتكرت الليلة اللي خرجنا فيها وإحنا مش لاقيين مكان ننام فيه.
وقلت في نفسي
الحمد لله... أمي ماتت وهي خايفة علينا، لكن ربنا حقق وصيتها.
وفي نفس اللحظة، ارتفع أذان المغرب من مسجد القرية.
قام كل الأطفال يجروا يتوضوا، والدار امتلأت بالحياة والضحك.
ابتسمت وأنا أبص للسماء، وقلت
يا رب... كما رحمتنا في أصعب ليلة، اجعل هذا البيت رحمة لكل من يدخله.
وأصبح بيت الرحمة وقفًا خيريًا لا يُغلق بابه أبدًا، يتوارثه الأبناء والأحفاد، حتى صار اسمه يُذكر في القرى كلها كمكان يجد فيه كل محتاج طعامًا، وأمانًا، ودفء قلب.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن أثر الرحمة ظل مستمرًا، جيلًا بعد جيل. بعد أكثر من سبعين سنة...
كانت الدار لسه واقفة، لكن المرة دي كنت أنا مجرد حكاية يحكيها الأحفاد.
في ليلة شتوية، كانت حفيدتي الصغيرة مريم بترتب المكتبة القديمة، وفجأة لقت دفتر جلد بني متخبي بين الكتب.
فتحته...
وكان أول سطر مكتوب فيه
هذه قصة زينة... كما عشتها، وليس كما رواها الناس.
جريت تنادي أهل البيت، وكلهم اتجمعوا حوالين الدفتر.
كان فيه تفاصيل محدش يعرفها.
إن أبويا، قبل ما يمرض، كان بيطلع جزء من رزقه كل شهر يساعد الغلابة في السر.
وإن الراجل العجوز اللي فتح لنا بابه، كان واحد من الناس اللي أبويا ساعدهم زمان من غير ما يستنى مقابل.
ولما عرف إن أبويا وقع في ضيقة، قال
الخير عمره ما بيضيع... والجميل لازم يرجع لأصحابه.
سكت الجميع.
وفهموا إن اللي أنقذنا ماكانش سحر، ولا معجزة غامضة...
كان ثمرة خير زرعه أبويا من سنين، فرجعه ربنا له في أولاده.
قفلت مريم الدفتر، وبصت للصغار اللي قاعدين يسمعوا.

وقالت
إوعوا تستقلوا بأي معروف، حتى لو كان رغيف عيش أو كلمة طيبة... يمكن بعد سنين يكون هو
تم نسخ الرابط